خط جنين

لربما لا أكون المصمم الوحيد الذي يشعر بحاجة الى المزيد من الخطوط العربية الحديثة. فلقد قرأت منذ فترة مقالة على إحدى المواقع تشكو فيها إحدى المصممات (باللغة الإنجليزية!) قلة البدائل وكيف أنها وجدت خلاصها في خط GE SS Two. وبالفعل تجد اليوم أكثر تصاميم الجرافيك العربية الحديثة تستخدم هذا الخط من تصميم مراد بطرس والذي أصبح جزءاً أساسياً في صندوق أدوات الكثير من مصممي الإعلانات والدعاية العربية.

ولأجل زيادة خياراتي وزيادة البدائل التي يمكن لمصمم الجرافيك العربي أن يجدها قمت بتنفيذ فكرة كانت تروادني منذ فترة طويلة. فقمت بإتمام تصميم وتنفيذ خط جنين الذي نفذته الذي يمثل واحداً من عدة خطوط أتمنى على الله أن يوفقني لإنجازها في الفترة القادمة.

ولادة الفكرة

لافتة صغيرة عالية مثبتة على عمود في إحدى شوارع بغداد لفتت نظري ذات يوم قبل ما يقارب الخمسة وعشرين سنة. وكان مكتوباً عليها بخط مبتكر كلمة “جنين” وهو إسم لمستشفى ولادة كان في المنطقة. ولربما كانت هذه اللمحة الخاطفة الأولى كافية لإطلاق عصارات أفكاري حيث خطر لي حينها أن هذا الخط يمكن أن يمثل الأساس لخط طباعي حديث. وحيث أن الافتة قد تم تنفيذها بكل تأكيد بيد خطاط أو رسام أو مصمم لأنه حينذاك لم تكن تكنولجيا الطباعة الرقمية قد استخدمت في صناعة اللافتات فقد بدا من المناسب جداً أن أقوم بتحويل الفكرة الى خط طباعي متى سنحت لي الفرصة.

الخط كما رسمه على اللافته مصمم مجهول بحروف مقطعة وغير متصلة.

وكما تعرفون جيداً فإن الأفكار وحدها لا تكفي لإنجاز شئ ما. فلا بد من سعي وجد لنقل الفكرة الى الواقع الملموس. كما حالت شواغل كثيرة بيني وبين أن أقوم بتنفيذ الفكرة في ذلك الوقت. لذا بقيت الفكرة تداعبني بين الحين والآخر، فإذا انبثقت من بين أمواج الأفكار وكان عندي القلم والورق أقوم بتخطيطات سريعة في محاولة لإيجاد الحل المناسب لتطبيق الفكرة على بعض الحروف.

لا أحصي عدد الدفاتر التي ملأتها بتخطيطات الأفكار التي أحلم بتنفيذها ومنها كان خط جنين الذي نحن بصدده.

صياغة الجوهر

وحينما لم يخفت بريق معدن الفكرة، كان عليّ تطويع الجوهر المتمثل بمزاوجة النبرات الجريئة في حرفي النون والياء مع الإنحناءات الهائلة في حرفي الجيم والنون. كما أن تجريد الحروف ذات النبرة (وهي حروف الكرسي: الباء تاء ثاء نون ياء والهمزة على الكرسي في الوضع الاولي والوسطي) بشكل خط عمودي منفصل يصعب تطبيقه على عموم الحروف إذا كان المطلوب هو المقروئية المناسبة والتي هي في الحقيقة الأساس في تصميم الخطوط. وظهرت المشكلة تحديداً في نقاط حروف الياء والتاء والثاء لعرض هذة النقاط التي تستوجب مسافة أفقية أكبر لهذه الحروف وبالتالي تباين في المسافة بين النبرات عند تشكيل حروف الكرسي بشكل متتابع. فأما الياء والتاء فكان الحل سهلاً في تكديس النقطتين الواحدة فوق الأخرى. وأما الثاء فكان لا بد من إعطاء جسم الحرف مسافة أكبر لاستيعاب حمل النقاط الثقيل. وفيما عدا هذا وتدويرة تعريقة القاف كان تطويع الفكرة على عموم الحروف ميسوراً.

