تسويق مهنة التصميم

لربما يكون من الصعوبة تسويق مهنة مصمم طباعي لعدم انتظام السوق لصالح هذه المهنة. وحيث أن التصميم الجرافيكي رديف لتصميم الخطوط الطباعية فقد رأيت أن أسوق سلعتي في هذا المجال الذي أجده ممتعاً حقاً. وقد رأيت أن أعرض سلعتي على المستوى الدولي فقمت بتصميم نشرة إعلانية على شكل مطوية ليتسنى لي توزيعها على زبائن مستهدفين أثناء زيارتي لهم وعرض خدماتي عليهم. وأحب أن أشرك متابعيّ مدونتي تجربتي في إعداد هذه المطوية.

هذه هي الصفحة الخارجية للمطوية. ولا أدري كيف خطر لي إختيار المنظومة اللونية إلّا أني أعرف تماماً لم اخترت الخطوط. وكان هدفي التصميمي هو إعطاء النشرة صفة الخدمة الراقية. وكان من بين الخطوط التي جذبت نظري والتي كانت تعكس الأناقة هو الخط الذي استخدمته شركة Ipekyol التركية للأزياء الرجالية. وبعد رفع صورة لعلامتهم التجارية المكتوبة بهذا الخط على موقع Font Squirrel استطاعت أداة التعرف في هذا الموقع من تحديد نوع الخط المستخدم وقدمت لي عدداً من البدائل كان أقربها هو خط Wes FY. واستخدمت الخط بوزنين كما هو ظاهر في الصورة مع توسيع المسافة بين الحروف للحصول على التأثير المطلوب.
وحينما يفتح المستخدم الطية الأولى يجد الثلث الأول من الوجه الداخلي مع الثلث الأخير من الوجه الخارجي. وقد حاولت في هذا المستوى توضيح ما يتعلف باستخدام العنصرين الرئيسيين في التصميم الجرافيكي وهما المكونات الجرافيكية والخطوط الطباعية. وهنا تتغير المنظومة الطباعية فيما يتعلق بالخطوط المستخدمة. فقد اخترت أن أمثل عنوان الخطوط الطباعية بنمط مقترن بها واخترت خط Trajan القريب من الخطوط الرومانية لإضفاء صفة العراقة التاريخية الملازمة للخطوط الطباعية. أما ما يتعلق بعناوين العناصر الجرافيكية فأبقيت خط Wes-FY مع إستخدامه بمسافات متقاربة ووزن ثقيل لوقع أقوى على طريقة Helvetica. واخترت خط Rockwell للنصوص عبر المطوية كلها لأن هذا الخط يتناسق مع خط العناوين من حيث أن الأثنين من صفة الـ Geometric في حين أن خط النص يجسّر ما بين الطراز التاريخي والحداثة.
وقدمت للمستخدم مهرجاناً من الخطوط والألوان والصور حينما يفتح المطوية بكاملها. وحاولت أن أغطي جوانب العمل التصميمي من كافة نواحيه من حيث العناصر المكونة للتصاميم والتي تشمل: Images, Illustrations, Infographics, Icons وبالتأكيد Typography. ولربما التففت حول تحديات التصميم من حيث أختيار الخلفية الداكنة والتي هي بالنسبة لي أسهل من الخلفية البيضاء في التصميم.
ولتوديع المستخدم أقدم له روابط للوصول إلى المواقع التي يمكن من خلالها التعرف على أعمالي بالتفصيل بالإضافة الى تقديم معلومات للإتصال. واخترت الألوان الباردة والمريحة لسببين. الأول لأنه يعبر عن الأناقة والثقة المطلوبة في الأعمال بالإضافة الى توضيح قدراتي في التصميم ضمن منظومات لونية عديدة. وتتسق هذه الصفحة من حيث الخطوط الطباعية مع عموم التصميم مع زيادة خط مائل والذي يمثل ما يمكن إعتباره التوقيع الشخصي.
وحيث أن الموضوع يتعلق بمطوية مطبوعة على الورق حاولت أن أقيم التصميم في وضعه النهائي فقمت بطباعة المطوية عند أحدى مكاتب خدمات الطباعة في عمّان. كما قمت بتجربة وضع المطوية في مغلف يعطي للمطوية طابع القيمة العالية. والمغلف عبارة عن ورقة بوزن ثقيل ولون أزرق غامق يغلق بواسطة لصقة دائرية مختومة تحاكي وظيفة شمع الختم.
المطوية وقد تربعت بزهو على غلافها الحافظ

من أجل المقارنة

وللمقارنة أحب أن أعرض على حضرات المشاهدين الكرام تجربتي قبل ما يقارب السنة في ذات مجال تصميم المطويات والمواد الإعلانية. فقد خطر لي بعد أن أتممت خدمتي مع المنظمة الدولية التي عملت فيها لما يزيد على الـ18 سنة أن أبدأ مشروعاً في التدريب على إستخدام تطبيقات Adobe الثلاث: Photoshop, Illustrator, InDesign بالإضافة الى برمجة الإنترت باستخدام برنامج الـ DreamWeaver. وكانت المواد الإعلامية موجهة الى السوق المحلية للأردن ولذلك قمت بتنفيذها بكل من اللغة العربية والإنجليزية، حيث كان من ضمن أهداف التدريب هو اكتساب مهارات إستخدام التطبيقات مع التعرف على لغة المهنة على المستوى العالمي. ولنطلع الآن على هذه المواد الإعلامية.

مع أن النص الغالب من حيث الكمية هو النص الإنجليزي إلا أن العناوين العربية أكثر وضوحاً بحكم الألوان المختارة لها. وأغلب العناصر المستخدمة في التصميم هي من عملي باستثناء الصورة في الخلفية والخط الطباعي. ولا زلت أستخدم خط TheSans من تصميم Lucas de Groot الذي ينسجم مع الخطوط اللاتينية الى حد كبير. (تذكروا ما قلنا عن الخطوط اللاتينية في تدوينات سابقة وأنها التي تكتب بها أغلب اللغات الغربية).
وينفرد برنامج الـDreamWeaver لوحده في دورة مخصصة وذلك لأنه يجمع تحت مظلته العديد من المعارف البرمجية والتي تشمل HTML5, CSS3, JavaScript, php, MySQL. وباستثناء الـMySQL فإن برنامج الـDreamWeaver يقدم أدوات رائعة لتطوير المواقع وتطبيقات الإنترنت.
وحيث أني حاولت أن أستثمر خبرتي في العمل مع الأمم المتحدة فقد حاولت أن أقيم دورات لإرشاد الشباب الى طريقة الحصول على عمل مع منظمات الأمم المتحدة. ونرى أن الألوان المستخدمة في هذا التصميم حيادية بالمقارنة مع التصميمين السابقين وذلك لأنني بدأت التصميم بتضمين صوراً فوتوغرافية عن الأمم المتحدة ولكن بعد الإستدراك رأيت ألّا أضمّن الصور لعدم امتلاكي حقوقها. فرفعت الصور التي كانت ستكون أكثر إشراقاً على الخلفية الحيادية المختارة ووضعت عناصر جرافيكية مثل الرموز والعلامات عوضاً عن الصوّر.

