الخط الإسلامي الصيني (سيني)

وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا

في سنة 2004 أقيم معرض ومسابقة دولية في الخط العربي في باكستان وشارك فيها خطاطون من 17 دولة من بينها الصين. ويذكر موقع رسالة الثقافة الصينية أن الخطاطين الصينين لم يحظوا بأي جائزة وذلك لعدم تعود عيون الحكام على البعد الثقافي في الخط السيني (بمعنى الصيني وسأستمر في استخدام تسمية الخط السيني للتمييز بينه وبين الخط الصيني الأصلي). ويصدق هذا رسالة إستلمتها على هذه المدونة من فترة بعيدة يعلق فيها أحد زوار المدونة من بلد عربي أن هؤلاء بحاجة الى من يعلمهم قواعد الخط العربي. وفي تقديري أن هذا الأخ مع مجموعة حكام مسابقة باكستان هم من بحاجة الى أن يتعلموا معنى التعارف الثقافي والمعاني الكامنة في الخط الإسلامي الصيني أو السيني.

ودين الإسلام العظيم جاء بحزمة من القيّم الأخلافية منها السلام والتلاقي الثقافي. وكانت المعاني والمحتوى الأخلاقي الإسلامي من أقوى الوسائل التي لانت لها قلوب البشرية في الشعوب التي وصلها الإسلام دعوة دون الفتح العسكري. والأمم الإسلامية الآسيوية مثل ماليزيا وإندونيسيا والمسلمين في الفلبين والصين شواهد على هذا الإستسلام لمعاني الخير والسلام الموجودة في دين الله الحنيف. وقد يكون من المفيد لنا نحن العرب في قلب العالم الإسلامي أن نفهم معنى هذا البعد العظيم الذي يمثله هذا المد الثقافي الذي يمتد من هاهنا الى اقصى الأرض في تنوع ثقافي غنيّ وأصيل. ولذا، وفي محاولة بسيطة منّي أكتب هذه المقالة لعرض الإبداع النابع من قلوب مفعمة بالإيمان وعقول ترسّخ فيها تراث ثقافي غنيّ وعميق.

لنأخذ فرصة من الوقت ونطلع على الخط الإسلامي في الصين.

الثلث الصيني

كان لخط الثلث الذي زيّن المباني التي شيدت في عصر الدولة المغولية الأثر الأكبر في نشأة الخط السيني. ولربما كان عامل الإنحناءات في كل من خط الثلث العربي والخط الصيني الأصيل هو نقطة إنطلاق طابع الخط الإسلامي الصيني أو “السيني”. ولندرس هذا التلاقي عبر مجموعة الأمثلة التالية.

البسملة بالخط السيني. ونرى تأثير خط الثلث العربي واضحاً في هذا العمل الذي يضم أيضاً مكونات صينية معروفة كالأختام الحمراء. ومع أن قلم الخط المصنوع من القصب كان يستخدم في الصين أيضاً إلا أن الأعمال الفنية كهذا المثال كان ينفذ بالفرشاة. ويبدو أن صانعوا هذه الأعمال كانوا يحافظون على إظهار تأثير الفرشاة كنوع من التعبير الفني.
بسملة أخرى من عمل يوسف تشن جنهوي Yousuf Chen Jinhui وهي أكثر رشاقة من البسملة الأولى وتظهر تداخلات خط الثلث العربي. كما أن الأختام في هذا العمل باللغة العربية وبخط ثلث عربي. والختم على اليسار يحتوي خط عربي بالكوفي المربع مع كتابة باللغة الصينية.
وهذا عمل جميل يحتوي على عناصر الفن الصني كرسمة الشجر إضافة الى الأختام الحمراء المعروفة والكتابة الصينية على جهة اليمين. وهذا العمل يمثل نموذجاً رائعاً من تداخل الفن الإسلامي العربي بالفن الصيني حيث أنك تستطيع أن تقرأ الكتابة العربية في الوقت الذي لا تخطئ تعبير الفن الصيني في العمل.
هذا مصحف كتب بخط إسلامي صيني مشتق من القلم الريحاني مع رسوم الزهور – وأحياناً صورة مشيد صغير – عند كل عشرة آيات. كتب هذا المصحف في بكين سنة 1634 من التقويم العام (1053 هجري) وذلك بيد أمة الله نور العلم بنت رشيد. والمصحف محفوظ الآن في متحف ديفيد في الدنمارك.
في هذه الصورة نرى إمتزاج الخط العربي والزخرفة الإسلامية مع الفن الصيني في محراب مسجد نيوجيي في بكين.

طريقة الخط

وبعد أن أستعرضنا بعض النماذج القليلة من الخط الإسلامي الصيني أو السيني لنطّلع على إسلوب تنفيذ هذه الأعمال من خلال بعض التسجيلات التي اخترتها من الإنترنت. وسنلاحظ أن الخط السيني يحتفظ بأساليب تنفيذ الخط الصيني الأصلي من حيث حركة اليد والأدوات المستخدمة. ومع وجود الخطاطين الآسويين الذين يستخدمون قلم الخط المعروف عندنا ويتبعون طريقة الخط العربي التقليدية بتطبيق قواعد الخط العربي، إلا إننا هنا بصدد نوع آخر من الخط العربي أصبح له أصوله وطرقه الخاصّة والذي نتج عن هذا الإلتقاء العظيم بين الثقافة الإسلامية والثقافة الصينية.

والحاج نورالدين مي قوانج جيانج هو من المهتمين بالخط الإسلامي الصيني (السيني) ويروج له من خلال أعمال فنيّة متميزة. وفي التسجيلات الستة الأولى في هذه التدوينة يقوم الحاج نورالدين بشرح الكثير عن أسلوبه الخاص في الخط السيني. أما الخطاط الصيني بدر ماو فله حركة خاطفة مميزة تستقي من الطريقة التقليدية في الخط الصيني والتي تكون الضربة هي الضربة وفيها ما فيها من القوة التعبيرية التي تتجمد وتتجسد مع جفاف الحبر.

أولاً: ستة تسجيلات للحاج نور الدين مي جيانج هوانج
ثانياً: القوة التعبيرية في ضربة الخطاط بدر ماو

الجذر الجيني للخط السيني

ضربة القلم في الخط الإسلامي الصيني تختلف عن ضربة قلم الخط العربي حيث تنبع طريقة الخط السيني من الطريقة الصينية التقليدية. ففي الوقت الذي يُسحب فيه قلم الخط العربي ببطء على سطح الكتابة وتجري في عقل وعين الخطاط الحسابات المطلوبة لرسم الخط وفق الضوابط والقواعد تأتي ضربة الخط الصيني تلقائية بعد تراكم شعوري كما تنطلق شرارة الكهرباء بعد تراكم الكهرباء في مكثاف. وتكون الضربة في الخط الصيني واحدة لا تحتاج الى تحسين بعدها في حين أن ضربة الخط العربي تحتاج في بعض الأحيان الى التحسين أو التتميم كما يفعل الخطاط بزاوية سن القلم في الترويسات وفي ذيول حرف الراء في خط الثلث.

