الحروفي المغترب

وبما أنني في دور الإحماء لسلسلة جديدة من التدوينات حول الطباعة العربية رأيت في الأثناء أن أكتب تدوينة سريعة لإعلام قرّاء مدونتي الأعزاء أنني لا زلت أجول في عالم الحرف العربي وأنني أفكر إذن أنا موجود.

والتدوينة عن الفن الحروفي مرة أخرى حيث مررت اليوم على أعمال شخص مغترب في كندا له طريقة مميزة في الفن الحروفي. وفي الوقت الذي يمثل لي نجا المهداوي من تونس شيخ الحروفية العربية، إلا أن للحرف العربي في إيران تاريخ طويل أيضاً. ولعل هذا المغترب الذي هو من الأصول الإيرانية قد اطّلع على أعمال نجا المهداوي، إلا أنه في ذات الوقت قد يكون قد إنتفع من ثقافة الخط العربي في إيران – من يدري.

ولنطّلع على أعمال الرسّام والخطاط ساسان ناصرنيا حيث الصور أصدق حديثاً من لوحة المفاتيح كما قال الشاعر.

sn1
كعادة أغلب الحروفيين يستخدم ساسان الخط العربي دون رسم الحرف العربي ذاته. بمعنى أن الحروف بالكاد تظهر ولا تستطيع أن تميز حرفاً كاملاً على وجه اليقين. إلا أن المؤكد هو ضربة الخط العربي الذي تظهر بوضوح ولا يخطئها أحد. وفي هذا العمل نرى أن الفنان يستخدم أسلوب الفن البصري (Optical Art) ليوحي بالعمق في لوحة هي مسطحة في الحقيقة.
sn2
وهنا نرى العمل بنفس الأسلوب الذي وضحناه في اللوحة السابقة الّا أن الأساس التكويني للّوحة يعتمد على المربع بدل الدائرة. ونلاحظ أن ساسان يستخدم التظليل عند نقاط تشابك الحروف ليوحي بالتجسيم في تفاصيل العمل والذي يعضد التجسيم الذي نجح في تحقيقه على مستوى التكوين العام للّوحة.
sn3
وفي الوقت الذي كان يناور ساسان بين الشكل الهندسي المربع والدائري في التكوين العام للّوحة نراه هنا يناور في الألوان حيث يظهر هذا العمل تدرج لوني بين الأحمر الحار والأزرق البارد. وتظهر هنا قليل من الحروف بشكلها الخطاطي التقليدي محشورة بين شباك الخط الذي لا نكاد نميز أصله إن كان كوفياً أو خطاً من الخطوط اللينة كالنسخ والثلث أو خط النستعليق الفارسي.
sn4
هذه اللوحة ذات تكوين بسيط. مجرد مستطيل فوق مربع ولربما كان يحاول هنا إستخدام النسبة الذهبية ولربما أيضا ينقل النسبة الذهبية الى مستوى أصغر في التفاصيل ومعرفة ذلك يتطلب قياس تفاصيل العمل الذي لا يتسع وقتي له وأتركه لكم كواجب بيتي.
main-24
هامش المناورة واسع في أعمال ساسان حيث نرى أنه هنا ينتقل من التجسيم الإفتراضي الى التجسيم الحقيقي وسأكون ممتناً لمن يقول لنا ما هي هذه المادة التي يستخدمها للتعبير عن الخط الذي ينتقل عبر هذه السطور المتدلية في الصورة التي على اليمين.
sn5
وقبل أن نستودعكم في رعاية الله أريد أن أضيف هذا العمل الأخير ضمن هذه المجموعة حيث يناور فيها ساسان الآن بين الشكل المتقن والشكل العبثي العشوائي. وعموماً أرى في عمله حزناً وسواداً مما هو شائع في كثير من الأعمال الفنية الغربية المعاصرة.

وبهذا نرى أنه ليس من قلة في الرسامين الذين يعتمدون الإسلوب الحروفي  في أعمالهم. وغالباً لن يكون ساسان ناصرنيا آخر من نعرض أعماله كمثال على الفن الحروفي. فإلى لقاء مع فنان حروفي آخر أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

Advertisements

ضربة الخط

ضربة الحظ

كان الحديث عن ضربة الخط في المقالة السابقة مقدمة للدخول في شرح الأداة الجديدة التي أقوم بتطويرها عبر تقنيات برمجة الإنترنت والتي أسأل الله أن يوفقني لإنجازها في الأشهر القليلة القادمة لتفرغي بعد التقاعد من عملي الإداري الذي مكثت فيه ما يقارب العقدين من الزمان. وكما ذكرت في المقالة السابقة أني تريثت في العمل على الأداة الجديدة لأجل زيادة معرفتي من خلال البحث باستخدام الموارد المتاحة على الإنترنت. وبتوفيق الله عثرت على معلومات كثيرة ومفيدة  تتعلق بالتوصيف الكمّي للخطوط في الحواسيب والتي سأحاول أن أنتقل إليها في هذه المقالة. ولذا فإن عنوان هذه الفقرة ليس خطأً مطبعياً وإنما كانت فعلاً ضربة حظ عن ضربة الخط بتوفيق الله.

وسأحاول أن أقدم بعض الجوانب التي تعلمتها عن ضربة الخط كمقدمة الى فكرة “التمثيل الكمي” لضربة الخط العربي عبر سلسلة من الأشكال التوضيحية كما دأبنا في المقالات السابقة:

strokedirectionvspressure
تلخيصاً للمقالة السابقة نستطيع القول بأنه فيما يتعلق بطرق إستحداث التباين في ثخن الخط، ربط الباحث جيريت نوردزي بين تباين ثخن الخط والمسار  في حالة القلم ذي السن العريض وبينه وبين الضغط في حالة قلم السن المستدق. وذكر بأن السن العريض هي الأداة المفضلة في الخطوط الأوروبية القديمة حتى جاء القلم ذو السن المعدني المرن والمستدق ليحدث نمطاً خطاطياً جديداً في عصور لاحقة.
typesofstrokes
ولو حاولنا تطبيق الفكرة التي ذكرها الباحث نوردزي والتي حاولت تلخيصها في المقالة السابقة نرى أن ما يخص الخط العربي هو فقط عامل التغير في إتجاه القلم (1 في الصورة) مع شئ من التغير في زاوية سن القلم (2 في الصورة). أما عامل الضغط على سن القلم فلم يكن مرتبط بتطور الخط العربي لا من قريب ولا من بعيد.
nibshapeonpath
ولربما يكون من المناسب أن نذكر بعض الخصائص الجمالية لإستخدام قلم الخط ذي السن العريض. ففي الشكل التوضيحي الذي تم رسمه ببرنامج الإليستريتور نرى في المثال أسفل الشكل الخط الناتج عن قلم ذي سن عريض ويبدو أن هذه النتيجة كانت مرغوبة ولذلك استخدم القلم ذو السن العريض (والذي كان غالباً ما يصنع من القصب) للكتابة في غالب الثقافات القديمة وكان هو المفضل في الخط العربي عبر مراحله التاريخية ولحد اليوم. وهذا بالرغم من أن بدايات قلم القصب كانت بالسن المستدق والذي يحدث الضربات التي تشبه ما في المثال الأول (مع شئ قليل من المبالغة في حجم السن) في أعلى الصورة. والفرق الجمالي بين المثالين واضح.
pendirection-arabic
وقد تم تطوير الأداء الجمالي لضربة الخط في الخط العربي عبر المراحل التاريخية ليبلغ مرتبة عالية تروق لعين الأعجمي قدر ما تروق لعين العربي. ونرى في الصورة التي تمثل نموذجاً من خط الثلث العثماني أن التباين في ثخن الخط يتحقق تبعاً لمسار القلم مع شئ من التباين الناتج من التغير في زاوية سن القلم عبر مسار الضربة. وتساعدنا شفافية الحبر في هذا المثال في تعقب التغير في زاوية سن القلم وذلك من أثر الخطوط المستعرضة لضربات الخط في هذا المثال.
penchangedirection
إن تغيير زاوية سن القلم أثناء عمل الضربة مهم في الخط العربي وهو الذي يضفي على الخط العربي شخصيته المتميزة. ولربما كان تغير زاوية سن القلم في خط النستعليق أكثر أهمية مما هو في الخطوط العربية الأخرى لتحقيق الفرق الواضح في ثخن الخط عبر مسار لا يتغير إتجاهه كثيراً كما في الإمتداد الأفقي في هذا المثال. ونرى عند الموضع المؤشر بالأسهم المزدوجة البيضاء أثر تدوير سن القلم من خلال فرك القلم حيث نستطيع ملاحظة التدرج في تغيير زاوية سن القلم لتحقيق الزيادة في ثخن الخط في تلك النقطة من ضربة الخط.

دروس الخط للحواسيب

وننتقل الآن الى الجزء الثاني من مقالة هذا اليوم وهو ما يتعلق بما سميّته بالوصف الكمّي لضربة الخط العربي. وقد تعرفت خلال بحثي على عمل عالم الرياضيات والحواسيب الأمريكي دونالد كانوث (Donald Knuth) الذي عمل على “تعليم الحواسيب كيفية الكتابة” حسب قوله. وقد كان مهتماً في منتصف السبعينات بتصميم الخطوط وكتابة برامج الحاسوب التي يمكن من خلالها عمل التصميم الطباعي وإنتاج المطبوعات بمستوى جمالي مقبول. فقام باختراع شئ إسمه الميتافونت (Metafont) لوصف الخطوط الطباعية للحواسيب على أساس المعادلات الرياضية المضمنة في الشفرة البرمجية وكما في المثال التالي:


mode_setup;

% parameters are name, width, height over base line,

% depth below base line
beginchar ("a", 9pt#, 12pt#, 0);
alpha:=0.65;
beta:=0.24;

% define points
x1 = 0; y1 = 0.8*h;
x4 = w; y4 = 0.2*h;
y2 = h; y3 = 0;
x2 = (alpha-beta)*w;
x5 = alpha*w;
x3 = (alpha+beta)*w;
y5 = 0.5*h;
x6 = 0; y6 = 0.3*h;
x7 = 0.2*w; y7 = 0;
x8 = x5; y8 = 0.2*h;

% define pen
pickup pencircle xscaled 0.2w yscaled 0.04w rotated 30;

% draw
draw z1{dir 30}..z2{right}..z5{down}..z3{right}..z4{dir 30};
draw z5..z6{down}..z7{right}..z8;
penlabels(1,2,3,4,5,6,7,8);
endchar;

end</pre>

والشفرة المصدرية (البرمجية) في أعلاه تنتج الحرف الأول على اليمين في الشكل التالي:

metafont
تعتمد طريقة دونالد كانوث على لغة برمجة لتعريف أشكال الحروف. وفي الشكل نرى مقارنة بين حرفين تم تكوينهما عبر الشيفرة البرمجية. ونلاحظ في الحرف الأول على اليمين أنه يمثل الشكل الناتج عن تحرك قلم بسن عريض بينما يمثل الحرف الثاني على اليسار طريقة التغير في ضغط سن القلم على التباين في ثخن الضربة المكونة لشكل الحرف. وعمل دونالد كانوث يعكس ذات الأساس الذي حدده جيريت نوردزي لضربات الخط المكونة للحروف. ومن المهم أن نذكر بأن هذه الطريقة تناسب العلماء الذين يتندرون بينهم بالمعادلات الرياضية ولا تنفع البشر العاديين أمثالنا.