الإستنتاجات

عموماً أستطيع القول بأن التصميم باستخدام الخطوط اللاتينية أكثر متعة وذلك لسعة المجال التصميمي الناتج عن كثرة الخطوط اللاتينية التي تلبي الحاجات الوظيفية المتنوعة. وهذا تأكيد لذات النتيجة التي توصلت إليها في تجاربي التصميمية السابقة. وأقول ذلك بصراحة وكل الإيجابية ذلك لأني أعتبر هذا بمثابة التحدي الذي يدفعني الى تطوير الخطوط العربية لتلحق بمثيلاتها في اللغات الأخرى وليستعيد الحرف العربي مجده بتوفيق الله وجهد الشباب الغيور على تراثه.

وختاماً وحيث أننا على أبواب أيامٍ عظيمة هي العشر الأوائل من شهر ذي الحجة، أسأل الله العظيم أن يتقبل منّا صالح الأعمال وأن يوفقنا وإياكم لكل ما هو خير.

الإعلانات

Asemic (الحروفية بالإنجليزي)

كتبت في هذه المدونة الكثير عن فن الحروفية المشتق من الخط العربي. ومع علمي بأن هناك أعمال مشابهة للحروفية العربية عند الرسّامين من أصحاب اللغات الأخرى إلا أنّي لم أكن أعلم بأنهم قد عرّفوا مدرسة لها. والمدرسة (بمعنى الكلمة الفكري) إسمها آسيميك (Asemic). وتعرّف صفحة الويكيبيديا هذا الفن الهجين بأنه إنصهار الكلمات مع الأشكال في صورة موحدة يترك تفسيرها للمتلقي.

والمثير للإهتمام هو أن هذا الفن (في الجانب الغربي من هذا العالم) يغطي المجالين الأدبي والتشكيلي. ولربما تستطيع أن تجد كتاباً كاملاً وقد كتب بلغة مستحدثة وهو خالي من أي معنى كان كما في الكتاب في الصورة أدناه.

كتاب مكتوب كاملاً بلغة غير مفهومة. ويبدو أن صاحب هذا الكتاب قام بصناعة خط خاص لهذا العمل وباتباع الرابط (إضغط على الصورة) تستطيع الوصول الى مدونته التي يشرح فيها مراحل تطوير هذا العمل.

ومع أن المثال الذي ذكرته للتو يحتوي على الجانب الأدبي والجانب التشكيلي معاً فهناك أعمال تستخدم الحروف اللاتينية لتكوين نصوص لا معنى لها أو لربما حسبما يتمنى صانعه أن يكون له معاني عديدة تعتمد على من يتلقى أو يحاول أن يقرأ النص. كما ساهم المبرمجون في هذا الجانب بكتابة برامج تقوم بتوليد الهذي آلياً (وبمستويات هذي- Gibberish – إختيارية) كما تجده على هذا الرابط.

وكعادتنا سنستعرض الفكرة أكثر من خلال النماذج الصورية. هيا بنا…

منشأ الحروفية الغربية أو الـ Asemic Art هو الفن التجريدي بلا شك. وهناك أعمال خطاطية للفنانين تجريديين مثل Kitty Sabatier التي نرى مثالاً لعملها في هذه الصورة والتي تصنف على أنه فن تجريدي خطاطي Abstract Calligraphic.
المصدر الثاني لهذا الفن هو الصفحة الكتابة المطبوعة. فنرى في هذا العمل تجريداً لصفحة كتابة إستخدم الرسام فيها خط يدوي مبتكر وبأوزان واحجام متنوعة لخلق تكوين بصري مألوف وغريب في ذات الوقت.
ومما يميّز الحروفية الغربية هو تضمين الحرف الطباعي في الأعمال الحروفية. ومع وجود بعض النماذج بالخطوط العربية وخاصة من أعمال الإيرانيين إلا أن الحرف الطباعي لم يأخذ بعد مكانة مميزة في الحروفية العربية.
والنمط الآخر من الحروفية الغربية التي تندر في الحروفية العربية هي التي تعتمد على خط الكتابة. ولربما كانت القلة في استخدام كل من الخط الطباعي وخط الكتابة في الحروفية العربية هو سطوة الخط العربي بجمالياته المتفوقة على الحس الجمالي العربي. ومعروفاً كيف أثرت هذه السطوة على تطور الطباعة العربية الذي لا يزال هزيلاً أما الخطوط الطباعية اللاتينية مثلاً.
ومما لا شك فيه فإن الحروفية العربية وضربة قلم الخط العربي له جماله الأخاذ الذي أثر على الحروفي الغربي (إن جاز التعبير هنا حيث أن الفنان هنا روسي إسمه Pokras Lampas).
ولكي تكون قراءتنا شاملة فيجب أن لا نستبعد تأثير الخط الأسود Black Letter الأوروبي الذي نشأ في القرون الوسطى وكان مفضلاً لدى الأقوام الألمانية الى حد قريب نسبياً. هذا عمل آخر من أعمال Pokras Lampas.
عمل أخير لـ Lampas وهو جدارية حينما تراها تتصور أنها من أعمال الحروفيين العرب.
ولن نترك الموضوع حتى نضمّن المقالة بعض النماذج من الحروفية العربية للمقارنة. وليس في هذا العمل شئ مميز إلا أننا نستطيع القول بأن الحروفية العربية تغطي نطاقاً واسعاً من الأساليب. فلنقارن هذا العمل مثلاً بأعمال بعض الفنانين الإيرانيين في الصورة اللاحقة. إبتداءاً صاحب هذا العمل حاول أن يستثمر جمالية خط الثلث الأنيق ويعبر عنه باستخدام ألوان هادئة. ونسبة المساحة الوردية الى المساحة الزرقاء تضيف بعداً جمالياً من خلال التكوين الهندسي العام للّوحة.
أما في هذا العمل فقد قام صانعه بالإعتماد على صلابة الخط الكوفي المصحفي والذي له جماليات فائقة تتميز بالهيبة والسمو خاصة عند الإستخدام مع المساحات الخالية. إلا أن الفنان هنا جرّب إستخدام الخط بطريقة الحروفية التي تتميز بتكثيف الكتلة الحروفية حيث أن هذا هو جوهر العمل. وكما في المثال السابق فإن الفنان إستخدم اللون والمساحات بنسب معينة للتعبير عن فكرته الجماليّة.
وهذا عمل آخر ولكن لفنانة إيرانية هذه المرة. وهي الأخرى إستخدمت الخط الكوفي المصحفي والذي يحاول الإيرانيون تملكه. وهي محاولة أجدها غريبة بعض الشئ. ويصاحبها هجوم ثقافي على إرثنا العربي الإسلامي حيث أن الوكيبيديا مثلاً أصبحت تشير الى العلماء العرب المسلمين الذين ولدوا في بلاد فارس أو لهم أسماء ذات أصول فارسية بأنهم إيرانيون وما كان هناك شئ إسمه إيران في ذلك الوقت. وإذا كان هذا التنسيب صحيحاً فإن كثير من علمائنا الأندلسيين العرب المسلمين سيكتسبون الجنسية الإسبانية بعد حين. ولا أظن أن أحداً سيسعد بذلك. أنا أريد من أحد أن يخبرني ما الذي تقوم به الجامعة العربية بالضبط؟