وقد عثرت على مجموعة من لوحات الحروف في الخط الصيني موضحاً عليها مسار الخط حيث يستطيع المشاهد تخيل حركة فرشاة الرسم وديناميكية حركتها بالجمع بين خط المسار وشكل الضربات النهائية. ولعله من المفيد أن نطلع على هذه اللوحات ليزداد فهمنا وحسنا تجاه أصل الخط الصيني والذي يمثل أصل الخط الإسلامي الصيني أو السيني.

وختاماً نحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.

Advertisements

صناعة الخطوط العربية

لقد كانا شهرين مضنيين عقدت العزم فيهما على أن أتم موضوعاً كان في بالي منذ أن بدأت هذه المدونة. فعلى الرغم من تجاربي العديدة في تصميم الخطوط العربية إلا أن صناعتها موضوع آخر خاصة بالنسبة الى خطوط الحواسيب الحديثة من نوع الـOpenType / TrueType. وبحمد الله أستطعت الآن أن أنجز تسجيلات لتمرين سريع في صناعة الخطوط العربية بالإضافة الى كتاب موجز حول نفس الموضوع.

وقد كان هذا التقدم بسبب تحولي من برنامج FontLab V الى برنامج FontForge ثم وأخيراً برنامج FontCreator. فأما الأول فإنه لا يصلح إطلاقاً لصناعة الخطوط العربية وهو برنامج صعب الإستخدام وعقيم. وأما الثاني فهو أكثر صعوبة وهو برنامج غامض على منصة الـWindows ولكن على الأقل استطعت أن أبرمج الخط التجريبي الذي اخترته من تصاميمي لهذا التمرين بما بدى أنني قد وجدت الأداة المناسبة. ولكن عندما توقف البرنامج في تصدير خط عربي يعمل بشكل صحيح توقفت أنا بدوري عن إستعماله وعملت بما اقترحه الأستاذ سلطان المقطري فاستثمرت بتحسين نسخة الـFontCreator Home Edition الى نسخة الـ FontCreator Professional Edition 11.5 فكانت في الحقيقة مفاجأة سارة حيث أن هذا البرنامج ذو قدرات ممتازة لصناعة الخطوط العربية وخاصة أداة الـOpenType Designer التي في ضمن البرنامج.

ولندخل في صلب الموضوع ونشاهد التسجيلات التي قمت بعملها خلال هذه التجربة.

أما الموارد المشار إليها في هذا التمرين فيمكن الحصول عليها من الروابط التالية:

والآن لنتفرج على بعض صور صفحات الكتاب الصغير الذي أعددته ليصاحب التسجيلات أعلاه:

 

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والصلاة والسلام على نبي الهدى محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

إستكشف خط النستعليق

الإمكانيات الكامنة في هذه الأمة هائلة. وتأكيداً لذلك عمل المصمم الجرافيكي طه بدر من الباكستان الذي قام بإعداد سلسلة من التصاميم التي تسهل إستكشاف جماليات خط النستعليق. والنستعليق من ناحية التسمية هي حاصل الجمع: (نسخ) + (تعليق) = نستعليق. وهو خط ناتج من تطور خط النسخ في بلاد المشرق الإسلامي واندماجه مع خط التعليق. وخط النسخ معروف، أما خط التعليق فسمي بذلك لأنه يبدو معلقاً من حيث تدرجة نحو الأسفل مع إتجاه الكتابة، وهي السمة الظاهرة التي بقيت في خط النستعليق.
 
ويبدو أن التصاميم التي أحب أن أشاركها معكم اليوم هي مادة لمحتوى موقع على الإنترنت. وقد بحثت عن الموقع الذي يمكن أن تكون هذه التصاميم قد نشرت عليه إلا أنني لم أجده ويبدو أن المشروع لم يكتمل لحد الآن. على كل حال هذه مجموعة من تلك التصاميم وتستطيعون رؤية المزيد على صفحة المصمم الباكستاني على الـ Behance.
 
 
 
                       

إتفقنا على أن لا نتفق – اليونيكود (Unicode)

مثل مصير مفتاح كنيسة القيامة الذي إنتهى عند عائلة مسلمة لعدم إتفاق المسيحيون المقدسيون على من يحوزه، فقد ناب عن أصحاب الخط العربي من قام بتوحيد طريقة استعمال الخط العربي على الحواسيب. حيث قامت منظمة اليونيكود – لربما بأقل ما يمكن من استشارة أصحاب الشأن – بترميز الحروف العربية ضمن جداول موحدة أصبحت المعيار الأساس لاستخدام الخط العربي على الحواسيب وانتقال النص العربي عبر الإنترنت. وهذا جهد مشكور لأنه سهّل بشكل كبير تضمين النص العربي في البرمجيات وصفحات الإنترنت.

وبما أننا سنقوم بعون الله بمعرفة طريقة صناعة خط رقمي ضمن سلسلة تصميم وصناعة الخطوط العربية، فلا بد أن نعرف أهمية جداول ومواصفات اليونيكود حيث أن هذا العمل يعتمد على هذه الجداول في الصميم. والفكرة في أساسها بسيطة للغاية. فالموضوع لا يتعدى ترميز كل حرف من الحروف العربية برقم. نعم، هذا كل ما في الأمر. ولكن التحدي الأكبر يكمن في اتفاق المصنّعين ومن لهم علاقة بالموضوع وقد تم ذلك (نحن طبعاً مستثنون “بكلا”).

كما يتضمن الترميز تفاصيل معينة نستطيع أن نلخصها فيما يلي:

  1. الترميز يشمل الحروف والأرقام والحركات والإشارات والرموز (الفواصل والأقواس وعلامات الرياضيات وهكذا).
  2. الهمزة تأخذ أكثر من ترميز بحسب الرسم (مفردة، على الألف، على الواو، على الياء وهكذا).
  3. هناك عدة جداول لتغطية الخط العربي لتشمل كل اللغات التي تستخدم هذا الخط. وسنعرض صور الجداول التي تهمنا في البداية فيما يلي.