وقد تزامن عمله مع عمل المخترع الألماني بيتر كارو (Peter Karow) الذي كان يطور طريقة أخرى لخطوط الحواسيب والتي تعتمد على وصف الحدود الخارجية للحرف والتي أصبحت الأساس لخطوط الحواسيب الحديثة للسهولة والمرونة التي توفرها هذا الطريقة بالمقارنة مع طريقة الوصف الرياضي للباحث دونالد كانوث ولكن مع خسارة جوانب مهمة سنقوم بالتعرف عليها عبر سلسلة الأشكال التالية.

Ikarus_Outline_Description
يمثل هذا الشكل طريقة وصف أشكال الحروف بواسطة الخطوط المتصلة والمغلقة (مغلق بمعنى إتصال أول الخط بآخره كما في العقد المغلق). ويمكن وضع الأشكال المغلقة الواحدة بداخل الأخرى لتمثيل عيون الحروف كما في حرفي الـ a والـ b في الصورة. ويتم تمثيل هذه الخطوط بالأرقام في الفراغ الإحداثي وبالتالي هي تعتبر من رسوم الفيكتور (Vector) والتي يمكن تكبيرها وتصغيرها دون تشوه الشكل. وطريقة بيتر كارو التي سماها إيكاروس (Ikarus) هي التي أدت الى البوستسكريبت والأوبنتايب. وبالرغم من مزيايها التصميمية إلا أنها لا تعدو أن تكون صورة للحرف ولا تختزن المعلومات التي تمكّن الحواسيب إنتاج هذه الحروف ذاتياً دون إنتاج الصورة المخزونة والمعرفة بحافاتها.
postscript
أطلقت شركة أدوبي لغة البوستسكريبت (Postscript) في عام 1985 وتزامن الإطلاق مع شيوع الحواسيب الشخصية وتطور الطابعات الليزرية. وتم إستخدام البوستسكريبت لتمثيل الحروف الطباعية والذي أعقبه بعد فترة قليلة نظام التروتايب. والنظامان يقومان بوصف أشكال الحروف بواسطة الخطوط والمنحنيات والنقاط الإحداثية لتمثيل حافات الحروف الخارجية كما هو الحال في نظام الإيكاروس السابق لها. وبالتالي هي الأخرى تمثل صورة الحرف دون الأخذ بنظر الإعتبار الطريقة التي يتم تكوين بها شكل الحرف. والمقصد هنا يتعلق بأساس أو تاريخ تطور شكل الحرف الذي ثبت بحكم ما يسموه في علم الحديث الشريف بالتواتر – إن جاز لنا الإقتباس -. وتاريخ تطور شكل الحرف مرتبط بالأداة التي تم تشكيل الحروف بواسطتها والذي يهمنا منها هو القلم (أو تحديداً سن القلم).
fontlab
وآلت طرق تعريف الخطوط الطباعية الى مواصفات الأوبنتايب التي تبنتها أكثر شركات الحواسيب والبرمجيات. وساعد نشر موصفات الأوبنتايب في خلق صناعة جديدة مجالها برمجيات صناعة الخطوط الرقمية مثل فونتلاب وربوفونت وجليفس. ومع تزامن توافر المعرفة المجاينة عبر الإنترنت وبنوعية مقبولة أصبحت إمكانية مشاركة قطاع واسع من المهتمين في هذه الصناعة التي كانت قبل ثورة المعلوماتية حكراً على الشركات الصناعية والأكاديميات البحثية المتخصصة.
robofontnibsimulator
وبالرغم من أن الأساس في تكنولوجيا الخطوط الرقمية الشائعة هو تعريف أشكال الحروف عن طريق حافاتها الخارجية إلا أن بعض أدوات تصنيع الخطوط الرقمية كبرنامج ربوفونت قامت بتوفير إمكانية بناء أشكال الحروف بموجب الأساس الخطاطي. وفي الصورة نرى إمكانية تشكيل الحرف من خلال ما يشبه إستخدام القلم من حيث مسار الخط وزاوية وعرض سن القلم. والخط المحوري الموازي لإتجاه ضربات الخط في الصورة يمثل مسار القلم في حين أن الخطوط القصيرة المستعرضة على المسار تمثل طبعة سن القلم وتبين الزاوية والعرض الثابتين عبر المسار.
letterinkapp
وترينا هذه الصورة تطبيق إضافي على برنامج صناعة الحروف الرقمية جليفس (Glyphs) يسمى ليترنك (Letterink). وهو أيضاً يوفر إمكانية محاكاة تأثير قلم الخط ذي السن العريض ولكن على خلاف الأدوات الذي ذكرناها في أعلاه يمكن هنا تعديل نقاط التحكم في زاوية وعرض القلم بشكل مباشر ورؤية تأثير التعديلات على شكل الحرف بشكل مباشر.
khatnaskh
ولا يزال المجال مفتوحاً لتمثيل ضربات خط القلم العربي في تكوين أشكال المحارف. ولعلي لم أطّلع على محاولة في هذا المجال باستثناء محاولة توماس ميلو في برنامج تصميم. ومع أنه لا يعتمد على مبدأ المعايير القابلة للتعديل – كما هو الحال في الأمثلة التي ذكرناها هنا – إلا أنه يحاول بناء شكل الحرف الواحد برسم ضربات الخط التي تشكل الحرف ولربما يستخدم خاصية التجميع والتفكيك المقابلة لما هو موجود في مواصفات الأوبنتايب – التي لا يعتمدها – لتظهير الخط في برنامج الإنديزاين الذي هو البرنامج الوحيد الذي يدعم خطوط توماس ميلو. وبهذا فإن محارف خطوط برنامج تصميم لا تعدو أن تكون صورة الحرف ولا تحتوي معلومات لمحاكاة الأداة الخطاطية والأساس الخطاطي الذي طالما نادى توماس بضرورة إعتماده.

وختاماً أتمنى أن يكون هذا السرد المقارن بين طريقتين مهمتين في وصف الخطوط الرقمية قد شحذت إهتمامكم بالموضوع. وأتمنى أن أتمكن من عرض بعض الأمثلة عن الأداة التي أقوم بصناعتها لتمثيل الخط العربي. ومع أني لا أدعي أنها ستكون ذات فائدة في تكوين محارف الخطوط العربية الرقمية إلا أنني أتمنى أن تكون خطوة في تعليم الحواسيب أسس رسم الخط العربي.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

نظرية ضربة القلم في الخط

يتيح لنا الإنترنت تعلم الكثير مما كان يتستر عليه أصحاب الصنائع قبل ثورة المعلوماتية التي نرفل في كنفها هذه الأيام. ولقد راودتني أمنية تعلم الخط العربي على يد خطاط مرات عديدة قبل عصر اليوتيوب. أما اليوم فأستطيع متابعة عدد لا يحصى من دروس تعلم الخط وبكافة أشكاله من نسخ وثلث ورقعة وديواني ونستعليق وغير ذلك وحسب وقتي وسرعة تطور قدراتي في الخط دون ضغط من أحد أو نفاذ صبر المعلم بي وذلك كله من خلال الإنترنت وحده. وكل ما بقى لي للولوج في دروس الخط واستعمال العدد الكبير من الأقلام والأحبار والأدوات الأخرى التي ما أنفك أشتريها وأدخرها لهذا المشروع العظيم سوى إيجاد الوقت الذي أخصصه للخط من بين الأمور الكثيرة الأخرى التي أريد أن أتعلمها.


 

 مثال من الإنترنت لدرس لتعليم الخط. لاحظ طريقة إستخدام القلم حيث سيكون هذا موضوعنا في هذه المقالة

ولقد شاهدت بعضاً من تسجيلات دروس الخط على اليوتيوب. وكانت المفاجأة الكبيرة هو أساليب الخطاطين المختلفة في رسم الحروف العربية بهذا الشكل الجميل. والمفاجأة الأكبر كانت في الحقيقة من جانب البطء الشديد الذي ينفذ فيه الخطاط العربي عمله. فإن الديناميكية النشيطة المتمثلة بضربات خطوط الحروف العربية جعلتني أعتقد بأنها كانت ترسم بضربات سريعة وجزلة.

أما المفاجأة الثانية والتي لا تقل في زخمها عن الأولى جاءت بسبب طريقة إستخدام سن القلم الإنسي والوحشي – كما يسمونه – في رسم نهايات بعض الحروف وأجزائه كما هو الحال في إتمام الرأس المدبب أسفل شظية الألف أو ذيول الراء (كما فعل صاحب التسجيل في أعلاه). وقد كنت أظن من قبل ذلك أن الحرف كله يتم بضربة كاملة تستثمر خاصية سن القلم العريض في عمل ضربات الخط الجميلة.

وأريد أن أضيف الى ما سبق تكتم الخطاطين على سر فرك القلم في بعض المواضع لضبط زاوية السن أثناء سحب القلم. فباستثناء بعض كراريس خط النستعليق وكراسة خط النسخ لمحمد إمزيل – جزاه الله خيراً – لا تجد الكثير ممن يرغب في أن يشاركك هذا السر الخطاطي الذي يميز الخطاط الماهر عن غيره.

imzilpenangle
مثال من كراسة “أسرار الرسم في خط النسخ” لمحمد إمزيل وهو يوضح كيف يتم فرك القلم في اليد أثناء عمل ضربة الخط لتغيير سمكه أو وزنه. ويمكن تحميل الكراس من الرابط الذي قام بتوفيره محمود طرادة.

وخلاصة ما أريد أن أصل إليه مما سبق هو أن من شروط ما هو مطلوب في إجادة الخط العربي هو ضبط طريقة ضربة القلم من ثلاث وجوه هي: (1) القدرة على بناء أجسام الحروف باستخدام سن القلم العريض، وهذا هو غالب ما تقوم به يد الخطاط أثناء العمل. (2) القدرة على تعديل زاوية سن القلم بفرك القلم ليتحقق الوزن الصحيح لمقطع الخط بحسب الموضع. (3) القدرة على إستخدام السن الإنسي والوحشي في رسم نهايات بعض الحروف وتحسين أشكال الحروف في مواضع معينة.