وبالمناسبة

كان هذا الكتاب عندي منذ سبع سنين. وقد نشرت منه بعض الأعمال للرسام والخطاط الجزائري رشيد القريشي. إلا أنه وقع في يدي منذ أيام وأنا في خضم دراستي للخطوط المصحفية القديمة بشقيها الحجازي والكوفي. وانتبهت هذه المرة لعمل الرسام والخطاط العراقي حسن المسعودي في هذا لمشابهة عمله للخطوط المصحفية القديمة فخطر لي أن أكتب شيئاً عن هذا الكتاب. وحيث أن أعمال رشيد القريشي هي من باب الحروفية العربية حسب تصنيفي المتواضع، فلا أحسن من أن ندرج هذا الإستعراض السريع في هذه التدوينة.

غلاف الكتاب واسمه “أمة في المنفى” وهو من إصدار دارة الفنون في عمّان الأردن. وقد ساهم في الكتاب كل من الشاعر محمود درويش والخطاط حسن المسعودي العراقي ورشيد القريشي من الجزائر. وتتضمن حاشية في الكتاب إسم عطالله باعتباره مصمم الكتاب.
وقد قام المصمم عطالله بمقابلة صفحة من شعر محمود درويش المكتوب بخط حسن المسعودي بصفحة من عمل رشيد القريشي الحروفي (Asemic إن شئت). وفي هذه الصورة نموذج من خط المسعودي حيث نرى كيف يحاكي بخطه الخط المصحفي القديم من النوع الكوفي. وهو مع محاكاته إلا أنه يضفي عليه لمسته الشخصية خاصة في تثخن الخط عند نهايات الكلمات.
ويقوم حسن المسعودي بالمناورة في حجم الخط بحسب طول قصيدة محمود درويش في تلك الصفحة. هذه الصورة نموذج للخط بالحجم الوسط حيث يظهر نسيج الخط المتجانس على يد حسن المسعودي الخبيرة.
ولا تعجز طول شجون محمود درويش الخطاط المسعودي حيث يختار حجماً صغيراً للحرف لتستوعب الصفحة كامل القصيدة.
وهذا نموذج من عمل رشيد القريشي ويكاد يكون في صميم الـ Asemic الذي أسهبنا في ذكره اليوم. ويبدو أنه يمكن ربط أي من الحروفيين عندنا الى شيخ الحروفية العربية نجا المهداوي. حيث نرى واضحاً في عمل رشيد القريشي التكوين المبني على تضاد الخط الكبير الجليل مع الخط الناعم الصغير. ورشيد القريشي يستخدم ضربة خطاطية أكثر ارتخاءًا من ضربة نجا المهداوي الخطاطية. وبهذا تكون الخطوط أقرب الى خط الكتابة منه الى الخط العربي. وينطبق هذا على الخط الصغير حيث أنها كتابة يدوية أيضاً. وإذا أردتم أن تشبعوا من الـ “أسيميك” فيمكن تحميل كراسة لأعمال رشيد القريشي من خلال هذا الرابط.
ويحتوي الكتاب على مقدمة بقلم عبدالكريم الخطيبي باللغتين العربية والفرنسية. وقد أحسن المصمم عطالله تصميم النص الفرنسي باختياره الخط الطباعي المناسب والحروف الكبيرة على طريقة الـ Drop Caps. وهذا على نقيض ما استطاع أن يحققه في تصميم النص العربي والذي نراه في الصورة اللاحقة.
تصميم النص العربي أقل اتساقاً من تصميم النص الفرنسي في أعلاه. وذلك خاصة في الحروف الكبيرة. وقد اختار المصمم عطالله خط ياقوت لتصميم النص العربي. ومع جمال هذا الخط إلا أن المصمم لم يوفق حسب رأي الى تحقيق مستوى جمالي يتناسب مع أناقة المطبوع بشكله العام. ولربما كان من الأفضل زيادة المساقة بين السطور مع اختيار حجم أكير للحرف. وأنا شخصياً أميل الى الوزن الأثقل من ياقوت (ياقوت أسود كما يسمى) إلا أن طابع الكتاب في تصميمه العام لا يستدعي استخدام خط ثقيل في هذا الموضع.

إذاً كانت هذه هي جولتنا التي استعرضنا فيها مديات تتراوح بين الثقافة العربية والثقافة الأجنبية مثلما تناولت كل من الخط التقليدي والخط الطباعي. وهي وإن كان موضوع الحروفية يتكرر على هذه المدونة فإن التدوينة هذه المرة لربما جاءت ببعض ما هو جديد. فمن منا قد سمع بهذا الـ Asemic من قبل. ومع أن الـ Asemic على مستوى النص اللغوي هراء في هذي يتكلف الناس فهمه، فهو على المستوى البصري ممتع.

ختاماً نسأل الله السداد والقول الثابت في الدنيا والآخرة وعسى الله أن يتقبل منّا الطاعات والصيام إنه لطيف لما يشاء وهو العليم الخبير. مبارك رمضانكم وإن قارب على آخره.

الخط الإسلامي الصيني (سيني)

وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا

في سنة 2004 أقيم معرض ومسابقة دولية في الخط العربي في باكستان وشارك فيها خطاطون من 17 دولة من بينها الصين. ويذكر موقع رسالة الثقافة الصينية أن الخطاطين الصينين لم يحظوا بأي جائزة وذلك لعدم تعود عيون الحكام على البعد الثقافي في الخط السيني (بمعنى الصيني وسأستمر في استخدام تسمية الخط السيني للتمييز بينه وبين الخط الصيني الأصلي). ويصدق هذا رسالة إستلمتها على هذه المدونة من فترة بعيدة يعلق فيها أحد زوار المدونة من بلد عربي أن هؤلاء بحاجة الى من يعلمهم قواعد الخط العربي. وفي تقديري أن هذا الأخ مع مجموعة حكام مسابقة باكستان هم من بحاجة الى أن يتعلموا معنى التعارف الثقافي والمعاني الكامنة في الخط الإسلامي الصيني أو السيني.