جداول اليونيكود للخطوط العربية

أولا: جدول الحروف الأساس

ثانياً: جدول أشكال المحارف العربية

وتستطيع تحميل هذه الجداول من موقع منظمة اليونيكود لنستخدمها فيما بعد عند صناعة الخطوط العربية. وروابط التحميل هي:

أولاً: الجداول الرئيسية للّغة العربية:

ثانياً: الجداول الثانوية للّغات التي تستخدم الخط العربي

الى هنا إنتهى هذا الدرس وما عليك إلا أن تحمل هذه الجداول وتحفظها في مجلد حتى يتسنى لنا استعراض الجولة الأولى الفعلية في تصميم الخطوط العربية.

نكتة العدد (بمناسبة اليونيكود)

من آخر مصاحف الإنترنت التي تعرفتُ عليها هو مصحف مسقط الذي تم إطلاقه على ما يبدو في تموز – يوليو 2017. وقد تم إطلاق المصحف في حفل تم التركيز فيه على مشاركة سلطنة عمان بمنظمة اليونيكود. ولا أدري إن كان هذا صحيح أم لا خاصة وأن التقديمات كانت فيها المغالطات والمبالغات التي يبدو أن مُنشِئها كان صانع مصحف مسقط المدعو Thomas Milo وجماعته في ديكوتايب. فقد تم الإدعاء في هذا الحفل أن مصحف مسقط هو المصحف الثاني في التاريخ الذي تم إخراجه بالحروف الطباعية بعد مصحف القاهرة المعروف. وهذا خطأ لأن هناك عدد من المصاحف التي تم إخراجها بالحروف الطباعية ليس أقلها مصحف المدينة المنورة الألكتروني المنشور على موقع مجمع المللك فهد لطباعة القرآن الكريم منذ سنوات عديدة. هذا بالإضافة الى العديد من المواقع التي تستخدم الخط الأميري الرقمي الذي تحدثنا عنه والمأخوذ من خط مصحف القاهرة الشهير والذي ينظر إليه توماس وعصابته نظرة المأخوذ.

الدخول الى التاريخ من الباب الخلفي: مصحف توماس ميلو

ويريد منّا توماس ميلو أن نشكره على ما يراه هو إنجاز تاريخي لم يستطع أحد أن يفعل مثله. فقد قام في مقدمة إحدى عروضه التي غالباً ما يبدؤها بكوميديا سقيمة لا تليق سوى بمهرجي السيرك من الدرجة الواطئة والتي لا يوفوّتها فرصة للإستهزاء والمهاترة عرض المسكين حواراً مع إمرأة تنتقده لتعامله الغير لائق مع القيّم الإسلامية ويقول هذا ما يجازيه به أهل هذه الثقافة في مقابل ما يقوم هو به من التطوير والإبتكار. ويشوبني الشك في أنه قد اختلق النقاش برمته حيث أن توماس ميلو بارع في التلفيق ومثال ذلك الأسطورة التي إسمها مهندس أوغلو التي اخترعها. (إنظر مقالتي عام 2015)

ويبدو أن توماس ميلو قد إستغل طيبة العمانيين وأوحى إليهم بأنه سيقدم لهم الإعجاز التاريخي الذي لم يسبقه أحد لفعله. فقال لهم أن عمله سيكون ثاني مصحف من نوعه وقد بيّنا كيف أن هذا كذب. وقال لهم أنه مبني على اليوينكود وهو ربما كذلك في برمجة التطبيق الخادم ولكن من ناحية المستخدم فهو ليس كذلك بل هو ليس نصاً أصلاً إذ أن ما تحصل عليه من مصحف توماس ميلو ليس سوى صورة تم تشكيلها على الخادم.

ولكن المشكلة الحقيقية في أنه يعتقد أن عمله هو الإستنساخ الأصيل الوحيد لخط النسخ بالرسم العثماني لأنه يطّبق قواعد الخط العربي التي يظن أنه هو وحده قد اكتشفها. وهو بذلك يعتبر أن القرآن لم يتم تحميله على الإنترنت حتى قام هو بذلك لأن بقية المحاولات لا تطبق قواعد الخط العربي الأصيلة. وهذه مبالغة مضحكة لأنه وإن كان قد أتقن إلى حد ما طريقة تطبيق قواعد الخط العربي على التظهير الطباعي فهذا لا يعني أن بقية الأعمال لا يعتد بها لكونها قد عفت عن قاعدة خطاطية أو تفصيل هو يراه مهم. ثم أنه ومع تطبيقه الصارم (على إدعائه) لقواعد الخط في التظهير الطباعي فعمله لم يصل الى جمال عمل الخطاطين الأصلي وكما نرى في المقارنة التالية:

على اليمين صفحة مصورة من مصحف المدينة المنورة بخط عثمان طه. وعلى اليسار صورة من شاشة الإنترنت لمصحف توماس ميلو الذي حمله على الإنترنت على ظهر وزارة الأوقاف والشؤون الدينية العمانيّة. وأحب أن أؤكد هنا حقيقة مهمة وهي أن الخط غير الطباعة. وهذا ما لم يفهمه توماس بعد. ولم يستفد عمل توماس كثيراً من التطبيق الحرفي لأصول الخط العربي حيث أن خط توماس في النص قبيح بالمقارنة مع الشئ الحقيقي.

من المخزي جداً أن يستغل توماس الموقف للترويج لبضاعته التجارية ويخون ثقة العمانيين به حينما عهدوا إليه بهذا العمل. نرى هنا في الصورة أنك حينما تضغط على كلمة في مصحف توماس تظهر لك البدائل الطباعية على غرار برنامج تصميم الذي ينتجه. وهذا من مصلحته هو فقط لأنه ليس من مستخدم للمصحف من يهمه من هذه البدائل الطباعية شيء. ولا يزيد في قيمة الأداة هذا التفصيل العديم الفائدة على الأقل في هذا السياق. وأعتبرها خيانة لأن العمانيين بالتأكيد كان مقصدهم في دعم هذا المشروع هو أعلى وأرقى من إستعراض قدرات توماس ميلو في عرض البدائل الخطاطية الخارجة عن سياق المشروع وخارجة عن دائرة إهتمام وزارة الأوقاف والشؤون الدينية العمانيّة.

حينما تزور الموقع تستطيع معرفة المزيد عن المشروع من خلال الضغط على الشعار في أعلى شمال الشاشة. وستعلم حينها لماذا يعكس هذا العمل أهداف توماس ميلو أكثر من غايات وزارة الأوقاف والشؤون الدينية العمانيّة. وذلك لأن هذه الصفحة ترينا بأنه لم تمس هذا العمل يد عمانية واحدة في صناعته.