تطبيق خطاطي جديد

ولأسباب سنكشف عنها لاحقاً أقوم ببحث لإمكانية التمثيل الكمي لضربات الخط العربي وأحاول فيها تغطية الجوانب التي سردتها في الفقرة السابقة. ولأجل ذلك أحاول تطوير تطبيق على الإنترنيت لتجربة فكرتي في هذا المجال. والتطبيق يستثمر مبدأ منحنيات الـ Bezier لتحقيق الوجه الأول الذي ذكرته في أعلاه. وإضافتي المتواضعة هي تركيب معلومات كمية في عقد المنحنى لتمثيل زاوية القلم حيت يقوم التطبيق باحتساب تدرج زاوية القلم بين العقدتين اللتين تتضمنان المعلومات عن زاوية القلم. وهذا يلبي الوجه الثاني. أما الوجه ألاخير فتحقيقه بسيط بإذن الله من حيث إعطاء المستخدم إمكانية رسم الأشكال المغلقة أيضاً لتمثيل ما يمكن عمله بسن قلم الخط الإنسي والوحشي.

khattatapp
صورة لواجهة إستخدام التطبيق الجديد الذي أقوم بتطويره والذي يمكن من خلاله التمثيل الكمّي لضربات القلم في الخط العربي. لاحظوا الدائرة الزرقاء في أسفل يمين نموذج الخط. فهذه هي الأداة التي يمكن إضافة معلومات موضعية في النقطة المحددة عن عرض وزاوية سن القلم.

المبحث النظري

وقد لا أمتلك منهجية مسبقة التخطيط في مغامراتي البرمجية التي أعرضهاا على هذه المدونة. ومنطلقي في العموم هو محاولة تحقيق فكرة معينة في بالي لأجل غرض معين. وفي أغلب الحالات يكشف لي العمل على مشروع معين إمكانيات جديدة وهي في النهاية تمارين لتطوير قدراتي المعرفية في التصميم والبرمجة وفي نواحي أخرى.

وحينما بلغت نتائج المغامرة الأخيرة درجة من النضوج خطر لي أن أتحقق من صحة ما أقوم به بالمقارنة مع منهجية علمية محددة. وتذكرت أن المصمم الطباعي الهولندي جيريت نوردزي (Gerrit Noordzij) قد ألف كتاباً حول ضربة القلم. وبعد بحث قليل على ألإنترنت إستطعت الحصول على نسخة رقمية من الدراسة واحتفظت بها على حاسبتي اللوحية الصغيرة حيث قرأتها سريعاً بين الأوقات كلما تسنى لي. وقد راق لي الكتاب من جوانب معينة أحب أن أشارك قراء مدونتي بها. أما مقدار ما ساعدني الكتاب في تطوير التطبيق فلربما أقول: لا أدري. إلا أن الكتاب طمأنني بعض الشئ حيث وجدت أنه لا حرج من الطرح الجنوني للأفكار كما فعل السيد جيريت في كتابه.

bookcover
هذا هو غلاف كتاب جيريت نوردزي. ويبدو أن محور نظريته تدور حول التباين في وزن الخط وكيف أدى ذلك الى تكوين أشكال الحروف الكتابية وبالتالي الطباعية. ويعرض المؤلف وصاحب النظرية كتابه بحماس حيث ينفجر غاضباً في الصفحة 77 حينما يبدي إستياءه حول من يبدو أنه ينكر أهمية التباين في الخط وكما يقول في الأقتباس في أدناه.

“When even contrast is renounced as superfluous ornament, writing is altogether without orientation. Now the barbarians can have their say with their plans to improve the alphabet so it will be easier for children, computers and other illiterates. Whatever they say is completely true in advance because the criterion is annihilated: a line can be drawn in any direction through a point, just as an echo chamber confirms any piece of nonsense.”

وقد راق لي الكتاب من جوانب عديدة. فالباحث يقوم بعرض فكرته بتسلسل منطقي من فصل الى الفصل الذي يليه. وهو يستخدم الرسومات البسيطة ونماذج من الخط لنصوص يقتبسها من الإنجيل الكالفيني وباللغة اللاتينية والتي قام برسمها وخطها بنفسه. واللطيف الذي أعجني أيضاً هو أنه يذكر في نهاية الكتاب الأدوات التي قام باستعمالها في عمل الرسومات والخطوط التوضيحية. ولربما كان ربط الباحث لأنواع ضربة القلم بالتيار الفني والثقافي للعصور المتعاقبة التي تطور بها الخط اللاتيني هو أكثر نواحي البحث رقيّاً في نظري.

ولنتعرف على بعض أفكار الباحث حول ضربة الخط من خلال الرسوم التوضيحية التي ذكرتها:

anatomyofstroke
في بداية إستعراض أفكاره يوضح الباحث أن ضربة الخط في الأساس هي صورة لطبعة سن القلم على سطح الكتابة وما ينتج من سحب سن القلم عبر السطح. وتوضح الصورة مثالاً لما يحدثه قلم بسن مدورة وما ينتج من سحب هذا السن. ويقدم الباحث إصطلاحات كثيرة وبشكل سريع دون شرح مفصل عن مصطلحاته. والأهم من بين المصطلحات هو ما يشير الى عرض الخط الناتج بموازة مسار حركة سن القلم والذي يسميه (counterpoint) والمبين بالخط العمودي المائل والمؤشر عند طرفية بالمثلثات الصغيرة.
nibdimensions
ولكن الذي يهم الباحث (ويهمنا أيضاً) هو عرض سن القلم. وبالتالي فإنه يركز إهتمامه على هذه الناحية من سن القلم ويعتبر ثخن سن القلم (المؤشر بحرف b في الرسم) غير ذي قيمة. وهذا مناسب بالنسبة لنا حيث أن الخط العربي يأخذ طابعه من خاصية عرض القلم أيضاً.
contrastbypath
وباستخدام قل الخط الذي يكون عرض رأس القلم هو الفاعل الأساس في رسم الخط يمكن عمل الخطوط التي يتباين فيها ثخن الخط بحسب التغيير الذي يطرأ على إتجاه مسار القلم عند رسم الخط.. وكلما تعامد المسار مع زاوية القلم كان الخط المرسوم أكثر ثخناً. وعلى العكس حينما يكون مسار القلم بموازاة زاوية رأس القلم يستدق فيها الخط المرسوم. وحسب نظرية الباحث تمثل هذه الظاهرة الطريقة الأولى في إستحداث التباين في ثخن الخط. وهي بالمناسبة الطريقة الأساس في إعطاء الخط العربي شكله (وإن كان هذا خارج إهتمام وذكر الباحث بالمرة).
contrastbyangle
ثم يذكر الباحث الطريقة الثانية لعمل التباين في الخط وهو تغير زاوية رأس القلم عبر مسار الخط. وهو ما ذكرناه في معرض كلامنا عن أسرار الخط التي يغفل (أو يبخل) أساتذة الخط في ذكرها باستثناء الإستاذ محمد إمزيل. والتباين الحاصل من هذه الطريقة ينتج من التخصر في ثخن الخط بفرك القلم عند سحبه والذي عبر عنه الباحث بهذا الرسم التوضيحي.
contrastbypressure
وأخيراً الطريقة الثالثة في الحصول على التباين هو بزيادة ضغط القلم على سطح الرسم. وهذا لا يحدث أثراً ملحوضاً مع استخدام الأقلام ذات السن العريض وهو ما يحدث في الحقيقة مع الأقلام المعدنية ذات الرأس المرن المشقوق (كرؤوس أقلام الحبر التقليدية). ولربما لا تكون هذه الطريقة مهمة كثيراً بالنسبة للخط العربي، إلا أن الخطاطين يستخدمون تغيير الضغط مع إمالة القلم للحصول على الخطوط الدقيقة في بعض الضربات السريعة  وخاصة في خط النستعليق. ولو راجعت درس تعليم الخط في أول هذه التدوينة ستلاحظ كيف يقوم الخطاط بذلك خاصة في رسم حركات التشكيل.
modelforexpansion
هذا رسم بياني يوضح مبدأ علاقة ضغط القلم مع ثخن الخط المرسوم. فإنه مع زيادة الضغط (p) تزداد قيمة الـ(counterpoint) حسب المعادلة c=p.tan(phi) حيث يمثل (phi) معامل مرونة رأس القلم. وقد أعجبتني الفكرة بالرغم من بساطتها بل لربما بديهيتها حيث تمثل مرونة رأس القلم بأسلوب كمّي كما أحاول أنا في التطبيق الذي أقوم بتطويره. ولربما هناك عدم تجانس في أفكار الباحث، حيث أن الـ(counterpoint) هنا يمثل نصف ثخن الخط في الوقت الذي أشار الباحث في غير هذا الموضع الى أن الـ(counterpoint) يمثل كل ثخن الخط. وعلى هذا الأساس فإن المعادلة الصحيحة تكون: c = 2p * tan(phi)
interruptedconstruction
ويذكر الباحث فكرة لم تكن قد مرّت علي سابقاً وهي تتعلق بنوعي أسلوب توقيع ضربات القلم عند الكتابة بما يترك أثره على شكل الحرف. النوع الأول هو الضربات المتقطعة. وبالرجوع الى الرسم ترى أنه من أجل رسم شكل الحرف الذي في المثال عليك عمل الضربة العمودية الأولى التي على اليسار ثم رفع القلم (وبغض النظر عن مسألة شحن الرأس بالمداد) تقوم بالضربة الثانية التي على اليمين مبتدئاً من الأعلى ونحو الأسفل أيضاً.
returningconstruction
أما النوع الثاني من الضربات فيسمها الضربة المرتدة. وترى من المثال أن الخطاط لم يرفع القلم بعد رسم الضربة الأولى على اليسار بل رجع بالقلم على مسار الضربة الأولى بالإتجاه المعاكس ليكون الجزء الثاني من الحرف. وقد قام الباحث بتوضيح كيف أن الفرق بين الأسلوبين في رسم الحروف كان يتبع فترات تاريخية محددة في تاريخ الكتابة بالحرف اللاتيني. فالطريقة الأولى هي الطريقة القديمة أو الرومانية في حين أن الطريقة الثانية تزامنت مع ما يسمى بالـ(mannersim) وحسب قول الباحث.
constructioncomparison
ثم يقدم الباحث مقارنة بين تأثير الطريقتين على شكل الحرف وبالرغم من بساطة الفرق إلا أنه في النهاية يعطي تأثيرين فنيين متباينين.
speedeffectonreturningconstruction
كما يوضح الباحث تأثير سرعة الكتابة على شكل هيكل الحرف في الضربة المرتدة حينما تبتعد الضربة المرتدة عن الضربة الأولى والتي يعطي تأثير جريان الكتابة بشكل أسرع.
latinligature
ثم يأتي الباحث بفكرة مهمة أخرى وبشكل مفاجئ (على الأقل بالنسبة لي). حيث يعبر الباحث عن إستيائه من الأساليب التعليمية التي تركز على الشكل دون علاقته بالفراغ الذي من حوله. وحيث أن هذه النقطة هي من مبادئ التصميم ظننت أن هذا جل ما عنده من القول هنا. إلا أنه فجأة يشير الى أن هذا الفراغ مهم حيث أنه في النهاية أدى الى إكتشاف الثقافة الغربية الى طريقة تمثيل الكلمة بمفردها بزيادة الفراغ بين الحروف عند حدود الكلمة وكان ذلك على يد الكنيسة الأيرلندية في القرن الثامن الميلادي. وقد ذكر الباحث في معرض حديثه عن حدود الكلمة أن الحروف المرتبطة والتي كانت الحالة الثابتة في الكتابة العربية حتى قبل عمل الأيرلنديين هي الأخرى مما ساعد في “إختراع” طريقة تمثيل الكلمة المفردة. وهذا يدل على قلة دراية الباحث بالكتابة العربية حيث أنها بالرغم من خاصة الإتصال التي تناسب خط اليد إلا أن العربية أيضاً لم تكتب بتمييز الكلمات الواحدة عن الأخرى تماماً كما كان يفعل في كتابات الثقافات الأخرى.
scriptiocontinua
ويبني الباحث رأيه في تطور الكتابة (بعد أن يذكر أنه لا يؤمن بشئ إسمه تاريخ الكتابة) حيث يقول أن الكتابة مرت بثلاث منعطفات مهمة. (1) إختراع الحروف ويعزيه الى الساميين، (2) إختراع طريقة تمثيل الكلمة كما ذكرنا في الشكل السابق، (3) الطباعة. ولربما يشير أسلوب الباحث الى إستياؤه من طريقة الكتابة القديمة والتي لم يكن فيها فواصل بين الكلمات كما في الصورة. ويسمى هذا النوع من الكتابة عندهم (scriptio continua) والتي كانت تشمل الكتابة العربية أيضاً كما نوهنا عنه في معرض بحثنا في الخط الحجازي.
twodimensionalcontrastchange
وقبل أن يختتم الباحث موضوعه عن أهمية التباين في ثخن الخط لتكوين الأنماط الخطاطية يستخدم رسماً بيانياً آخر يوضح فيه التدرج في ثخن ضربة القلم في حالتين. الحالة الأولى حينما يتدرج التباين في كل من جزيئه المستدق والغليظ بالزيادة كما يوضح الرسم بالإنتقال عبر الشكل المجسم من الأعلى نحو الأسفل.
onedimensionalcontrastchange
وبخلاف الحالة الأولى يمكن لأحد طرفي التباين أن يتدرج كما يوضح هذا الشكل حيث يزيد الجزء المستدق من التباين في ثخنه بينما يبقى الجزء الغليظ على وزنه عبر عملية التغيير.
stroketheory
وبهذا يصل الى إستنتاجه النهائي حول طيف الأشكال الخطاطية التي يمكن الحصول عليها بتغيير طرفي التباين وكما يحاول توضيحه في هذا الشكل. ويبدو أن هذا هو المهم في كل بحثه حيث أن هذا الطيف هو الذي وقع عليه إختيار الباحث ليكون عنوان غلاف الكتاب الذي قام بكتابته عام 1985.