ودين الإسلام العظيم جاء بحزمة من القيّم الأخلافية منها السلام والتلاقي الثقافي. وكانت المعاني والمحتوى الأخلاقي الإسلامي من أقوى الوسائل التي لانت لها قلوب البشرية في الشعوب التي وصلها الإسلام دعوة دون الفتح العسكري. والأمم الإسلامية الآسيوية مثل ماليزيا وإندونيسيا والمسلمين في الفلبين والصين شواهد على هذا الإستسلام لمعاني الخير والسلام الموجودة في دين الله الحنيف. وقد يكون من المفيد لنا نحن العرب في قلب العالم الإسلامي أن نفهم معنى هذا البعد العظيم الذي يمثله هذا المد الثقافي الذي يمتد من هاهنا الى اقصى الأرض في تنوع ثقافي غنيّ وأصيل. ولذا، وفي محاولة بسيطة منّي أكتب هذه المقالة لعرض الإبداع النابع من قلوب مفعمة بالإيمان وعقول ترسّخ فيها تراث ثقافي غنيّ وعميق.

لنأخذ فرصة من الوقت ونطلع على الخط الإسلامي في الصين.

الثلث الصيني

كان لخط الثلث الذي زيّن المباني التي شيدت في عصر الدولة المغولية الأثر الأكبر في نشأة الخط السيني. ولربما كان عامل الإنحناءات في كل من خط الثلث العربي والخط الصيني الأصيل هو نقطة إنطلاق طابع الخط الإسلامي الصيني أو “السيني”. ولندرس هذا التلاقي عبر مجموعة الأمثلة التالية.

البسملة بالخط السيني. ونرى تأثير خط الثلث العربي واضحاً في هذا العمل الذي يضم أيضاً مكونات صينية معروفة كالأختام الحمراء. ومع أن قلم الخط المصنوع من القصب كان يستخدم في الصين أيضاً إلا أن الأعمال الفنية كهذا المثال كان ينفذ بالفرشاة. ويبدو أن صانعوا هذه الأعمال كانوا يحافظون على إظهار تأثير الفرشاة كنوع من التعبير الفني.
بسملة أخرى من عمل يوسف تشن جنهوي Yousuf Chen Jinhui وهي أكثر رشاقة من البسملة الأولى وتظهر تداخلات خط الثلث العربي. كما أن الأختام في هذا العمل باللغة العربية وبخط ثلث عربي. والختم على اليسار يحتوي خط عربي بالكوفي المربع مع كتابة باللغة الصينية.
وهذا عمل جميل يحتوي على عناصر الفن الصني كرسمة الشجر إضافة الى الأختام الحمراء المعروفة والكتابة الصينية على جهة اليمين. وهذا العمل يمثل نموذجاً رائعاً من تداخل الفن الإسلامي العربي بالفن الصيني حيث أنك تستطيع أن تقرأ الكتابة العربية في الوقت الذي لا تخطئ تعبير الفن الصيني في العمل.
هذا مصحف كتب بخط إسلامي صيني مشتق من القلم الريحاني مع رسوم الزهور – وأحياناً صورة مشيد صغير – عند كل عشرة آيات. كتب هذا المصحف في بكين سنة 1634 من التقويم العام (1053 هجري) وذلك بيد أمة الله نور العلم بنت رشيد. والمصحف محفوظ الآن في متحف ديفيد في الدنمارك.
في هذه الصورة نرى إمتزاج الخط العربي والزخرفة الإسلامية مع الفن الصيني في محراب مسجد نيوجيي في بكين.

طريقة الخط

وبعد أن أستعرضنا بعض النماذج القليلة من الخط الإسلامي الصيني أو السيني لنطّلع على إسلوب تنفيذ هذه الأعمال من خلال بعض التسجيلات التي اخترتها من الإنترنت. وسنلاحظ أن الخط السيني يحتفظ بأساليب تنفيذ الخط الصيني الأصلي من حيث حركة اليد والأدوات المستخدمة. ومع وجود الخطاطين الآسويين الذين يستخدمون قلم الخط المعروف عندنا ويتبعون طريقة الخط العربي التقليدية بتطبيق قواعد الخط العربي، إلا إننا هنا بصدد نوع آخر من الخط العربي أصبح له أصوله وطرقه الخاصّة والذي نتج عن هذا الإلتقاء العظيم بين الثقافة الإسلامية والثقافة الصينية.

والحاج نورالدين مي قوانج جيانج هو من المهتمين بالخط الإسلامي الصيني (السيني) ويروج له من خلال أعمال فنيّة متميزة. وفي التسجيلات الستة الأولى في هذه التدوينة يقوم الحاج نورالدين بشرح الكثير عن أسلوبه الخاص في الخط السيني. أما الخطاط الصيني بدر ماو فله حركة خاطفة مميزة تستقي من الطريقة التقليدية في الخط الصيني والتي تكون الضربة هي الضربة وفيها ما فيها من القوة التعبيرية التي تتجمد وتتجسد مع جفاف الحبر.

أولاً: ستة تسجيلات للحاج نور الدين مي جيانج هوانج
ثانياً: القوة التعبيرية في ضربة الخطاط بدر ماو

الجذر الجيني للخط السيني

ضربة القلم في الخط الإسلامي الصيني تختلف عن ضربة قلم الخط العربي حيث تنبع طريقة الخط السيني من الطريقة الصينية التقليدية. ففي الوقت الذي يُسحب فيه قلم الخط العربي ببطء على سطح الكتابة وتجري في عقل وعين الخطاط الحسابات المطلوبة لرسم الخط وفق الضوابط والقواعد تأتي ضربة الخط الصيني تلقائية بعد تراكم شعوري كما تنطلق شرارة الكهرباء بعد تراكم الكهرباء في مكثاف. وتكون الضربة في الخط الصيني واحدة لا تحتاج الى تحسين بعدها في حين أن ضربة الخط العربي تحتاج في بعض الأحيان الى التحسين أو التتميم كما يفعل الخطاط بزاوية سن القلم في الترويسات وفي ذيول حرف الراء في خط الثلث.

وقد عثرت على مجموعة من لوحات الحروف في الخط الصيني موضحاً عليها مسار الخط حيث يستطيع المشاهد تخيل حركة فرشاة الرسم وديناميكية حركتها بالجمع بين خط المسار وشكل الضربات النهائية. ولعله من المفيد أن نطلع على هذه اللوحات ليزداد فهمنا وحسنا تجاه أصل الخط الصيني والذي يمثل أصل الخط الإسلامي الصيني أو السيني.