تصحيح: لربما وصلت اليد العمانيّة الى مصحف مسقط ولكن… (على كل حال إضغط على الصورة لتشاهد حفل الإطلاق).

المبدأ في هذا الموضوع

غايتي من هذا النقد هو التنبيه حول الوهم الذي يروّج له توماس ميلو فيما يتعلق بالخط الطباعي العربي. وأستطيع أن ألخص ما أريد أن أقوله في النقاط التالية:

  1. الخط التقليدي (النسخ والثلث والرقعة وغيرها) غير الخط الطباعي ولا يجدر بالخط الطباعي أن يقلد الخطوط التقليدية لأنه من غير الممكن ذلك في حدود الإمكانيات الحالية وبضمنها الإمكانيات التي يعرضها توماس ميلو التي لا تعدو أن تكون تطبيق لقواعد الخط العربي دون الوصول الى المستوى الجمالي الذي يتمتع به الخط العربي الأصيل.
  2. صحيح أن الخط الطباعي العربي لم يحقق الإستنساخ والتطبيق الكامل لأصول الخط العربي إلا أن هذا غير مهم وغير مطلوب. فطالما أن الخط الطباعي العربي السائد يؤدي الوظيفة اللغوية والتي من ضمنها تسجيل ونقل النص القرآني كما يجب أن يُنظق فهذا كافي من الناحية العملية.
  3. ثم صحيح أن المستوى الجمالي لم يرق الى مستوى الخطوط العربية التقليدية وهذه نقطة مهمة وهي رسالتنا في هذه المرحلة. وحلها ليس بأن نعود الى الخطوط القديمة ونحاول إشتقاق قواعدها لتطبيقها على الخطوط الطباعية الحديثة، بل على العكس: يجب أن نمضي في محاولة لتجويد الشكل الجمالي للخطوط العربية الطباعية الحديثة وبما يناسب الإحتياجات الوظيفية للمجالات الثقافية المعاصرة في العلوم والآداب والفنون والرياضة.
  4. وأخيراً فإن من الدروس المستفادة هو ضرورة أن نتّفق على أن نتّفق لسد الطريق أمام دخول الذئاب بغطاء الحمل كما في الحكاية التي سردناها في هذه المقالة.

ختاماً لكم مني كل المحبة والإحترام ولنتفق على أن نتفق بأن نأخذ بالخط الطباعي العربي الحديث الى مستويات جمالية تليق بهذه الأمة العظيمة من مشرقها الى مغربها في تنوع يستوعب الجميع ويرضي الرب الذي ابتعث هذه الأمة برسالة محمد صلى الله عليه وسلم لرفع الإنسانية الى المستويات التي ترضي الرب الخالق وتحقق الكرامة والسعادة الإنسانية في الدارين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وسيد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شواهد في تطور الخط الطباعي العربي

كمقدمة للعودة مرة أخرى الى موضوع تصميم وصناعة الخطوط العربية قمت بإعداد مسودة سريعة لمعالم محددة في تاريخ تطور الخط الطباعي العربي حسب معلوماتي المتواضعة. والمسودة التي أعددتها عبارة عن تطبيق على الإنترنت يعرض بطاقات تحتوي كل واحدة منها على نموذج لخط طباعي أو رقمي يمثل جانباً من جوانب تطور الخط الطباعي العربي. والغرض الأساسي من هذا التطبيق هو تيسير شرح هذه المعالم التاريخية في تسجيل قصير. وأرى أن هذه المقدمة مفيدة حيث أنها توضح لنا الأنواع المختلفة من الخطوط العربية وبالتالي يستطيع المهتم تحديد إتجاهه حينما يشرع في تصميم وصناعة الخط العربي الخاصة به. ولنبدأ المقدمة بتسجيلين توضيحيين.

وإشارة الى الروابط المذكورة في التسجيل، فيمكنكم الوصول إليها من خلال ما يلي:

تطبيق نماذج الخطوط العربية: http://khalidalabdullah.com/apps/atm

البرمجة المصدرية للتطبيق: https://github.com/khalidalabdullah/arabictypehistory

ملفات المصدر لخط بانية: https://github.com/khalidalabdullah/banyehfont

كما أحب أن أستعرض بعض البطاقات هنا أيضاً مع شرح قصير لكل بطاقة منها.

muteferrika
أول محاولة أصيلة للطباعة بالحروف المعدنية المفردة التي تنضد بالمساطر ثم تجمع المساطر في صفحات على الطريقة القديمة هي من عمل إبراهيم متفرقة المطبعجي ما بين عام 1711 وعام 1716 بالتعاون مع السفير العثماني في فرنسا بيكرمي سكز جلبي. وقد تم تأسيس مطبعة في اسطنبول حيث تم طبع العديد من العلم والمعرفة. وقد مهدت تجربة مطبعة اسطنبول لإنشاء مطابع أخرى في القاهرة وعموم الدول الإسلامية بحكم المعرفة والخبرة المتولدة من هذه التجربة.

حينما أمر محمد علي باشا بإنشاء المطبعة الحربية في بولاق قام باستيراد أجهزة الطباعة من إيطاليا. ويبدو أنه تم إستيراد واستعمال الخط الطباعي من إيطاليا أيضاً. ودليل ذلك المطبوعات الأولى التي تم طبعها في هذه المطبعة والتي ترينا هذه الصورة نموجاً منها. وتمثل الصورة الصفحة الأولى من قاموس إيطالي عربي تم طبعه باستخدام خط يشبه الخط الذي استخدم في طبع الإنجيل في روما في القرن السادس عشر. كما يشبه أيضاً خط مطبعة نابليون والذي نرى نموذجاً منه على اليمين من الصورة أعلاه. وتستطيع تمييز هذا الخط بسهولة عن الخطوط التي تم تطويرها داخل الأمة الإسلامية والمتفرعة عن تجربة إبراهيم متفرقة والتي تم تطويرها بناءاً على الإرث الخطاطي العربي والإسلامي. أما هذا الخط الأوروبي فهو صنيعة غريبة ولا يحمل أي مورثات ثقافية إسلامية أو عربية.