وقد استمتعت بطريقة الباحث في عرض أفكاره واستفدت من إستنتاجاته العامة. وأود أن أقوم بتطبيق ما ذكره عن ضربتي القلم المتقطعة والمرتدة وعلاقتها بالخط العربي عبر تطوره الزمني. هذا إن لم يسبقنى أحد منكم الى ذلك.

والحمد لله حمداً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى. فهو أهل الثناء والمجد وهذا أحق ما قاله العبد وكلنا لله عبد.

خصائص الخط الحجازي

بعد أن قمنا بتوضيح الأدوات والمواد المستخدمة في رسم المصاحف الحجازية بقي لنا أن نستعرض خصائص الخط الحجازي كخطوة أخيرة في سلسلتنا عن الخط الحجازي. وسيجد بعض القراء ثقلاً في هذه المقالة لما تحويه من الخصائص الفنية التي لا تروق في الغالب إلا للمتخصصين فأرجو المعذرة ممن ليس لهم فضول في معرفة تفاصيل قد عفى عنها الدهر وأصبحت شيئاً من الماضي.

ولقد أمضيت عدداً من الأشهر خلال هذه السنة في دراسة الخط الحجازي وتعلمت بعض الحقائق اللطيفة عنه. وبالرغم من أهمية هذا الخط فيما يتعلق بجذور وأصل الخط العربي فإن المعلومات المتوفرة عنه قليلة (وخاصة بالعربية) والإهتمام به قليل (وخاصة عند العرب).  ولا أدّل من ذلك إلا هذا الفلم الوثائقي الذي ظهر على قناة الجزيرة الوثائقية منذ فترة وهو مليء بالأخطاء التاريخية والفنية فيما يتعلق بالحرف الحجازي.

وظاهرة قلة المعرفة بالخط الحجازي لها أسباب، نذكر منها صعوبة قراءة النص لغرابة شكل الحروف في نصوص المخطوطات الحجازية عمّا يعرفه ويألفه القارئ العربي المعاصر هذا بالإضافة الى ضياع النسخ الأصلية للمخطوطات الحجازية من بين أيدي أهلها حيث آل أكثر المخطوطات الى الجامعات والمتاحف الأجنبية. وأخيراً نذكر سطوة الخطوط العربية المتأخرة – وخاصة الخطوط العثمانية كالثلث والنسخ، والفارسية كخط التعليق – على الخطوط القديمة وذلك للفارق في المستوى الجمالي والتجويد في الصنعة الذي تتمع به الخطوط المتأخرة.

وسأحاول أن أعرض خصائص الخط الحجازي من خلال الرسوم والصور التوضيحية واعتماداً في الغالب على المصادر الغير عربية. وسأجتهد بعون الله في أخذ المفيد والصحيح من تلك المصادر حيث لا بد من التعامل معها بنظرة فاحصة وناقدة لكونها تمثل نظرة غربية وأحياناً غريبة عن الثقافة العربية. ولا بد هنا من الإشارة الى موقع مميز وموسوعي أقامه بعض الباحثين للرد على الشبهات والتشويهات التي تأتي من المصادر الغربية وهو موقع Islamic Awareness.