وختاماً نحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.

صناعة الخطوط العربية

لقد كانا شهرين مضنيين عقدت العزم فيهما على أن أتم موضوعاً كان في بالي منذ أن بدأت هذه المدونة. فعلى الرغم من تجاربي العديدة في تصميم الخطوط العربية إلا أن صناعتها موضوع آخر خاصة بالنسبة الى خطوط الحواسيب الحديثة من نوع الـOpenType / TrueType. وبحمد الله أستطعت الآن أن أنجز تسجيلات لتمرين سريع في صناعة الخطوط العربية بالإضافة الى كتاب موجز حول نفس الموضوع.

وقد كان هذا التقدم بسبب تحولي من برنامج FontLab V الى برنامج FontForge ثم وأخيراً برنامج FontCreator. فأما الأول فإنه لا يصلح إطلاقاً لصناعة الخطوط العربية وهو برنامج صعب الإستخدام وعقيم. وأما الثاني فهو أكثر صعوبة وهو برنامج غامض على منصة الـWindows ولكن على الأقل استطعت أن أبرمج الخط التجريبي الذي اخترته من تصاميمي لهذا التمرين بما بدى أنني قد وجدت الأداة المناسبة. ولكن عندما توقف البرنامج في تصدير خط عربي يعمل بشكل صحيح توقفت أنا بدوري عن إستعماله وعملت بما اقترحه الأستاذ سلطان المقطري فاستثمرت بتحسين نسخة الـFontCreator Home Edition الى نسخة الـ FontCreator Professional Edition 11.5 فكانت في الحقيقة مفاجأة سارة حيث أن هذا البرنامج ذو قدرات ممتازة لصناعة الخطوط العربية وخاصة أداة الـOpenType Designer التي في ضمن البرنامج.

ولندخل في صلب الموضوع ونشاهد التسجيلات التي قمت بعملها خلال هذه التجربة.

أما الموارد المشار إليها في هذا التمرين فيمكن الحصول عليها من الروابط التالية:

والآن لنتفرج على بعض صور صفحات الكتاب الصغير الذي أعددته ليصاحب التسجيلات أعلاه:

 

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والصلاة والسلام على نبي الهدى محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

إستكشف خط النستعليق

الإمكانيات الكامنة في هذه الأمة هائلة. وتأكيداً لذلك عمل المصمم الجرافيكي طه بدر من الباكستان الذي قام بإعداد سلسلة من التصاميم التي تسهل إستكشاف جماليات خط النستعليق. والنستعليق من ناحية التسمية هي حاصل الجمع: (نسخ) + (تعليق) = نستعليق. وهو خط ناتج من تطور خط النسخ في بلاد المشرق الإسلامي واندماجه مع خط التعليق. وخط النسخ معروف، أما خط التعليق فسمي بذلك لأنه يبدو معلقاً من حيث تدرجة نحو الأسفل مع إتجاه الكتابة، وهي السمة الظاهرة التي بقيت في خط النستعليق.
 
ويبدو أن التصاميم التي أحب أن أشاركها معكم اليوم هي مادة لمحتوى موقع على الإنترنت. وقد بحثت عن الموقع الذي يمكن أن تكون هذه التصاميم قد نشرت عليه إلا أنني لم أجده ويبدو أن المشروع لم يكتمل لحد الآن. على كل حال هذه مجموعة من تلك التصاميم وتستطيعون رؤية المزيد على صفحة المصمم الباكستاني على الـ Behance.
 
 
 
                       

إتفقنا على أن لا نتفق – اليونيكود (Unicode)

مثل مصير مفتاح كنيسة القيامة الذي إنتهى عند عائلة مسلمة لعدم إتفاق المسيحيون المقدسيون على من يحوزه، فقد ناب عن أصحاب الخط العربي من قام بتوحيد طريقة استعمال الخط العربي على الحواسيب. حيث قامت منظمة اليونيكود – لربما بأقل ما يمكن من استشارة أصحاب الشأن – بترميز الحروف العربية ضمن جداول موحدة أصبحت المعيار الأساس لاستخدام الخط العربي على الحواسيب وانتقال النص العربي عبر الإنترنت. وهذا جهد مشكور لأنه سهّل بشكل كبير تضمين النص العربي في البرمجيات وصفحات الإنترنت.

وبما أننا سنقوم بعون الله بمعرفة طريقة صناعة خط رقمي ضمن سلسلة تصميم وصناعة الخطوط العربية، فلا بد أن نعرف أهمية جداول ومواصفات اليونيكود حيث أن هذا العمل يعتمد على هذه الجداول في الصميم. والفكرة في أساسها بسيطة للغاية. فالموضوع لا يتعدى ترميز كل حرف من الحروف العربية برقم. نعم، هذا كل ما في الأمر. ولكن التحدي الأكبر يكمن في اتفاق المصنّعين ومن لهم علاقة بالموضوع وقد تم ذلك (نحن طبعاً مستثنون “بكلا”).

كما يتضمن الترميز تفاصيل معينة نستطيع أن نلخصها فيما يلي:

  1. الترميز يشمل الحروف والأرقام والحركات والإشارات والرموز (الفواصل والأقواس وعلامات الرياضيات وهكذا).
  2. الهمزة تأخذ أكثر من ترميز بحسب الرسم (مفردة، على الألف، على الواو، على الياء وهكذا).
  3. هناك عدة جداول لتغطية الخط العربي لتشمل كل اللغات التي تستخدم هذا الخط. وسنعرض صور الجداول التي تهمنا في البداية فيما يلي.

جداول اليونيكود للخطوط العربية

أولا: جدول الحروف الأساس

ثانياً: جدول أشكال المحارف العربية

وتستطيع تحميل هذه الجداول من موقع منظمة اليونيكود لنستخدمها فيما بعد عند صناعة الخطوط العربية. وروابط التحميل هي:

أولاً: الجداول الرئيسية للّغة العربية:

ثانياً: الجداول الثانوية للّغات التي تستخدم الخط العربي

الى هنا إنتهى هذا الدرس وما عليك إلا أن تحمل هذه الجداول وتحفظها في مجلد حتى يتسنى لنا استعراض الجولة الأولى الفعلية في تصميم الخطوط العربية.