بمقارنة الخطوط الطباعية قريب نهاية القرن التاسع عشر نلاحظ تطور كبير في جمالية الخطوط المستخدمة. كما نلاحظ تطور في قدرة صانع الخطوط الطباعية العربية في تطويع الخطوط التقليدية كخط النستعليق في هذا المثال في المجال الطباعي.

mushafamiri
وفي العقود الأولى من القرن العشرين قام الخطاط محمد بك جعفر بوضع القاعدة النسخية للمطبعة في بداية القرن العشري ثم تم طبع مصحف الملك فؤاد في منتصف القرن العشرين تقريباً وكان أول مصحف أصيل مطبوع بالحروف المعدنية المنفصلة (moveable type). ويسمى الخط الذي وضعه محمد بك جعفر بالخط الأميري الذي كان غاية في الجمال. وتم تقليده من قبل الشركات العالمية حينما بدأت بانتاج المطابع لتسويقها في الدول التي تستخدم الخط العربي.

amiri-diacritics
وفي الوقت الذي كان يؤاخذ البعض طريقة وضع الحركات في الخط الأميري في صفين أعلى سطر الحروف وأسفلها وابتعادها عن الحروف، والذي هو حل مبتكر لمشكلة صف الحركات في رأيي، فإن هذه المعالجة تضفي على الخط نوع من التنسيق والتوازن.

lotus
وفي مطلع القرن العشرين أصبحت إهتمت الشركات من أمثال لاينوتايب ومونوتايب وإنترتايب بسوق الطباعة العربية وحاولوا تعديل إجهزتهم لتستوعب الخط العربي من حيث خصائص الحروف والحركات. ويبدو أن الشركات المذكورة إعتمدت في هذا الشأن على فنييها الغربيين المختصين بالخطوط العربية فقط ولم تستثمر أبداً في القدرات المحلية من خطاطين ولغويين وباحثين من أهل اللغة نفسها.

linotypesample-small
شريط مصبوب من سبيكة معدن اللاينوتايب لطباعة سطر باللغة العربية.

amiri
أتاحت الثورة الرقمية إمكانية صناعة الخطوط الطباعية وخطوط الحواسيب خارج إمبراطوريات الشركات الكبيرة التي كانت تحتكر الصناعة لفترة طويلة. وكانت مبادرة المصري خالد حسني في سنة 2010 لاسترجاع جمال هذا الخط هو ترقيم الخط الأميري والذي جعله متاح للجميع عبر المشاع العمومي. وتبعاً لذلك أصبح هذا الخط شائع الإستخدام على الكثير من المواقع العربية على الإنترنت كما أن عمل الدكتور خالد حسني قد تم تضمينه في خطوط جوجل.

وأريد أن أختم مجموعة الخطوط الطباعية التقليدية بخط الرسم العثماني الذي نشره مجمع الملك فهد لطباعة القرآن الكريم على موقعه وهو من عمل المصمم الباكستاني أشفاق نيازي. والخط جميل ويخدم غرضه الوظيفي لتمثيل النص القرآني بالرسم العثماني. وصنعته المتقنة تكمن أولاً في إمكانيات السيد أشفاق نيازي المتقدمة في صناعة الخطوط العربية وفي إشراف الخطاط السوري المشهور عثمان طه. والصورة تمثل تطبيق مصحف الإنترنت الذي قمت بصناعته بفضل من الله العزيز الكريم.

yakout
ولنعد الآن 60 سنة الى وراء الشكل السابق. فمع إزدهار الصحافة اللبنانية في الخمسينات من القرن الماضي برزت الحاجة الى خطوط مبسطة تسرع من عملية التنضيد على مكائن اللاينوتايب. وبذلك قامت جريدة الحياة اللبنانية بدعم المصمم اللبناني نبيه جارودي (نبيه وليس نجيب كما تشير الصورة) لتطوير ما يعرف بالخط العربي المبسط الذي يعتمد طريقة الآلة الكاتبة في إختصار الأشكال المطلوبة لطباعة الخط العربي الى محرفين بدل المحارف العديدة. وأعطي الخط إسم خط ياقوت تيمناً بالخطاط العربي ياقوت الحموي على ما يقال إلا أني شخصياً قد وجدت ذكر إسم خط ياقوت في كتب إبراهيم متفرقة ومنذ القرن الثامن عشر.

ومن المحاولات العربية الأصيلة التي تذكر في مجال الإستجابة الى تنامي أهمية الحواسيب قام السيد أحمد لخصر غزال بابتكار خط يناسب طابعات الحواسيب في الستينات من القرن الماضي. وفي الحقيقة فإن هذا الخط لم يقدر له الإنتشار وخاصة في مجال الحواسيب لسرعة تبدل التكنولوجيا ولمحدودية ملائمته الوظيفية. والخط مميز بطابعه الآلي الحديث وقد قامت شركة لاينوتايب بترقيمه وهو اليوم معتمد كخط يميز بعض الشركات التجارية كشركة الإتصالات زين كما قامت قناة الحرة الأمريكية بتطوير خط مشتق من خط أي أس في كودار الذي صممه أحمد لخضر غزال.

ومع شيوع استخدام الحاسوب الشخصي آبل ماكنتوش وطابعة الليزر رايتر إزدهرت برامجيات النشر المكتبي. وكانت البرامج التي استهدفت السوق العربية تتضمن خطوط جديدة منها خط منى الذي نافس خط ياقوت الذي أصبح قديماً يومها لكثرة إستخدامه. وخط منى الذي كان مضمناً في برنامج الناشر المكتبي من شركة ديوان هو من نفس فئة خط ياقوت من حيث إعتماده على مبدأ إختصار أشكال الحروف. وقد شاع إستخدام هذا الخط في المطبوعات الخليجية التي أخذت بالإزدهار بعد أفول الصناعة في بيروت وبتأثير التطورات السياسية على الساحة اللبنانية.

ويرينا هذا الشكل مقارنة بين الخطوط الطباعية التقليدية والخطوط الطباعية الأحدث نسبياً والتي اعتمدت مبدأ إختصار أشكال المحارف. والمقارنة هنا تحديداً بين خط منى على اليمين والخط الأميري على اليسار. ونرى أن الخط الحديث يتميز باستقرار أكبر على السطر ودرجة أكبر من الوضوح نابعة من إتساع حدقات الحروف. وهذه الخاصة الأخيرة وليدة الحاجة الى جعل الحروف أكثر وضوحاً في الأحجام الصغيرة للخط وخاصة في حالة الكتابة على الشاشة.

قامت شركة مايكروسوفت بتسويق خط عربي بإسم Arabic Transparent مع نظام التشغيل ويندوز 2000. وصار هذا الخط ضمن خط Arial فيما بعد. وبالرغم من فائدته في تحرير النصوص العربية لأغراض الإستخدام المكتبي إلا أن الخط له عيوب تصميمية لا تجعله يصلح للوظائف التي تتطلب مستوى طباعي عالي وكذلك ضعفه في الدعاية على الشاشة. ومع ذلك وجد هذا الخط طريقه الى هذه الوظائف لمجرد أنه الخط العربي المتوفر على الحواسيب التي كانت تدير الشاشات الإعلانية والإنظمة الطباعية الملحقة. ويصعب معرفة أصل هذا الخط لأن صانعيه يريدون أن لا يقولوا أنه سرق من مصدر آخر.