booktodisplay
تطور شكل حروف الخط الحجازي أساساً لغرض صناعة مصاحف الرق المجلدة (كما في الصفحة على اليمين) تحديداً بعد وفاة الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم. إلا أن نمط الخط الحجازي ساد ليستخدم في عموم الكتابة والإستخدامات العملية الأخرى. ونرى في الصورة على اليسار حجر الأساس لسد في الطائف بني في عهد معاوية بن أبي سفيان وقد كتب عليه بالخط الحجازي المماثل لخط المصاحف.
yabis-layyin
الخط الحجازي مبني على ما كان يسميه العرب يومذاك خط الجزم. وخط الجزم في مجمله يصف طريقة رسم الحروف وكان يكتب على شكلين. الشكل الأول هو الخط الجاف ونستطيع القول بأن الخط الحجازي يعتبر من أوائل الخطوط الجافة (حيث أعقبه الخط الكوفي). والخط الثاني هو اللين والذي كان يمثل الكتابة اليدوية. وفي الصورة مقارنة بين الخط الحجازي الذي يمثل الخطوط الجافة -على اليمين- وكتابة بيد والي من ولاة مصر إسمه شريك بن قرّة -على اليسار- والذي يمثل الخطوط اللينة. وفي الغالب تعود هاتان المخطوطتان الى نفس الفترة التاريخية. والخطوط الجافة تتميز بطابع هندسي وزوايا حادة حيث أنها كانت محاولة في إضفاء صفة السمو والمرجعية الى الخط الذي كان يكتب به كلام الله في مصحف. أما الخطوط اللينة ذات الضربات المنحنية فكانت تستخدم في المعاملات ككتابة العقود والمراسلات وما شابه ذلك. وقد استمر الخطاطون يكتبون المصاحف بالخط الجاف بأنماطه الحجازي ثم جاء بعده الخط الكوفي فالكوفي المشرقي والخط المغربي الى فترة طويلة من الزمن. ثم سادت الخطوط اللينة في كتابة المصاحف في القرن الرابع الهجري (التاسع الميلادي) على يد خطاطي بغداد من أمثال إبن مقلة وياقوت المستعصمي وابن البواب.
density
ولنستعرض خصائص الخط الحجازي إبتداءاً من الصفحة. وأحب أن أنوه الى أننا سنرى أن لكل مثال نقدمه عن الخط الحجازي له مثال يضاده تقريباً. فمثلاُ نرى أن أغلب صفحات المصاحف التي كتبت في فترة الخط الحجازي كانت كثيفة من حيث صغر الهوامش وتقارب المسافات بين السطور الى درجة تلامس أطراف الحروف العالية كالألفات واللامات مع قاعدة السطر الذي فوقه. كما أن الحروف ذوات المقاطع المتدلية وخاصة حرق القاف تخترق مسار الكتابة في السطر الذي هو أسفل منه. وخير ما يمثل ذلك النموذج علي يمين الصورة. ومع أن كثافة الكتابة هي الصفة العامة والمتولدة عن الحاجة العملية في جمع نص القرآن الكريم كاملاً في مجلد واحد، إلا أننا نجد أمثلة أخرى تحمل صفات مغايرة كنموذج المصحف على اليسار في الصورة. ونرى في هذا النموذج أن الأسطر متباعدة مع ترك مسافة للهوامش.
spacingandalignment
وقد كان لخطاطي المصاحف الحجازية طريقة في ضبط تناسق الكلمات على السطور. ومن هذه الطرق التي تميز الخط الحجازي هو توازن الفراغات بين مقاطع الكلمات وبضمنها ما بين الكلمات. ويبدو أن مفهوم المسافة الفاصلة بين كلمتين عند الكتابة لم تكن معروفة في ذلك الوقت. وهذا ينطبق على كتابة بعض الأمم الأخرى كاللاتينية. ولذا فإننا نرى في مصاحف الخط الحجازي أن المسافة تكون بين المقاطع المنفصلة وإن كانت ضمن حدود الكلمة الواحدة عند الحروف التي لا تتصل مع الحروف التي تليها كحروف الألف والدال-ذال والراء-زاء والواو. ونرى هذا التوازن في عموم صفحات المصاحف الحجازية كما في المثال الذي على يمين الصورة. وقد يصل هذا الأسلوب ذروته كما في المثال في وسط الصفحة حتى لكأنك تستطيع تسقيط مشبك يضع كل مقطع من مقاطع كتابة هذه الصفحة في خانتها لتجانس المسافات بين المقاطع وتباعد المقاطع عن بعضها البعض. أما المثال الذي على يسار الصورة فيمثل أسلوباً آخر يتبعه خطاطوا المصاحف الحجازية وهو محاذاة الحروف العالية كالألف واللام عمودياً عبر سطور الصفحة كما هو واضح في الجزء المضيء في المثال. وهذه المحاذاة كانت تطبق على الحروف المدورة كالميم والفاء والقاف والهاء المنفصلة حيث يحاول الخطاط رصفها عمودياً متى إتيحت له الفرصة وخاصة في بدايات السطور.
orientation
بقي أن نذكر أن المصاحف الحجازية كانت ذات قطع عمودي أو طولي ومعظمها بحجم يقارب حجم ورق الـ A4 الحديث. ويعكس هذا الإتجاه الجانب العملي في صناعة المصاحف الحجازية حيث لم يكن الجانب التجميلي قد أخذ مأخذه في فترة صناعة المصاحف الحجازية. ومع تنامي الرفاهية في المجتمع المسلم في فترة الإدارة الأموية والعباسية تحولت صناعة المصاحف الى حرفة ذات مستوى عالي في الجانب الجمالي والذي تبعه إستخدام القطع العريض الذي شاع في فترة المصاحف الكوفية التي جاءت بعد فترة المصاحف الحجازية. وكما ذكرنا فإن لكل قاعدة من قواعد الخط الحجازي نقيضها فأن المثال على اليسار في الصورة يثبت لنا أن القطع العريض استخدم شيئاً ما في عمل المصاحف الحجازية، إلا أن ذلك ربما كان من النوادر.
tooleffect
يستطيع المتفحص لصفحات المصاحف الحجازية معرفة الأداة والمواد المستخدمة في صناعتها. فترينا ضربات الخط من حيث طريقة رسم الحروف أن الخط قد تم رسمه بواسطة قلم ذو سن عريض. ونستطيع أيضاً تخمين بأن السن لم يكن مشطوفاً كما في أقلام الخط التي جاءت فيما بعد وذلك من زاوية ميل نهايات الإمتدادات العمودية والأفقية كذلك. حيث أن هذه الزاوية التي تقترب أكثر من الوضع الأفقي يصعب رسمها بقلم ذو سن مشطوف. كما أن الزيادة في وزن ضربة الخطوط العمودية على وزن ضربة الخطوط الأفقية دليل آخر على انخفاض زاوية سن القلم عند الكتابة. أما لون الحبر وشفافيته فتشير بوضوح أن الحبر المستخدم كان من أنواع أحبار العفص التي سبق وأن تكلمنا عنها في مقالات سابقة. وتذكر إحدى المصادر أن الخطوط العمودية كما في الألف واللام كانت ترسم بضربة قلم تتجه من الأعلى الى الأسفل وبضمنها الألف النهائية والتي كان المفترض أن تكون ضربة القلم فيها سحب الألف من إمتداد الحرف السابق عند خط السطر ورفع الألف النهائية الى الأعلى. ويستدلون على ذلك من خلال تراكم الحبر في أسفل الألف النهائية كما في كلمة “عما” بالقرب من بداية السطر الثامن في الصورة. كما يرينا عين هذا المثال أن عادة التكحيل وتحسين ضربة الخط كانت متبعة في تلك الفترة من الخط العربي حيث تظهر هذه الزاوية التي نتحدث بشكل زاوية قائمة قد تم إستخدام طرف سن القلم لتشكيلها وتحليتها.
slantandtail
ولندخل الأن الى صلب خصائص الخط. وأول ما يميزه هو ميل الخط نحو اليمين والذي أعطى للخط إسمه حيث أن الخط الحجازي كان يسمى بالخط المائل أيضاً. ولا تكاد أي من الخطوط العربية التي جاءت لاحقاً تظهر هذا النوع من الميل. وميل الخط الحجازي هو ما أشار إليه ابن النديم في كتابه “الفهرست” حيث يقول عن الخط المكي (ومن ثم المدني) واللذين نجمعهما اليوم بمسمى واحد هو الخط الحجازي حيث يقول: “فأما المكي ففي ألفاته تعويج الى يمنة اليد وأعلى الأصابع وفي شكله انضجاع يسير”. ويكاد يكون ما كتبه ابن النديم هو النص الوحيد من الأثر الذي يصف هذا النوع من الخط. ونرى في الصورة مثالين يتباين فيها درجة ميلان الخط كما يتباين فيها عوجة الالفات أو ذيولها المميزة. وفي الوقت الذي إنقرض فيها الميلان سريعاً مع انتشار الخط الكوفي القائم احتفظت الالفات بذيولها خلال فترة الخط الكوفي الذي عقب الخط الحجازي. وأحب لفت النظر مرة أخرى الى طريقة محاذاة الألفات  واللامات المائلة عبر السطور حيث يظهر تجمع هذه الحروف كالجدائل التي تنحدر الى الأسفل واليسار عبر الصفحة في المثال الأول على اليمين. وبالعودة الى مزية ميل الحروف الى اليمين فقد فكرت وبحثت ملياً في الأسباب التي بعثت خطاطو المصحاف للكتابة المائلة بهذا الشكل. وقد حاول الباحث الغربي آلن جورج في كتابه “نهضة الخط الإسلامي” ربط السبب بتأثر كتّاب المصاحف بالكتابة السريانية التي كانت تتميز بالميل نحو اليسار. ولكني لم أجد مثالاُ واحداً يثبت رأيه وكل الأمثلة التي ساقها كانت من مخطوطات سريانية جاءت بعد فترة الخط الحجازي بقرون. ولكن الرأي الذي ذكره الباحث الألماني من جامعة ساربروكين الدكتور جيرد بوين  أقرب الى المعقول حيث يقول أن أسهل الخطوط العمودية التي يمكن أن يرسمها المرء هي الخطوط المائلة نحو اليمين كما يذكر في مقالته في كتاب “مصاحف صنعاء“. وحيث أني شخصياً أقوم بالرسم أحياناً فقد تطابق رأي الدكتور جيرد مع تجربتي في الرسم كما قمت بالمقارنة بين رسم ضربات القلم العمودية فوجدت الرأي صحيحاً. والخط الحجازي عموماً يتميز أيضاً بالصواعد العالية كما في حروف الألف واللام وخط الطاء والظاء. ويعمد بعض من كتب بالخط الحجازي الى التفريق بين صواعد الحروف عند إجتماعها كما يفعل المرء حينما يفرق بين أصابع يده ولربما كانت هذه مزية جمالية في تلك الفترة مثلما كان التفريق بين الأسنان أو ما يسمى الوشر الذي نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم. ولكن الأمر هنا مختلف والتشابه فقط في فكرة التفريق بين الأطراف المجتمعة. ولربما كان المنحى في زيادة إستطالة الصواعد من الحروف هو إضفاء الهيبة والسمو على الخط وبما يناسب كتابة كلام الله. وفي الوقت الذي كانت فيه نقط الحروف معروفة – على خلاف ما يظنه الكثيرون-  فإن إستخدامها كان يسيراً مما يساعد في تقليل الغبش في شكل الصفحة وبالتالي الزيادة في تحقيق  الهيبة المطلوبة.
orthography
حينما يقوم خطاط المصاحف بعمله هناك مجموعات عديدة من القواعد التي عليه أن يطبقها. وهذه القواعد تشمل قواعد رسم الحروف التي تتعلق بالرسم الصحيح لأشكال الحروف وطرق إتصالها في الكلمات وقواعد رسم كلمات القرآن وهو ما عنت به كتب رسم المصاحف أو ما نسميه الإملاء. ثم هناك قواعد خطاطية لضبط جمالية الحروف والذي تطور لاحقاً الى درجة عالية من الضبط والتقنين. ومن دراستي للخط الحجازي لاحظت إلتزام أغلب المصاحف بطرق رسم الحروف بما يشير الى بلوغ صنعة الكتابة درجة كبيرة من التأصيل في فترة كتابة المصاحف الحجازية. فمثلاُ حينما تكتب حروف الكرسي على التتابع كما في الباء والياء والنون في أول كلمة “بينهما” المؤشرة بالرقم (1) في الصورة نجد أن كتّاب المصاحف دون استثناء يقومون بالتمييز بين الحروف بتغيير ارتفاع السن وذلك لتسهيل قراءة الكلمة. كما أن أشكال بعض الحروف المعقدة مثل الهاء الأولية واللام ألف (لا- كما هو مؤشر بالرقم 2 في الصورة) قد وصل الى درجة من النضج والتطوير في شكلها. كما أن الإتصال بحروف الجيم-حاء-خاء كان في غالبه يتم من أعلى الحرف بما يتطلب التخطيط المسبق قبل رسم الكلمة للمحافظة على إتساق الكلمة على السطر دون نزولها عند موضع هذه الحروف بسبب هذا النوع من الإتصال (رقم 3 في الصورة). أما بالنسبة للقواعد الخطاطية الجمالية فيبدو أنها لم تصل الى الدرجة التي يتضائل فيها الأسلوب الفردي للخطّاط أمام الأصول الخطاطية التي من شأنها توحيد الخط ضمن إطار جمالي معين. ولذا نجد أن الخط الحجازي يتباين كثيراً بين أعمال الخطاطين بل وحتى في المصحف الواحد الذي كان يتعاون عليه عدد من كتبه المصاحف يومذاك. وأحب أن أشير سريعاً الى ممارستين من ممارسة الخطاطين يومذاك منهما تكحيل الحروف بسن القلم لتكوين أشكال هندسة منتظمة كملئ الزوايا وتدوير الحروف المدورة كما في حرف الميم المؤشرة بالرقم (4) في الصورة. والثانية هي طريقة إرجاع ذيل الياء الى اليمين أسفل الكلمة (كما مؤشر بالرقم 5 في الصورة). ولا أعتبر هذه الممارسة قاعدة كتابية لأنك تجد خلاف ذلك أحيانا حينما تكتب الياء كما تكتب اليوم بتوجيه ذيل الياء الى اليسار باتجاه الكتابة.

وبهذا أكون بفضل الله قد وضحت ما توصلت إليه من خصائص الخط الحجازي من خلال دراستي له خلال هذه السنة التي أوشكت على الإنتهاء. وأرجو الله الكريم أن يوفقني في التوسع في هذا المبحث ونشره في كتاب في المستقبل بإذنه تعالى. ونحمد الله على فضله إنه لطيف لما يشاء وهو العزيز القدير. والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وسيد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الرَّق – مادة المصاحف الحجازية

parchmentdeer

والطور وكتاب مسطور في رق منشور

أقسم الله جلّ جلاله بالقلم كما ذكرنا. ولم يكن الرق الذي يُكتب عليه بعيداً عن قسم الله ذلك بأنه سبحانه أقسم بالكتاب المسطور في رق منشور كما ورد في سورة الطور في القرآن الكريم. والرَق هو ما كانت تكتب عليه المصاحف قبل استعمال الورق الذي جاء من الصين في القرن الثامن الميلادي الى بقية العالم بعد الفتح الإسلامي لبلدان الشرق. والرق هو جلد الأنعام الخفيف والدقيق ولذلك سمي الرق من الرقة. ويصبح الرق جاهزاً للإستخدام بعد عملية إنتاج طويلة ومضنية تجعله مادة نفيسة غالية. ولكنه بالرغم من هذا كان هو المفضل على غيره من المواد لخصائصه التي جعلته محبباً للخطاطين وصانعي الكتب المجلدة والاسفار في تلك الحقبة من التاريخ.