نكتة العدد (بمناسبة اليونيكود)

من آخر مصاحف الإنترنت التي تعرفتُ عليها هو مصحف مسقط الذي تم إطلاقه على ما يبدو في تموز – يوليو 2017. وقد تم إطلاق المصحف في حفل تم التركيز فيه على مشاركة سلطنة عمان بمنظمة اليونيكود. ولا أدري إن كان هذا صحيح أم لا خاصة وأن التقديمات كانت فيها المغالطات والمبالغات التي يبدو أن مُنشِئها كان صانع مصحف مسقط المدعو Thomas Milo وجماعته في ديكوتايب. فقد تم الإدعاء في هذا الحفل أن مصحف مسقط هو المصحف الثاني في التاريخ الذي تم إخراجه بالحروف الطباعية بعد مصحف القاهرة المعروف. وهذا خطأ لأن هناك عدد من المصاحف التي تم إخراجها بالحروف الطباعية ليس أقلها مصحف المدينة المنورة الألكتروني المنشور على موقع مجمع المللك فهد لطباعة القرآن الكريم منذ سنوات عديدة. هذا بالإضافة الى العديد من المواقع التي تستخدم الخط الأميري الرقمي الذي تحدثنا عنه والمأخوذ من خط مصحف القاهرة الشهير والذي ينظر إليه توماس وعصابته نظرة المأخوذ.

الدخول الى التاريخ من الباب الخلفي: مصحف توماس ميلو

ويريد منّا توماس ميلو أن نشكره على ما يراه هو إنجاز تاريخي لم يستطع أحد أن يفعل مثله. فقد قام في مقدمة إحدى عروضه التي غالباً ما يبدؤها بكوميديا سقيمة لا تليق سوى بمهرجي السيرك من الدرجة الواطئة والتي لا يوفوّتها فرصة للإستهزاء والمهاترة عرض المسكين حواراً مع إمرأة تنتقده لتعامله الغير لائق مع القيّم الإسلامية ويقول هذا ما يجازيه به أهل هذه الثقافة في مقابل ما يقوم هو به من التطوير والإبتكار. ويشوبني الشك في أنه قد اختلق النقاش برمته حيث أن توماس ميلو بارع في التلفيق ومثال ذلك الأسطورة التي إسمها مهندس أوغلو التي اخترعها. (إنظر مقالتي عام 2015)

ويبدو أن توماس ميلو قد إستغل طيبة العمانيين وأوحى إليهم بأنه سيقدم لهم الإعجاز التاريخي الذي لم يسبقه أحد لفعله. فقال لهم أن عمله سيكون ثاني مصحف من نوعه وقد بيّنا كيف أن هذا كذب. وقال لهم أنه مبني على اليوينكود وهو ربما كذلك في برمجة التطبيق الخادم ولكن من ناحية المستخدم فهو ليس كذلك بل هو ليس نصاً أصلاً إذ أن ما تحصل عليه من مصحف توماس ميلو ليس سوى صورة تم تشكيلها على الخادم.

ولكن المشكلة الحقيقية في أنه يعتقد أن عمله هو الإستنساخ الأصيل الوحيد لخط النسخ بالرسم العثماني لأنه يطّبق قواعد الخط العربي التي يظن أنه هو وحده قد اكتشفها. وهو بذلك يعتبر أن القرآن لم يتم تحميله على الإنترنت حتى قام هو بذلك لأن بقية المحاولات لا تطبق قواعد الخط العربي الأصيلة. وهذه مبالغة مضحكة لأنه وإن كان قد أتقن إلى حد ما طريقة تطبيق قواعد الخط العربي على التظهير الطباعي فهذا لا يعني أن بقية الأعمال لا يعتد بها لكونها قد عفت عن قاعدة خطاطية أو تفصيل هو يراه مهم. ثم أنه ومع تطبيقه الصارم (على إدعائه) لقواعد الخط في التظهير الطباعي فعمله لم يصل الى جمال عمل الخطاطين الأصلي وكما نرى في المقارنة التالية:

على اليمين صفحة مصورة من مصحف المدينة المنورة بخط عثمان طه. وعلى اليسار صورة من شاشة الإنترنت لمصحف توماس ميلو الذي حمله على الإنترنت على ظهر وزارة الأوقاف والشؤون الدينية العمانيّة. وأحب أن أؤكد هنا حقيقة مهمة وهي أن الخط غير الطباعة. وهذا ما لم يفهمه توماس بعد. ولم يستفد عمل توماس كثيراً من التطبيق الحرفي لأصول الخط العربي حيث أن خط توماس في النص قبيح بالمقارنة مع الشئ الحقيقي.

من المخزي جداً أن يستغل توماس الموقف للترويج لبضاعته التجارية ويخون ثقة العمانيين به حينما عهدوا إليه بهذا العمل. نرى هنا في الصورة أنك حينما تضغط على كلمة في مصحف توماس تظهر لك البدائل الطباعية على غرار برنامج تصميم الذي ينتجه. وهذا من مصلحته هو فقط لأنه ليس من مستخدم للمصحف من يهمه من هذه البدائل الطباعية شيء. ولا يزيد في قيمة الأداة هذا التفصيل العديم الفائدة على الأقل في هذا السياق. وأعتبرها خيانة لأن العمانيين بالتأكيد كان مقصدهم في دعم هذا المشروع هو أعلى وأرقى من إستعراض قدرات توماس ميلو في عرض البدائل الخطاطية الخارجة عن سياق المشروع وخارجة عن دائرة إهتمام وزارة الأوقاف والشؤون الدينية العمانيّة.

حينما تزور الموقع تستطيع معرفة المزيد عن المشروع من خلال الضغط على الشعار في أعلى شمال الشاشة. وستعلم حينها لماذا يعكس هذا العمل أهداف توماس ميلو أكثر من غايات وزارة الأوقاف والشؤون الدينية العمانيّة. وذلك لأن هذه الصفحة ترينا بأنه لم تمس هذا العمل يد عمانية واحدة في صناعته.

تصحيح: لربما وصلت اليد العمانيّة الى مصحف مسقط ولكن… (على كل حال إضغط على الصورة لتشاهد حفل الإطلاق).

المبدأ في هذا الموضوع

غايتي من هذا النقد هو التنبيه حول الوهم الذي يروّج له توماس ميلو فيما يتعلق بالخط الطباعي العربي. وأستطيع أن ألخص ما أريد أن أقوله في النقاط التالية:

  1. الخط التقليدي (النسخ والثلث والرقعة وغيرها) غير الخط الطباعي ولا يجدر بالخط الطباعي أن يقلد الخطوط التقليدية لأنه من غير الممكن ذلك في حدود الإمكانيات الحالية وبضمنها الإمكانيات التي يعرضها توماس ميلو التي لا تعدو أن تكون تطبيق لقواعد الخط العربي دون الوصول الى المستوى الجمالي الذي يتمتع به الخط العربي الأصيل.
  2. صحيح أن الخط الطباعي العربي لم يحقق الإستنساخ والتطبيق الكامل لأصول الخط العربي إلا أن هذا غير مهم وغير مطلوب. فطالما أن الخط الطباعي العربي السائد يؤدي الوظيفة اللغوية والتي من ضمنها تسجيل ونقل النص القرآني كما يجب أن يُنظق فهذا كافي من الناحية العملية.
  3. ثم صحيح أن المستوى الجمالي لم يرق الى مستوى الخطوط العربية التقليدية وهذه نقطة مهمة وهي رسالتنا في هذه المرحلة. وحلها ليس بأن نعود الى الخطوط القديمة ونحاول إشتقاق قواعدها لتطبيقها على الخطوط الطباعية الحديثة، بل على العكس: يجب أن نمضي في محاولة لتجويد الشكل الجمالي للخطوط العربية الطباعية الحديثة وبما يناسب الإحتياجات الوظيفية للمجالات الثقافية المعاصرة في العلوم والآداب والفنون والرياضة.
  4. وأخيراً فإن من الدروس المستفادة هو ضرورة أن نتّفق على أن نتّفق لسد الطريق أمام دخول الذئاب بغطاء الحمل كما في الحكاية التي سردناها في هذه المقالة.