قام مراد بطرس بعمل خطوط ناجحة لشركة Letraset في الثمانينات منها خط نسيم الذي تبرأ منه ولا يذكره في ملف أعماله. وقد تسنت له فرصة لتصميم مجموعة من الخطوط الناجحة الأخرى تم تضمينها مع برامج النشر المكتبي ومنها خط GE SS الذي كان بمثابة الحل الوحيد لمصممي الإعلانات لمظهر هذا الخط الحديث. وأهمية هذا الخط بالنسبة لي هو جوابه على من يقول بضرورة إبقاء الخطوط العربية في نطاق الإنماط التقليدية التي تستلهم خطوط النسخ والثلث والرقعة وغيرها من الخطوط التاريخية. فنجاح هذا الخط دليل على الحاجة الى خطوط وظيفية تلائم الإحتياجات التصميمية المعاصرة.

وقد ظهرت الكثير من الخطوط التي تعتمد على مبدأ الخطوط العربية المختصرة أو البسيطة والتي تحاول أن تؤدي وظائف تصميميه معينة. ويبرز منها القليل الذي يستحق الإشارة إليه. ومن الخطوط الناجحة في رأيي هو خط جميل بوستان الذي يخلط بين الخط المغربي والخط السنبلي.

ختاماً نسأل الله لنا ولكم الخير والتوفيق في مطلع هذا العام الهجري الجديد وكل عام وأنتم بخير وصحة وسلامة.

الحروفي المغترب

وبما أنني في دور الإحماء لسلسلة جديدة من التدوينات حول الطباعة العربية رأيت في الأثناء أن أكتب تدوينة سريعة لإعلام قرّاء مدونتي الأعزاء أنني لا زلت أجول في عالم الحرف العربي وأنني أفكر إذن أنا موجود.

والتدوينة عن الفن الحروفي مرة أخرى حيث مررت اليوم على أعمال شخص مغترب في كندا له طريقة مميزة في الفن الحروفي. وفي الوقت الذي يمثل لي نجا المهداوي من تونس شيخ الحروفية العربية، إلا أن للحرف العربي في إيران تاريخ طويل أيضاً. ولعل هذا المغترب الذي هو من الأصول الإيرانية قد اطّلع على أعمال نجا المهداوي، إلا أنه في ذات الوقت قد يكون قد إنتفع من ثقافة الخط العربي في إيران – من يدري.

ولنطّلع على أعمال الرسّام والخطاط ساسان ناصرنيا حيث الصور أصدق حديثاً من لوحة المفاتيح كما قال الشاعر.

sn1
كعادة أغلب الحروفيين يستخدم ساسان الخط العربي دون رسم الحرف العربي ذاته. بمعنى أن الحروف بالكاد تظهر ولا تستطيع أن تميز حرفاً كاملاً على وجه اليقين. إلا أن المؤكد هو ضربة الخط العربي الذي تظهر بوضوح ولا يخطئها أحد. وفي هذا العمل نرى أن الفنان يستخدم أسلوب الفن البصري (Optical Art) ليوحي بالعمق في لوحة هي مسطحة في الحقيقة.

sn2
وهنا نرى العمل بنفس الأسلوب الذي وضحناه في اللوحة السابقة الّا أن الأساس التكويني للّوحة يعتمد على المربع بدل الدائرة. ونلاحظ أن ساسان يستخدم التظليل عند نقاط تشابك الحروف ليوحي بالتجسيم في تفاصيل العمل والذي يعضد التجسيم الذي نجح في تحقيقه على مستوى التكوين العام للّوحة.

sn3
وفي الوقت الذي كان يناور ساسان بين الشكل الهندسي المربع والدائري في التكوين العام للّوحة نراه هنا يناور في الألوان حيث يظهر هذا العمل تدرج لوني بين الأحمر الحار والأزرق البارد. وتظهر هنا قليل من الحروف بشكلها الخطاطي التقليدي محشورة بين شباك الخط الذي لا نكاد نميز أصله إن كان كوفياً أو خطاً من الخطوط اللينة كالنسخ والثلث أو خط النستعليق الفارسي.

sn4
هذه اللوحة ذات تكوين بسيط. مجرد مستطيل فوق مربع ولربما كان يحاول هنا إستخدام النسبة الذهبية ولربما أيضا ينقل النسبة الذهبية الى مستوى أصغر في التفاصيل ومعرفة ذلك يتطلب قياس تفاصيل العمل الذي لا يتسع وقتي له وأتركه لكم كواجب بيتي.

main-24
هامش المناورة واسع في أعمال ساسان حيث نرى أنه هنا ينتقل من التجسيم الإفتراضي الى التجسيم الحقيقي وسأكون ممتناً لمن يقول لنا ما هي هذه المادة التي يستخدمها للتعبير عن الخط الذي ينتقل عبر هذه السطور المتدلية في الصورة التي على اليمين.

sn5
وقبل أن نستودعكم في رعاية الله أريد أن أضيف هذا العمل الأخير ضمن هذه المجموعة حيث يناور فيها ساسان الآن بين الشكل المتقن والشكل العبثي العشوائي. وعموماً أرى في عمله حزناً وسواداً مما هو شائع في كثير من الأعمال الفنية الغربية المعاصرة.

وبهذا نرى أنه ليس من قلة في الرسامين الذين يعتمدون الإسلوب الحروفي  في أعمالهم. وغالباً لن يكون ساسان ناصرنيا آخر من نعرض أعماله كمثال على الفن الحروفي. فإلى لقاء مع فنان حروفي آخر أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ضربة الخط

ضربة الحظ

كان الحديث عن ضربة الخط في المقالة السابقة مقدمة للدخول في شرح الأداة الجديدة التي أقوم بتطويرها عبر تقنيات برمجة الإنترنت والتي أسأل الله أن يوفقني لإنجازها في الأشهر القليلة القادمة لتفرغي بعد التقاعد من عملي الإداري الذي مكثت فيه ما يقارب العقدين من الزمان. وكما ذكرت في المقالة السابقة أني تريثت في العمل على الأداة الجديدة لأجل زيادة معرفتي من خلال البحث باستخدام الموارد المتاحة على الإنترنت. وبتوفيق الله عثرت على معلومات كثيرة ومفيدة  تتعلق بالتوصيف الكمّي للخطوط في الحواسيب والتي سأحاول أن أنتقل إليها في هذه المقالة. ولذا فإن عنوان هذه الفقرة ليس خطأً مطبعياً وإنما كانت فعلاً ضربة حظ عن ضربة الخط بتوفيق الله.