ويتميز الرق عن بديله ورق البردي أو ما كان يسمى القرطاس آنذاك بالمتانة لمقاومته البلي والتمزيق ولسطحه الأملس المناسب للكتابة. وهو يتيح إمكانية تصحيح الأخطاء بالكشط بل وحتى إزالة الكتابة كلها بغسل الرق بالماء الذي يذيب الحبر الذي كانوا يستعملونه. كما يتفوق الرق على القرطاس بإمكانية طيّه في صفحات تُجمع بشكل كراريس وتُخاط مع بعضها لصناعة المصاحف المجلدة في حين أن القرطاس لا يمكن طيه. ولكتابة النصوص المطولة على القرطاس كانت الصفحة منه تلصق بحافة الصفحة الأخرى لتكوين شريط طويل يلف بشكل إسطواني.

القرطاس المصنوع من ورق البردي. ويصعب طي هذا النوع من الورق لذا تلصق حافة الورقة مع الأخرى لتكوين القرطاس.
القرطاس المصنوع من ورق البردي. ويصعب طي هذا النوع من الورق لذا تلصق حافة الورقة مع الأخرى لتكوين القرطاس.
قطعة من ورق البردي مكتوب عليها آيات من القرآن الكريم. وتقول المصادر الغربية بأنه لم يعثر على مصحف كامل على البردي حيث كان المسلمون. وذلك لأن المسلمين كغيرهم فضلوا الرق على القرطاس لكتابة المصحف الشريف.
قطعة من ورق البردي مكتوب عليها آيات من القرآن الكريم محفوظة في جامعة ليدن في هولندا. وتقول المصادر الغربية بأنه لم يعثر على مصحف كامل مكتوب على البردي . وذلك لأن المسلمين كغيرهم فضلوا الرق على القرطاس لكتابة المصحف الشريف.

وكان تفضيل المسلمين لاستخدام الرق في كتابة المصاحف يشبه تفضيل الطوائف المحيطة في اختيار الرق كمادة لصناعة كتبهم بينما ترك المسلمون القرطاس لكتابة العقود والمراسلات. ونمت قدرة المسلمين في صناعة مصاحف الرق منذ فترة المصاحف الحجازية حتى بلغت أوجاً عظيماً في الفترة العباسية وذلك الى أن جاء الورق ليكون هو المفضل لرخص ثمنه وسهولة إنتاجه بالمقارنة مع الرق. وبالرغم من إنتشار إستخدام الورق بعد الرق في بغداد والشام ظل الرق يستخدم في المغرب العربي لكتابة المصاحف ردحاً من الزمن بعد ذلك. أما اليوم فقد زالت الحاجة الى إستخدام هذه المادة الجميلة، اللهم باستثناء إستعماله في الدفوف والطبول وآلة الربابة البدوية.

صناعة الرق

ولنستعرض عملية صناعة الرق ليتضح لنا الجهد المبذول في تحضير هذه المادة النفيسة. وأول العمليات تتمثل بتنقيع جلود الأغنام في محلول الكلس (أو الجير كما يسميه المصريون) لمدة عشرة أيام. وبعد غسل الجلود يتم إزالة الشعر من على وجه الجلد والشحم من على ظهرة بوضع الجلد على سطح محدب وكشط الجلد بسكين مقوسة. وبعد هذه العملية يوتر الجلد في إطار ويغرف عليه الماء شيئاً فشئ كما يحك بشفرة هلالية لإزالة ما تبقى من الشعر أو الشحم. وبعد أن يجف يصبح الجلد مكوناً من مادة الكولاجين في غالبها حيث يمكن إستعمالها للكتابة بعد تنعيم الوجه بمسحوق حجر الخفاف وتبييضه بالمساحيق الطباشيرية.

التجفيف التدريجي لجلود الأغنام المشدودة ينتج الرَق.
التجفيف التدريجي لجلود الأغنام المشدودة ينتج الرَق.

وبالرغم من تعقيد عملية تحضير الرق من جلود الأغنام والمعرفة الحرفية المطلوبة فإن الرق المطلوب لعمل المصاحف الحجازية كان يصنع محلياً في الغالب. ولربما لم يكن من الضروري الإستفادة من موقع مكة والمدينة التجاري لاستيراد الرق من خارج الحجاز حيث أن أهمية المصاحف بالنسبة للمسلمين الأوائل كانت بمثابة الأولوية التي دفعتهم لتجاوز نظرتهم الى المهن وكذلك تجاوز اعتمادهم على التجارة بتوفير مادة الرق من خلال تصنيعه من قبلهم مباشرة.

وتبلغ أبعاد قطعة الرق في حدود الـ100 في 90 سنتيمتراً قبل تقطيعها الى صفحات مستطيلة. وحيث أن أبعاد أغلب المصاحف الحجازية كانت تتراوح بين 40-45 سم للطول و25-28 سم للعرض فقد مكّن هذا عمل ورقتين مزدوجتين بما يعطي 8 صفحات من الجلدة الواحدة. ولمصحف مؤلف من 450 صفحة تقريباً نحتاج الى ما بين الـ 50 الى 60 رأساً من الغنم. وبالتالي نستطيع القول بأن صناعة مصحف كامل باستخدام الرق يمثل إستثماراً مالياً كان يحسب له حسابه.

تقطيع الرق بعد جفافه وتكوين الصفحات.
تقطيع الرق بعد جفافه وتكوين الصفحات.

الكتابة على الرق

لربما لم يتم تقهير الرق في جميع المصاحف الحجازية حيث تم كتابة النص القرآني على الرق بعد جفافه وتقطيعه مباشرة. ولكن تحمل بعض المصاحف آثار التقهير. والتقهير مصطلح يستخدمه الخطاطون حالياً لتحضير الورق للخط بمعالجة سطحه ليكون أكثر نعومة بما يتيح كتابة دقيقة. ولربما انتقلت حرفة التقهير من الرق الى الورق حيث كانت المادتين تعالجان بالسحن بمسحوق حجر الخفاف والتبييض بمعاجين الكلس لزيادة صقل وجه سطح الكتابة وتحسين تقبله للحبر.

ولربما مثلت شفافية الرق قضية بالنسبة لخطاط المصاحف الحجازية وذلك لظهور الكتابة المكتوبة على ظهر الصفحة بسبب شفافيتها. ويلاحظ أن الخطاط كان يطابق السطر الذي يكتبه فوق السطر الظاهر من خلف الصفحة ليقلل من تشويش الكتابة على الظهر للكتابة المقروءة على الوجه. ولعل عدم إلتزام الخطاط بتجميع مقاطع الكلمات وتفريقها على السطر بمسافات متوازنة نابعة أيضاً من محاولة تغطية كتابة الظهر بالكتابة فوقها على الوجه. ولربما يتسنى لنا دراسة هذه التفاصيل بشكل أكثر دقة بعد الإطلاع على المخطوطات الأصلية مباشرة.

الرق مادة شفافة. ونرى في الصورة حرفيين في ورشة إنتاج حديثة في إسبانيا وهما يفحصان الصفحة بالإستفادة من شفافية الرق وذلك بتسليط ضوء من الخلف.
الرق مادة شفافة. ونرى في الصورة حرفيين في ورشة إنتاج حديثة في إسبانيا وهما يفحصان الصفحة بالإستفادة من شفافية الرق وذلك بتسليط ضوء من الخلف.

التجليد

تشير المراجع الى أن المخطوطات القديمة كانت تصنّع بتجميع الصفحات المزدوجة في كراريس وتؤلف الكراريس بخياطتها وربطها مع بعض عند الكعب ومن ثم إحاطتها بلوحين من الخشب الذين يُكسيان بالجلد. ولربما كان هذا صحيحاً للمصاحف الحجازية المتأخرة والمصاحف الكوفية، إلا أن فحص النموذج الوحيد المتوفر لي وهو المصحف الحجازي في جامعة توبينجن تظهر بأن الكراس الواحد كان يصنع من صفحتين مزدوجتين بمعنى أن الكراس يتضمن أربعة صفحات فقط. وهذا يسهل عمل الخطاط حيث أنه يتعامل مع قطعة مستطيلة واحدة من الرق يرتب الخطاط عليها نص القرآن الكريم على صفحات متتابعة ثم يطوي القطعة عند منتصفها ليكوّن الكراس بعد الكراس والتي تجمع في النهاية بخياطة الواحد بالآخر.

نموذج حديث يوضح طريقة خياطة الكراريس في المصحف الحجازي وتجميعها بين لوحين من الخشب. وهذا النموذج يطابق ما ورد من الأثر حيث يروى عن علي بن أبي طالب أنه قال: "رحم الله أبا بكر فإنه أول من جمع بين اللوحين".
نموذج حديث يوضح طريقة خياطة الكراريس  في المصحف الحجازي (وهي هنا ورقية) وتجميعها بين لوحين من الخشب. وهذا النموذج يطابق ما ورد من الأثر حيث يروى عن علي بن أبي طالب أنه قال: “رحم الله أبا بكر فإنه أول من جمع بين اللوحين”.

ويتراوح ثخن الرق بين الـ 0,3 و 0,5 مليمتر. وبذلك تكون المصاحف سميكة جداً بالمقارنة مع المصاحف الورقية التي نتداولها اليوم، حيث أن المصحف الحجازي المجموع في مجلد واحد يبلغ سمكه ما يزيد على الـ13 سم لمصحف مؤلف من 450 صفحة.

المصحف الحجازي في جامعة توبينجن الألمانية. ونرى الخياطة بين الكراريس المجموعة. ويبدو أن المصحف قد فقد غلافه الخارجي الذي ربما كان من الخشب على الأغلب.
المصحف الحجازي في جامعة توبينجن الألمانية. ونرى الخياطة بين الكراريس المجموعة. ويبدو أن المصحف قد فقد غلافه الخارجي الذي ربما كان من الخشب على الأغلب.
يعد مصحف توبينجن صغير الحجم بالمقارنة مع المصاحف الحجازية الأخرى.
يعد مصحف توبينجن صغير الحجم بالمقارنة مع المصاحف الحجازية الأخرى.
صورة مقربة ترينا خياطة الكراريس أيضاً ويظهر نوعين من الخيوط. فالكراريس كانت تخاط بخيط قطني رفيع على خيط ثخين ربما من الجوت لجمع الكراريس مع بعضها.
صورة مقربة ترينا خياطة الكراريس أيضاً ويظهر نوعين من الخيوط. فالكراريس كانت تخاط بخيط قطني رفيع على خيط ثخين ربما من الجوت لجمع الكراريس مع بعضها.
صورة كعب مصحف قديم وجد في الصين في دونج زيانج وتوضح نسيج الخياطة وعقد الجمع.
صورة كعب مصحف قديم وجد في الصين في دونج زيانج وتوضح نسيج الخياطة وعقد الجمع.