ختاماً لكم مني كل المحبة والإحترام ولنتفق على أن نتفق بأن نأخذ بالخط الطباعي العربي الحديث الى مستويات جمالية تليق بهذه الأمة العظيمة من مشرقها الى مغربها في تنوع يستوعب الجميع ويرضي الرب الذي ابتعث هذه الأمة برسالة محمد صلى الله عليه وسلم لرفع الإنسانية الى المستويات التي ترضي الرب الخالق وتحقق الكرامة والسعادة الإنسانية في الدارين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وسيد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شواهد في تطور الخط الطباعي العربي

كمقدمة للعودة مرة أخرى الى موضوع تصميم وصناعة الخطوط العربية قمت بإعداد مسودة سريعة لمعالم محددة في تاريخ تطور الخط الطباعي العربي حسب معلوماتي المتواضعة. والمسودة التي أعددتها عبارة عن تطبيق على الإنترنت يعرض بطاقات تحتوي كل واحدة منها على نموذج لخط طباعي أو رقمي يمثل جانباً من جوانب تطور الخط الطباعي العربي. والغرض الأساسي من هذا التطبيق هو تيسير شرح هذه المعالم التاريخية في تسجيل قصير. وأرى أن هذه المقدمة مفيدة حيث أنها توضح لنا الأنواع المختلفة من الخطوط العربية وبالتالي يستطيع المهتم تحديد إتجاهه حينما يشرع في تصميم وصناعة الخط العربي الخاصة به. ولنبدأ المقدمة بتسجيلين توضيحيين.

وإشارة الى الروابط المذكورة في التسجيل، فيمكنكم الوصول إليها من خلال ما يلي:

تطبيق نماذج الخطوط العربية: http://khalidalabdullah.com/apps/atm

البرمجة المصدرية للتطبيق: https://github.com/khalidalabdullah/arabictypehistory

ملفات المصدر لخط بانية: https://github.com/khalidalabdullah/banyehfont

كما أحب أن أستعرض بعض البطاقات هنا أيضاً مع شرح قصير لكل بطاقة منها.

muteferrika
أول محاولة أصيلة للطباعة بالحروف المعدنية المفردة التي تنضد بالمساطر ثم تجمع المساطر في صفحات على الطريقة القديمة هي من عمل إبراهيم متفرقة المطبعجي ما بين عام 1711 وعام 1716 بالتعاون مع السفير العثماني في فرنسا بيكرمي سكز جلبي. وقد تم تأسيس مطبعة في اسطنبول حيث تم طبع العديد من العلم والمعرفة. وقد مهدت تجربة مطبعة اسطنبول لإنشاء مطابع أخرى في القاهرة وعموم الدول الإسلامية بحكم المعرفة والخبرة المتولدة من هذه التجربة.

حينما أمر محمد علي باشا بإنشاء المطبعة الحربية في بولاق قام باستيراد أجهزة الطباعة من إيطاليا. ويبدو أنه تم إستيراد واستعمال الخط الطباعي من إيطاليا أيضاً. ودليل ذلك المطبوعات الأولى التي تم طبعها في هذه المطبعة والتي ترينا هذه الصورة نموجاً منها. وتمثل الصورة الصفحة الأولى من قاموس إيطالي عربي تم طبعه باستخدام خط يشبه الخط الذي استخدم في طبع الإنجيل في روما في القرن السادس عشر. كما يشبه أيضاً خط مطبعة نابليون والذي نرى نموذجاً منه على اليمين من الصورة أعلاه. وتستطيع تمييز هذا الخط بسهولة عن الخطوط التي تم تطويرها داخل الأمة الإسلامية والمتفرعة عن تجربة إبراهيم متفرقة والتي تم تطويرها بناءاً على الإرث الخطاطي العربي والإسلامي. أما هذا الخط الأوروبي فهو صنيعة غريبة ولا يحمل أي مورثات ثقافية إسلامية أو عربية.

بمقارنة الخطوط الطباعية قريب نهاية القرن التاسع عشر نلاحظ تطور كبير في جمالية الخطوط المستخدمة. كما نلاحظ تطور في قدرة صانع الخطوط الطباعية العربية في تطويع الخطوط التقليدية كخط النستعليق في هذا المثال في المجال الطباعي.

mushafamiri
وفي العقود الأولى من القرن العشرين قام الخطاط محمد بك جعفر بوضع القاعدة النسخية للمطبعة في بداية القرن العشري ثم تم طبع مصحف الملك فؤاد في منتصف القرن العشرين تقريباً وكان أول مصحف أصيل مطبوع بالحروف المعدنية المنفصلة (moveable type). ويسمى الخط الذي وضعه محمد بك جعفر بالخط الأميري الذي كان غاية في الجمال. وتم تقليده من قبل الشركات العالمية حينما بدأت بانتاج المطابع لتسويقها في الدول التي تستخدم الخط العربي.

amiri-diacritics
وفي الوقت الذي كان يؤاخذ البعض طريقة وضع الحركات في الخط الأميري في صفين أعلى سطر الحروف وأسفلها وابتعادها عن الحروف، والذي هو حل مبتكر لمشكلة صف الحركات في رأيي، فإن هذه المعالجة تضفي على الخط نوع من التنسيق والتوازن.

lotus
وفي مطلع القرن العشرين أصبحت إهتمت الشركات من أمثال لاينوتايب ومونوتايب وإنترتايب بسوق الطباعة العربية وحاولوا تعديل إجهزتهم لتستوعب الخط العربي من حيث خصائص الحروف والحركات. ويبدو أن الشركات المذكورة إعتمدت في هذا الشأن على فنييها الغربيين المختصين بالخطوط العربية فقط ولم تستثمر أبداً في القدرات المحلية من خطاطين ولغويين وباحثين من أهل اللغة نفسها.

linotypesample-small
شريط مصبوب من سبيكة معدن اللاينوتايب لطباعة سطر باللغة العربية.

amiri
أتاحت الثورة الرقمية إمكانية صناعة الخطوط الطباعية وخطوط الحواسيب خارج إمبراطوريات الشركات الكبيرة التي كانت تحتكر الصناعة لفترة طويلة. وكانت مبادرة المصري خالد حسني في سنة 2010 لاسترجاع جمال هذا الخط هو ترقيم الخط الأميري والذي جعله متاح للجميع عبر المشاع العمومي. وتبعاً لذلك أصبح هذا الخط شائع الإستخدام على الكثير من المواقع العربية على الإنترنت كما أن عمل الدكتور خالد حسني قد تم تضمينه في خطوط جوجل.