وسأحاول أن أقدم بعض الجوانب التي تعلمتها عن ضربة الخط كمقدمة الى فكرة “التمثيل الكمي” لضربة الخط العربي عبر سلسلة من الأشكال التوضيحية كما دأبنا في المقالات السابقة:

strokedirectionvspressure
تلخيصاً للمقالة السابقة نستطيع القول بأنه فيما يتعلق بطرق إستحداث التباين في ثخن الخط، ربط الباحث جيريت نوردزي بين تباين ثخن الخط والمسار  في حالة القلم ذي السن العريض وبينه وبين الضغط في حالة قلم السن المستدق. وذكر بأن السن العريض هي الأداة المفضلة في الخطوط الأوروبية القديمة حتى جاء القلم ذو السن المعدني المرن والمستدق ليحدث نمطاً خطاطياً جديداً في عصور لاحقة.

typesofstrokes
ولو حاولنا تطبيق الفكرة التي ذكرها الباحث نوردزي والتي حاولت تلخيصها في المقالة السابقة نرى أن ما يخص الخط العربي هو فقط عامل التغير في إتجاه القلم (1 في الصورة) مع شئ من التغير في زاوية سن القلم (2 في الصورة). أما عامل الضغط على سن القلم فلم يكن مرتبط بتطور الخط العربي لا من قريب ولا من بعيد.

nibshapeonpath
ولربما يكون من المناسب أن نذكر بعض الخصائص الجمالية لإستخدام قلم الخط ذي السن العريض. ففي الشكل التوضيحي الذي تم رسمه ببرنامج الإليستريتور نرى في المثال أسفل الشكل الخط الناتج عن قلم ذي سن عريض ويبدو أن هذه النتيجة كانت مرغوبة ولذلك استخدم القلم ذو السن العريض (والذي كان غالباً ما يصنع من القصب) للكتابة في غالب الثقافات القديمة وكان هو المفضل في الخط العربي عبر مراحله التاريخية ولحد اليوم. وهذا بالرغم من أن بدايات قلم القصب كانت بالسن المستدق والذي يحدث الضربات التي تشبه ما في المثال الأول (مع شئ قليل من المبالغة في حجم السن) في أعلى الصورة. والفرق الجمالي بين المثالين واضح.

pendirection-arabic
وقد تم تطوير الأداء الجمالي لضربة الخط في الخط العربي عبر المراحل التاريخية ليبلغ مرتبة عالية تروق لعين الأعجمي قدر ما تروق لعين العربي. ونرى في الصورة التي تمثل نموذجاً من خط الثلث العثماني أن التباين في ثخن الخط يتحقق تبعاً لمسار القلم مع شئ من التباين الناتج من التغير في زاوية سن القلم عبر مسار الضربة. وتساعدنا شفافية الحبر في هذا المثال في تعقب التغير في زاوية سن القلم وذلك من أثر الخطوط المستعرضة لضربات الخط في هذا المثال.

penchangedirection
إن تغيير زاوية سن القلم أثناء عمل الضربة مهم في الخط العربي وهو الذي يضفي على الخط العربي شخصيته المتميزة. ولربما كان تغير زاوية سن القلم في خط النستعليق أكثر أهمية مما هو في الخطوط العربية الأخرى لتحقيق الفرق الواضح في ثخن الخط عبر مسار لا يتغير إتجاهه كثيراً كما في الإمتداد الأفقي في هذا المثال. ونرى عند الموضع المؤشر بالأسهم المزدوجة البيضاء أثر تدوير سن القلم من خلال فرك القلم حيث نستطيع ملاحظة التدرج في تغيير زاوية سن القلم لتحقيق الزيادة في ثخن الخط في تلك النقطة من ضربة الخط.

دروس الخط للحواسيب

وننتقل الآن الى الجزء الثاني من مقالة هذا اليوم وهو ما يتعلق بما سميّته بالوصف الكمّي لضربة الخط العربي. وقد تعرفت خلال بحثي على عمل عالم الرياضيات والحواسيب الأمريكي دونالد كانوث (Donald Knuth) الذي عمل على “تعليم الحواسيب كيفية الكتابة” حسب قوله. وقد كان مهتماً في منتصف السبعينات بتصميم الخطوط وكتابة برامج الحاسوب التي يمكن من خلالها عمل التصميم الطباعي وإنتاج المطبوعات بمستوى جمالي مقبول. فقام باختراع شئ إسمه الميتافونت (Metafont) لوصف الخطوط الطباعية للحواسيب على أساس المعادلات الرياضية المضمنة في الشفرة البرمجية وكما في المثال التالي:


mode_setup;

% parameters are name, width, height over base line,

% depth below base line
beginchar ("a", 9pt#, 12pt#, 0);
alpha:=0.65;
beta:=0.24;

% define points
x1 = 0; y1 = 0.8*h;
x4 = w; y4 = 0.2*h;
y2 = h; y3 = 0;
x2 = (alpha-beta)*w;
x5 = alpha*w;
x3 = (alpha+beta)*w;
y5 = 0.5*h;
x6 = 0; y6 = 0.3*h;
x7 = 0.2*w; y7 = 0;
x8 = x5; y8 = 0.2*h;

% define pen
pickup pencircle xscaled 0.2w yscaled 0.04w rotated 30;

% draw
draw z1{dir 30}..z2{right}..z5{down}..z3{right}..z4{dir 30};
draw z5..z6{down}..z7{right}..z8;
penlabels(1,2,3,4,5,6,7,8);
endchar;

end</pre>

والشفرة المصدرية (البرمجية) في أعلاه تنتج الحرف الأول على اليمين في الشكل التالي:

metafont
تعتمد طريقة دونالد كانوث على لغة برمجة لتعريف أشكال الحروف. وفي الشكل نرى مقارنة بين حرفين تم تكوينهما عبر الشيفرة البرمجية. ونلاحظ في الحرف الأول على اليمين أنه يمثل الشكل الناتج عن تحرك قلم بسن عريض بينما يمثل الحرف الثاني على اليسار طريقة التغير في ضغط سن القلم على التباين في ثخن الضربة المكونة لشكل الحرف. وعمل دونالد كانوث يعكس ذات الأساس الذي حدده جيريت نوردزي لضربات الخط المكونة للحروف. ومن المهم أن نذكر بأن هذه الطريقة تناسب العلماء الذين يتندرون بينهم بالمعادلات الرياضية ولا تنفع البشر العاديين أمثالنا.