الحبر والمحابر في الخط الحجازي

الحبر

flowing-ink

إن تركيبة الحبر الذي استخدم في المصاحف الحجازية حسب ما يظهر لنا تتكون من خلطة نقيع حصى العفص المهشم والزاج وهذا كان ينتج حبراً أو مداداً بلون أسود مزرق. وحينما نضيف ما يقارب الـ1400 سنة الى الخلطة يصبح لون الخط الحجازي بنياً حيث يتحول لون الحبر مع مرور الزمن من الأسود الى البني.

hijaziinkonparchment

وقد إستخدم حبر العفص لقرون خلت قبل ظهور الإسلام. ويتم إعداد هذا الحبر من حصيات العفص التي تنمو على أشجار السنديان بفعل حشرة العفص التي تضع بيوضها في نهايات أغصان الشجرة حيث ينمو ما يشبه الورم في مكان بيوض الحشرة لتعيش فيه يرقاتها. ثم وبعد تحول اليرقة العجيب الى حشرة تثقب هذه الأخيرة جدار كرة العفص لتخرج منها الحشرة المكتملة تاركة ورائها بيتها الذي يتصلب ويتحول الى حصوة كرويّة مثقوبة.

oakgalls
حصيات العفص ولونها البني المحمر يشير الى ما بها من الأحماض الدباغية. لاحظ الثقب الصغير في الحصاة في أقصى اليسار وهو مكان خروج حشرة العفص من بيتها بعد اكتمال نموها.
ferrous-oxide
الزاج الأخضر وهو كبريتات الحديد الذي يقوم محلوله بتحويل نقيع العفص الى اللون الأسود المزرق.
gum-arabic-tears
الصمغ العربي وهو مادة عجيبة تستخدم في الكثير من الصناعات والتي منها الحبر. ويضاف الى الحبر لإعطاءه القوام المناسب للخط. كما يمكن صناعة قطع الحبر الصلبة منه أيضاً والتي يمكن إذابتها ومن ثم استخدام الحبر كما تستخدم الألوان المائية الحديثة والتي يدخل الصمغ العربي كعنصر رئيسي من بين مكوناتها.

وقد كان العفص المفضل لصناعة الحبر هو العفص الحلبي. ويفضل أستعماله بعد خروج الحشرة من مكانها حيث يكون العفص غنياً بأحماض الدباغة. وقد وصف إبن باديس في الباب الثاني من كتابه “عمدة الكتاب وعدة ذوي الألباب” عدة وصفات للمداد أو الحبر التي تتضمن العفص. وفي العموم فإنه يتم تكسير العفص وتنقيعه بالماء العذب عدة أيام في مكان دافئ ثم يصفى الناتج الذي يكون بني اللون ويضاف إليه الزاج. والزاج هو كبريتات الحديد الذي يمكن صناعته بإضافة حامض الكبريتيك الى الحديد. وبإضافة الزاج الى ماء العفص يتحول لون السائل الى اللون الأسود المطلوب. ويضاف الصمغ العربي الى هذا المزيج لزيادة لزوجة المداد حيث يتحسن أداء المداد من حيث كمية ما يمكن حمله من المداد بالقلم وكذلك يتحسن جريان الحبر على سطح الرق الذي كانوا يكتبون عليه.

ولا يتشرب المداد في الرق سريعاً كما هو الحال في الورق الذي استخدم فيما بعد. وهذا يسهل تصحيح الأخطاء بمسح المداد إن كان لا يزال رطباً أو بحكه عن سطح الرق إذا تم جفافه. ويعمل مداد العفص على التأثير في الرق مع مرور الزمن بسبب حامضيته. وقد كان الرق يعاد إستعماله أحياناً بغسله لإزالة الكتابة وإعادة الكتابة عليه. ومن المصاحف الحجازية ما يحمل آثاراً تشير الى إستعماله عدة مرات. حيث يظهر شبح الكتابة الأصلية تحت الكتابة الجديدة بفعل أثر الحامض الموجود في المداد على سطح الرق.

صفحة من مصحف تم تدوير صفحاته بإزالة الكتابة المكتوبة بالخط الحجازي وإعادة كتابة المصحف بالخط الكوفي. ولم يظهر الخط الحجازي الأصلي من تحتب الكتابة الكوفية اللاحقة إلا بعد مرور فترة الزمن بفعل ما تركه الحبر من الأحماض الدباغية التي تشربت في الرق ولم تظهر للخطاط الكوفي أول الأمر.
صفحة من مصحف تم تدوير صفحاته بإزالة الكتابة المكتوبة بالخط الحجازي وإعادة كتابة المصحف بالخط الكوفي. ولم يظهر الخط الحجازي الأصلي من تحتب الكتابة الكوفية اللاحقة إلا بعد مرور فترة الزمن بفعل ما تركه الحبر من الأحماض الدباغية التي تشربت في الرق ولم تظهر للخطاط الكوفي أول الأمر.

وبالرغم من وجود الأحبار الكربونية في زمن كتابة المصاحف الحجازية إلا أنه يبدو أن الحبر الذي وصفناة آنفاً هو المفضل. ونرى أن المصاحف التي صنعت لاحقاً ومنذ الفترة الأموية والتي كتبت بالخط الكوفي كان الحبر المفضل لدى صانعيها هو حبر الكربون الأسود الذي لا يتغير لونه مع مرور الزمن.

المحبرة

المحابر المحمولة تسهل كثيراً على الخطاطين وخاصة في النصوص المطولة. وقد كانت المحابر تصنع من مواد عديد منها الزجاج أو الطين المفخور. ومما يساعد على التحكم في كمية الحبر المستخدم وجود سطح يمكن إسقاط المداد الزائد علية وهذا واضح في المحبرة المنضدية التي يستقر عليها القلم في الصورة. وترينا الصورة بعض المحابر البدائية والبسيطة إضافة الى محبرة جميلة منحوتة من حجر البازلت في يمين الصورة. والمحابر المعروضة هنا أمثلة من مراحل تاريخية ومناطق جغرافية عديدة ليس منها شئ من الحجاز قديماً ولكنها تعطينا فكرة عمّا كان من الممكن إستخدامه من قبل خطاطي المصاحف الحجازية. وتذكر شيلا بلير في كتابها الخط الإسلامي بأنه لم يبق من أدوات الخطاطين من تلك الفترة أثر مادي يقيني يمكن الإسترشاد بها.
المحابر المحمولة تسهل كثيراً على الخطاطين وخاصة عند كتابة النصوص المطولة. وقد كانت المحابر تصنع من مواد عديدة منها الزجاج أو الطين المفخور. ومما يساعد على التحكم في كمية الحبر المستخدم وجود سطح يمكن إسقاط المداد الفائض علية وهذا واضح في المحبرة المنضدية التي يستقر عليها القلم في الصورة. وترينا الصورة بعض المحابر البدائية والبسيطة إضافة الى محبرة جميلة منحوتة من حجر البازلت في يمين الصورة. والمحابر المعروضة هنا أمثلة من مراحل تاريخية ومناطق جغرافية عديدة ليس منها شئ من الحجاز قديماً ولكنها تعطينا فكرة عمّا كان من الممكن إستخدامه من قبل خطاطي المصاحف الحجازية. وتذكر شيلا بلير في كتابها الخط الإسلامي بأنه لم يبق من أدوات الخطاطين من تلك الفترة أثر مادي يقيني يمكن الإسترشاد به.

إن كمية الحبر المحدودة التي يمكن لقلم القصب حملها تفرض على الخطاط تكرار إمداد القلم بالحبر مراراً أثناء الكتابة. ويمكننا تصور كثرة هذا التكرار في عملية كتابة نص مطوّل كنص المصحف. وهذا التكرار يستوجب سهولة إمداد القلم بالحبر ويفرض على شكل المحبرة تصميماً يكون مناسباً لإمداد القلم بالحبر بسهولة ويسر.

وقد تكون المحابر الصغيرة المحمولة باليد التي لا تكتب هي الحل الأمثل للخطاط. حيث يمكن تزويد المحبرة بكمية محدودة من الحبر واستعمالها حتى ينفد الحبر ومن ثم إعادة ملءها. وإن بقي شئ من الحبر في المحبرة بعد الإنتهاء من جولة الخط فلن يكون سوى القليل الذي يمكن إعادته الى المحبرة أو إبقاءه ليجف في المحبرة حيث يمكن حله بإضافة كمية جديدة من الحبر في الجولة اللاحقة من الكتابة. وهذا ممكن لأن الأحبار التي كانت مستخدمة قديماً تذوب بالماء بعد جفافها.

ويتم صناعة المحابر لتحتوي على مقدار من الحبر في تجويف المحبرة الداخلي. كما يتم تشكيل حلقة حول فتحة التجويف العلوية لينفض الخطاط عليها الفائض من الحبر من على قلمه بوضع سن القلم أو كشطه على الحلقة. ومع تراكم الحبر في الحلقة تنساب الكمية التي لم تجف منه عائدة الى تجويف المحبرة تارة أخرى. ومع زيادة خبرة الخطاط يصبح لديه الحس بكمية الحبر المناسبة على سن القلم والتي يمكن عمل ضربات الخطوط الحادة الكتيمة ذوات الحافات المنتظمة باستخدام الكمية المناسبة من الحبر.

46c9d44e67968cd3aa7828e32969299e

قلم الخط الحجازي

عرضنا في المقالة السابقة مخطوطة بالقلم الحجازي المائل ورأينا كيف أثبت فحص نظائر الكربون نسبة المخطوطة الى القرن الأول الهجري. وبالنظر لارتباط الخط الحجازي بكتابة المصاحف الأولى  يكتسب الخط الحجازي أهمية خاصة. وسأحاول أن أبين بعض الجوانب المتعلقة بالخط الحجازي عبر سلسلة من المقالات بتوفيق الله. وبالرغم من أن التسلسل المنطقي يفرض عرض الخصائص العامة للخط إلا أني سأبدأ بما هو أسهل نسبياً وذلك بالبحث في الأدوات والمواد التي استخدمت في صناعة مصاحف الخط الحجازي المائل حيث أعود الى خصائص الخط نفسه بعد أن تكتمل لديّ صورة أوضح عن تلك الخصائص. ولنبدأ بما أقسم الله جلّ جلاله به وهو القلم.

qalam

علّم بالقلم

من بين أدوات الكتابة التي تتضمن القلم والمداد وما يكتب عليه، كان القلم هو الأظهر في كتاب الله وذلك حينما أقسم الله به في سورة القلم إذ قال سبحانه: “نون والقلم وما يسطرون”. وقد كان الرب سبحانه قد أشار وأشاد بالقلم حينما قال جلّ جلاله من قبل في أول ما نزل من القرآن: “علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعمل”. ثم يظهر لنا القلم متصدراً في مشهد مهيب حينما يمجد الله قدرته سبحانه حين يقول: “ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم”.