وأريد أن أختم مجموعة الخطوط الطباعية التقليدية بخط الرسم العثماني الذي نشره مجمع الملك فهد لطباعة القرآن الكريم على موقعه وهو من عمل المصمم الباكستاني أشفاق نيازي. والخط جميل ويخدم غرضه الوظيفي لتمثيل النص القرآني بالرسم العثماني. وصنعته المتقنة تكمن أولاً في إمكانيات السيد أشفاق نيازي المتقدمة في صناعة الخطوط العربية وفي إشراف الخطاط السوري المشهور عثمان طه. والصورة تمثل تطبيق مصحف الإنترنت الذي قمت بصناعته بفضل من الله العزيز الكريم.

yakout
ولنعد الآن 60 سنة الى وراء الشكل السابق. فمع إزدهار الصحافة اللبنانية في الخمسينات من القرن الماضي برزت الحاجة الى خطوط مبسطة تسرع من عملية التنضيد على مكائن اللاينوتايب. وبذلك قامت جريدة الحياة اللبنانية بدعم المصمم اللبناني نبيه جارودي (نبيه وليس نجيب كما تشير الصورة) لتطوير ما يعرف بالخط العربي المبسط الذي يعتمد طريقة الآلة الكاتبة في إختصار الأشكال المطلوبة لطباعة الخط العربي الى محرفين بدل المحارف العديدة. وأعطي الخط إسم خط ياقوت تيمناً بالخطاط العربي ياقوت الحموي على ما يقال إلا أني شخصياً قد وجدت ذكر إسم خط ياقوت في كتب إبراهيم متفرقة ومنذ القرن الثامن عشر.

ومن المحاولات العربية الأصيلة التي تذكر في مجال الإستجابة الى تنامي أهمية الحواسيب قام السيد أحمد لخصر غزال بابتكار خط يناسب طابعات الحواسيب في الستينات من القرن الماضي. وفي الحقيقة فإن هذا الخط لم يقدر له الإنتشار وخاصة في مجال الحواسيب لسرعة تبدل التكنولوجيا ولمحدودية ملائمته الوظيفية. والخط مميز بطابعه الآلي الحديث وقد قامت شركة لاينوتايب بترقيمه وهو اليوم معتمد كخط يميز بعض الشركات التجارية كشركة الإتصالات زين كما قامت قناة الحرة الأمريكية بتطوير خط مشتق من خط أي أس في كودار الذي صممه أحمد لخضر غزال.

ومع شيوع استخدام الحاسوب الشخصي آبل ماكنتوش وطابعة الليزر رايتر إزدهرت برامجيات النشر المكتبي. وكانت البرامج التي استهدفت السوق العربية تتضمن خطوط جديدة منها خط منى الذي نافس خط ياقوت الذي أصبح قديماً يومها لكثرة إستخدامه. وخط منى الذي كان مضمناً في برنامج الناشر المكتبي من شركة ديوان هو من نفس فئة خط ياقوت من حيث إعتماده على مبدأ إختصار أشكال الحروف. وقد شاع إستخدام هذا الخط في المطبوعات الخليجية التي أخذت بالإزدهار بعد أفول الصناعة في بيروت وبتأثير التطورات السياسية على الساحة اللبنانية.

ويرينا هذا الشكل مقارنة بين الخطوط الطباعية التقليدية والخطوط الطباعية الأحدث نسبياً والتي اعتمدت مبدأ إختصار أشكال المحارف. والمقارنة هنا تحديداً بين خط منى على اليمين والخط الأميري على اليسار. ونرى أن الخط الحديث يتميز باستقرار أكبر على السطر ودرجة أكبر من الوضوح نابعة من إتساع حدقات الحروف. وهذه الخاصة الأخيرة وليدة الحاجة الى جعل الحروف أكثر وضوحاً في الأحجام الصغيرة للخط وخاصة في حالة الكتابة على الشاشة.

قامت شركة مايكروسوفت بتسويق خط عربي بإسم Arabic Transparent مع نظام التشغيل ويندوز 2000. وصار هذا الخط ضمن خط Arial فيما بعد. وبالرغم من فائدته في تحرير النصوص العربية لأغراض الإستخدام المكتبي إلا أن الخط له عيوب تصميمية لا تجعله يصلح للوظائف التي تتطلب مستوى طباعي عالي وكذلك ضعفه في الدعاية على الشاشة. ومع ذلك وجد هذا الخط طريقه الى هذه الوظائف لمجرد أنه الخط العربي المتوفر على الحواسيب التي كانت تدير الشاشات الإعلانية والإنظمة الطباعية الملحقة. ويصعب معرفة أصل هذا الخط لأن صانعيه يريدون أن لا يقولوا أنه سرق من مصدر آخر.

قام مراد بطرس بعمل خطوط ناجحة لشركة Letraset في الثمانينات منها خط نسيم الذي تبرأ منه ولا يذكره في ملف أعماله. وقد تسنت له فرصة لتصميم مجموعة من الخطوط الناجحة الأخرى تم تضمينها مع برامج النشر المكتبي ومنها خط GE SS الذي كان بمثابة الحل الوحيد لمصممي الإعلانات لمظهر هذا الخط الحديث. وأهمية هذا الخط بالنسبة لي هو جوابه على من يقول بضرورة إبقاء الخطوط العربية في نطاق الإنماط التقليدية التي تستلهم خطوط النسخ والثلث والرقعة وغيرها من الخطوط التاريخية. فنجاح هذا الخط دليل على الحاجة الى خطوط وظيفية تلائم الإحتياجات التصميمية المعاصرة.

وقد ظهرت الكثير من الخطوط التي تعتمد على مبدأ الخطوط العربية المختصرة أو البسيطة والتي تحاول أن تؤدي وظائف تصميميه معينة. ويبرز منها القليل الذي يستحق الإشارة إليه. ومن الخطوط الناجحة في رأيي هو خط جميل بوستان الذي يخلط بين الخط المغربي والخط السنبلي.

ختاماً نسأل الله لنا ولكم الخير والتوفيق في مطلع هذا العام الهجري الجديد وكل عام وأنتم بخير وصحة وسلامة.