وقد تزامن عمله مع عمل المخترع الألماني بيتر كارو (Peter Karow) الذي كان يطور طريقة أخرى لخطوط الحواسيب والتي تعتمد على وصف الحدود الخارجية للحرف والتي أصبحت الأساس لخطوط الحواسيب الحديثة للسهولة والمرونة التي توفرها هذا الطريقة بالمقارنة مع طريقة الوصف الرياضي للباحث دونالد كانوث ولكن مع خسارة جوانب مهمة سنقوم بالتعرف عليها عبر سلسلة الأشكال التالية.

Ikarus_Outline_Description
يمثل هذا الشكل طريقة وصف أشكال الحروف بواسطة الخطوط المتصلة والمغلقة (مغلق بمعنى إتصال أول الخط بآخره كما في العقد المغلق). ويمكن وضع الأشكال المغلقة الواحدة بداخل الأخرى لتمثيل عيون الحروف كما في حرفي الـ a والـ b في الصورة. ويتم تمثيل هذه الخطوط بالأرقام في الفراغ الإحداثي وبالتالي هي تعتبر من رسوم الفيكتور (Vector) والتي يمكن تكبيرها وتصغيرها دون تشوه الشكل. وطريقة بيتر كارو التي سماها إيكاروس (Ikarus) هي التي أدت الى البوستسكريبت والأوبنتايب. وبالرغم من مزيايها التصميمية إلا أنها لا تعدو أن تكون صورة للحرف ولا تختزن المعلومات التي تمكّن الحواسيب إنتاج هذه الحروف ذاتياً دون إنتاج الصورة المخزونة والمعرفة بحافاتها.

postscript
أطلقت شركة أدوبي لغة البوستسكريبت (Postscript) في عام 1985 وتزامن الإطلاق مع شيوع الحواسيب الشخصية وتطور الطابعات الليزرية. وتم إستخدام البوستسكريبت لتمثيل الحروف الطباعية والذي أعقبه بعد فترة قليلة نظام التروتايب. والنظامان يقومان بوصف أشكال الحروف بواسطة الخطوط والمنحنيات والنقاط الإحداثية لتمثيل حافات الحروف الخارجية كما هو الحال في نظام الإيكاروس السابق لها. وبالتالي هي الأخرى تمثل صورة الحرف دون الأخذ بنظر الإعتبار الطريقة التي يتم تكوين بها شكل الحرف. والمقصد هنا يتعلق بأساس أو تاريخ تطور شكل الحرف الذي ثبت بحكم ما يسموه في علم الحديث الشريف بالتواتر – إن جاز لنا الإقتباس -. وتاريخ تطور شكل الحرف مرتبط بالأداة التي تم تشكيل الحروف بواسطتها والذي يهمنا منها هو القلم (أو تحديداً سن القلم).

fontlab
وآلت طرق تعريف الخطوط الطباعية الى مواصفات الأوبنتايب التي تبنتها أكثر شركات الحواسيب والبرمجيات. وساعد نشر موصفات الأوبنتايب في خلق صناعة جديدة مجالها برمجيات صناعة الخطوط الرقمية مثل فونتلاب وربوفونت وجليفس. ومع تزامن توافر المعرفة المجاينة عبر الإنترنت وبنوعية مقبولة أصبحت إمكانية مشاركة قطاع واسع من المهتمين في هذه الصناعة التي كانت قبل ثورة المعلوماتية حكراً على الشركات الصناعية والأكاديميات البحثية المتخصصة.

robofontnibsimulator
وبالرغم من أن الأساس في تكنولوجيا الخطوط الرقمية الشائعة هو تعريف أشكال الحروف عن طريق حافاتها الخارجية إلا أن بعض أدوات تصنيع الخطوط الرقمية كبرنامج ربوفونت قامت بتوفير إمكانية بناء أشكال الحروف بموجب الأساس الخطاطي. وفي الصورة نرى إمكانية تشكيل الحرف من خلال ما يشبه إستخدام القلم من حيث مسار الخط وزاوية وعرض سن القلم. والخط المحوري الموازي لإتجاه ضربات الخط في الصورة يمثل مسار القلم في حين أن الخطوط القصيرة المستعرضة على المسار تمثل طبعة سن القلم وتبين الزاوية والعرض الثابتين عبر المسار.

letterinkapp
وترينا هذه الصورة تطبيق إضافي على برنامج صناعة الحروف الرقمية جليفس (Glyphs) يسمى ليترنك (Letterink). وهو أيضاً يوفر إمكانية محاكاة تأثير قلم الخط ذي السن العريض ولكن على خلاف الأدوات الذي ذكرناها في أعلاه يمكن هنا تعديل نقاط التحكم في زاوية وعرض القلم بشكل مباشر ورؤية تأثير التعديلات على شكل الحرف بشكل مباشر.

khatnaskh
ولا يزال المجال مفتوحاً لتمثيل ضربات خط القلم العربي في تكوين أشكال المحارف. ولعلي لم أطّلع على محاولة في هذا المجال باستثناء محاولة توماس ميلو في برنامج تصميم. ومع أنه لا يعتمد على مبدأ المعايير القابلة للتعديل – كما هو الحال في الأمثلة التي ذكرناها هنا – إلا أنه يحاول بناء شكل الحرف الواحد برسم ضربات الخط التي تشكل الحرف ولربما يستخدم خاصية التجميع والتفكيك المقابلة لما هو موجود في مواصفات الأوبنتايب – التي لا يعتمدها – لتظهير الخط في برنامج الإنديزاين الذي هو البرنامج الوحيد الذي يدعم خطوط توماس ميلو. وبهذا فإن محارف خطوط برنامج تصميم لا تعدو أن تكون صورة الحرف ولا تحتوي معلومات لمحاكاة الأداة الخطاطية والأساس الخطاطي الذي طالما نادى توماس بضرورة إعتماده.

وختاماً أتمنى أن يكون هذا السرد المقارن بين طريقتين مهمتين في وصف الخطوط الرقمية قد شحذت إهتمامكم بالموضوع. وأتمنى أن أتمكن من عرض بعض الأمثلة عن الأداة التي أقوم بصناعتها لتمثيل الخط العربي. ومع أني لا أدعي أنها ستكون ذات فائدة في تكوين محارف الخطوط العربية الرقمية إلا أنني أتمنى أن تكون خطوة في تعليم الحواسيب أسس رسم الخط العربي.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.