ومن جهة حرفة الخط فلعل أهمية القلم تكمن في أنه الأداة الأهم التي تجسد قدرات الخطاط أو الكاتب وموهبته أمام الناظرين. إذ بواسطته يقوم الخطاط بتشكيل الحبر على سطح الكتابة بأنامله بضربات متتابعات ثابتات تجتمع وتتفرق في توازن وتناغم لتصور لنا أشكالاً كتابية من حروف وكلمات تروق لنا بشكلها قبل فحواها وتداعب حس الجمال الذي يملكه أغلب الناس منّا.

ولكتابة القرآن الكريم إستخدم المسلمون الأوائل قلم القصب الذي كان شائعاً ومعروفاً بين من يكتب من أهل الحجاز في مكة والمدينة المنورة. وشيوع قلم القصب في الحجاز تابع لشيوعه في المنطقة التي تشمل الجزيرة العربية واليمن والعراق والشام وحوض النيل وجنوب أوروبا ومنذ أزل بعيد.

scribes
إستخدم قلم القصب منذ العصر الفرعوني حيث ترينا الصورة تمثال الكاتب المصري القديم على اليمين واسمه كاي. وهو أيضاً قد إختطف لينتهي به المطاف الى متحف اللوفر ويبدو أنه لا يزال يصّر على الكتابة بالرغم من أنه فقد قلمه. وعلى شمال الصورة نرى كاتباً من الإمبراطورية المغولية الإسلامية في الهند وهذا يحتفظ بقلمه ويكتب بنهم.

ويتمتع قلم القصب بمواصفات جعلته يكتسب هذا الشيوع الواسع والقديم بجدارة. فقلم القصب أولاً زهيد الثمن وهو سهل الإستخدام والإدامة. ولربما كان بري القلم وتكوين السن هو المطلوب فقط لتحضير هذه المادة الخام للخط والكتابة وسرعان ما يكتسب الخطاط مهارة بري القلم والتي تنمو عنده مع مهارة تجويد الخط الحسن ذاتها. وشكل القلم الطبيعي يؤهله للحمل بين الأصابع وتوجيهه بمقدار عالي من السيطرة لرسم اشكال الحروف. كما أن مادة قلم القصب مناسبة لحمل المداد أو الحبر وفرشه على سطح الكتابة بسن القلم.

ويتم قطع القلم بمقدار الشبر من قصب البوص الذي ينمو بكثرة على شواطئ المسطحات المائية. وتدعي شيلا بلير في كتابها الخط الإسلامي بأن أفضل أنواع القصب ينمو في أهوار العراق والمستنقعات في مصر حيث تكون أليافها مستقيمة وصلابتها تقيها بلي السن. ويدرج أبو حيان التوحيدي الذي عاش أغلب عمره في القرن الرابع الهجري في “رسالة في علم الكتابة” أربعة خطوات لإعداد القلم للكتابة وهي الفتح والنحت والشق والقط.

qalampreparation
الخطوات الأربعة لتحضير قلم القصب للكتابة والخط

ويتم قط القلم بشفرة حادة لتكوين السن المناسبة للخط. ويملي نمط الخط وطرازه شكل سن القلم حيث يمكن تشكيل سن عريضة أو دقيقة للقلم. وكان أغلب خطاطي الأقوام المحيطة بالحجاز يشكلون أقلامهم بالسن العريض والذين من بينهم خطاطوا اللغات الإغريقية والرومانية والبهلوية والحبشية والعبرية، بينما تميزت اللغة السريانية المنتشرة حول الحجاز وخلاله باستخدام السن المدور كالذي يستخدم في الخط العربي المغربي الذي جاء لاحقاً. ومهما كانت حاجة الخطاط الى شكل السن المطلوب فإن قلم القصب أظهر مطاوعة واستجاب بسهولة الى طرق تشكيله بأشكال عديدة.

طرق قط قلم القصب تكون إما بالقط العريض دون شطف كما في الشكل 1 أو بالقط العريض مع الشطف كما في الشكل 2 أو بالقط المدور.
طرق قط قلم القصب تكون إما بالقط العريض دون شطف كما في الشكل 1 أو بالقط العريض مع الشطف كما في الشكل 2 أو بالقط المدور.

ولرسم الخط الحجازي قط المسلمون أقلامهم بالسن العريض المستوي ودون تحريفه أو شطف السن كما صار إليه القط لاحقاً والذي ظل نوع القط المفضل لدى الخطاطين الى يومنا هذا. وقد رسمت أغلب المصاحف الحجازية بسن تصل دقتها الى المليمتر الواحد. وقد كان هذا السن يوضع على سطح الكتابة بزاوية مائلة قليلة تتراوح بين 20 و 30 درجة. ونستطيع معرفة ذلك من بدايات ضربات القلم في الخط الحجازي وكذلك من الفرق بين ثخن مقاطع الحروف العمودية بالمقارنة مع المقاطع الأفقية وطبيعة تدرج الثخن في المقاطع المنحنية من الحروف. وتعد قطة قلم الخط الحجازي دقيقة بالمقارنة مع أقلام الخطوط اللاحقة وخاصة الخط الكوفي الذي نشأ مع أيام الخط الحجازي المتأخرة. وقد دعت الحاجة الى ضم نص القرآن الكريم كاملاً في مصحف مجلد واحد لاستخدام خط دقيق وبالتالي جاء سن القلم دقيقاً لتحقيق ذلك.

تعطينا هذه الصور المكبرة لصفحة من مصحف بالخط الحجازي مودع في جامعة توبينجن الألمانية دقة قط القلم الذي كتب به المصحف
تعطينا هذه الصور المكبرة لصفحة من مصحف بالخط الحجازي مودع في جامعة توبينجن الألمانية دقة قط القلم الذي كتب به المصحف

ويلاحظ الذي يستخدم قلماً بسن عريضة غير مشطوفة صعوبة في توجيه الخط من اليمين الى اليسار حيث يتطلب رسم الحروف العربية بهذا النوع من الأقلام مهارة خاصة. ونجد مع مرور الزمن في بدايات العصر الأموي تحول سن القلم العريض الى التحريف والميل تدريجياً حيث أن هذا الميل في سن القلم يسهل رسم الحرف من اليمين الى اليسار ومع تطور الخط العربي من الخط الحجازي الى الخط الكوفي أخذ هذا المنحى بالإنتشار.

وعند الكتابة يضع الخطاط الحجازي سن القلم على الرق بحيث يلامس سن القلم بكامل عرضه سطح الرق ثم يسحب الخطاط القلم إما عمودياً نحو الأسفل أو أفقياً نحو اليسار أو بمقاطع دائرية لرسم الحروف والكلمات بمقاطع خطية تمثل العرض الكامل لسن القلم ويكون ثخن هذه الخطوط بقدر عرض السن أو أقل وذلك حسب نسبة زاوية السن الى إتجاة الخط. وهذه الخطوط تمثل الشكل الرئيسي للحرف أو الكلمة حيث يقوم الخطاط بعدها بملئ زوايا الحرف أو أطرافه بالحبر مستخدماً زاوية السن الداخلية كما يقوم بصقل الحافات ووصل ما تقطع من الخط مستعيناً بزاوية سن القلم كذلك. وتطلعنا الآثار المتبقية من مصاحف الخط الحجازي المائل أن هذه الضربات التجميلية الأخيرة لم تكن تستخدم في كل الحالات حيث أن هناك مصاحف مكتوبة بضربات القلم الرئيسية دون تجميل لاحق. ولربما يعود ذلك الى نقص في قدرة الخطاط أو التقيد بتحقيق هدف التدوين المحض لنص القرآن الكريم.

qalamstroke
يتم رسم الحروف بقلم القصب عبر خطوتين. في الخطوة الأولى يتم تكوين شكل الحرف من خلال ضربات كامل سن القلم العريض الذي يلامس سطح الكتابة كما في الشكل 1(الخط الأحمر). وهذا يترك فراغات كما في الزاوية المؤشرة بالحرف أ في الشكل 2. ويقوم الخطاط بملئ هذه الفراغات بزاوية سن قلم القصب عند الدائرة المؤشرة باللون الأحمر.

وعلى كل حال فإن الضربات التجميلية تشير الى رغبة الكاتب في رفع المستوى الجمالي للكتابة وإنتاج ما هو أكبر وأسمى من التدوين المحض للنص. وهذا يؤسس مبدأ الخط الذي يتميز عن الكتابة الإعتيادية في تلك الفترة بهذه التفاصيل والتي تشمل تحديداً عمل الترويس في بدايات ونهايات ضربة القلم، وضبط تدوير المقاطع الدائرية في الحروف، وتثخين الضربات وملء الزوايا.

ويبلى سن قلم القصب بعد فترة من الكتابة مما يتطلب تجديده. ومن الصعب تحديد عدد القطات خلال كتابة نص طويل كما هو الحال عند تدوين المصحف. ولكن من المؤكد أن خطاط المصاحف كان يعيد بري السن مرات عديدة أثناء التدوين وبنفس جلسة الكتابة. وبهذا تتكامل مهارة بري القلم مع مهار الخط وتصبح أساسية مما يستوجب على الخطاط إجادته. وقد نقل أبو حيان التوحيدي عن إبن مقلة أنه قال: “القط هو الخط”. وترينا أعمال فيزال سوادي من سنعافورة أن مهارة بري القلم يمكن أن تنمو لتصبح فناً قائماً بذاته وفيما يلي مجموعة من الصور من موقعه حول فن القط بالإضافة الى تسجيل يصور جمال هذه المهارة.

fdk-141211-qalam-crafting-13-sr

fdk-141211-qalam-crafting-12-sr

fdk-141211-qalam-crafting-05-sr

fdk-141211-qalam-crafting-02-sr

وقد ظل قلم القصب ملازماً للخط العربي حتى يومنا هذا في الوقت الذي تخلى عنه خطاطو اللغات الأخرى الذي ذكرنا بعضاً منها. وهذا يعود من جانب الى طبيعة الخط العربي ومن جانب آخر الى القدرات والخصائص الذاتية لقلم القصب والتي حاولت توضيحها في هذه المقالة.