البناء على ما سبق

ولم أكن أتوقع أن أنجز التصميم بالسرعة التي إنجزته بها. وكان أغلب الجهد في جانب تصميم الحروف. أما البرمجة فقد سارت بسلاسة غير متوقعة حيث اعتمدت على برمجة خط بانية الذي صنعته في بداية العام الماضي ضمن سلسلة تسجيلات تعليمية حول صناعة الخطوط الرقمية العربية. وحيث أني احتفظت بالمحارف الأربعة للمجموعة الحروف العربية في خط بانية بالرغم من عدم الحاجة إليها وتضمين ذلك في برمجة الخط فقد جاء ذلك كاستثمار مناسب حينما دعت الحاجة الفعلية الى هذه المحارف الأربعة في خط جنين والذي كان لا بد من تصميم الحروف الوسطية والمتصلة بشكل متميز للحروف ذات الإنحناءة الكبيرة في مقدمتها وذلك لتمكين الإتصال بين المحارف.

لا يضيع استثمار الوقت في تصميم الخطوط الرقمية حيث يمكن إعادة استخدام برمجة الأوبنتايب لخط معين في خط آخر.
المقارنة بين جيم خط جنين (على اليمين) مع نظيرتها في خط بانية ترينا سبب الحاجة الى تصميم المحارف الوسطية والنهائية بإضافة خط الإتصال في أسفل يمين تصميم المحرف لتمكين الإتصال بين المحارف. وحيث أن محارف خط بانية لم تكن بحاجة الى هذه الوصلة فكان من الممكن أن نستغني عن تصميم المحارف الوسطية والنهائية حيث تكفي المحارف الأولية والمنفصلة في أداء الإتصال الواجب.

ما بين القديم والجديد

ولعلكم لاحظتم تركيزي على كلمة “الحديث” في الترويج للخط الجديد. وهذا أولاً بسبب الموضوع الذي استفتحنا به هذه المقالة وهو شحة أدوات التعبير لمصممي الجرافيك العربي. ثم هناك الأسطورة التي يروج لها أكثر متخصصي التصميم الطباعي العربي من الأجانب وهي أن الخط العربي الذي لا يتطابق مع قواعد الخط العربي الكلاسيكي فهو مسخ من عمل الغرب كما يدّعون، وهذا وهم كبير.

خط جنين مناسب بشكل خاص للإستخدامات الصناعية والإعلانية.

فكما تمضي الحياة بجديدها كذلك تمضي اللغة العربية والكتابة العربية. ونحن اليوم نتكلم بطريقة حديثة هي وليدة تفاعلنا مع مستجدات الحياة. ولا تشبه عربيتنا اليوم العربية التي كتبت بها أيام ظهور خط النسخ والثلث والكوفي أول ما ظهرت هذه الخطوط. وهذا التطور في اللغة والثقافة يستلزم معه وسائل تعبيرية تناسبه وأهم هذه الوسائل هي خطوط كتابية حديثة.

وهذا بالتأكيد لا يمثل ثورة على الموروث الثقافي العزيز. فالحديث والقديم عندي غير متضادين وإنما هما امتداد واحد ونمو عضوي طبيعي. والذي يدرس تطور الخط العربي يجد أنه قد تجدد بشكل عجيب عبر مراحل تطوره من الخط المكي ثم المدني ثم البصري ثم الكوفي ثم النسخ والثلث ثم الفارسي والديواني والرقعة. سلسلة تطور عظيمة ترينا مرونة هذا الخط كما ترينا قدرات أصحاب هذا الخط على التجديد والإبداع والتطور مع ما يتطلبه التطور في الحياة.

وبالتالي فإن إنتاج خطوط حديثة تضاف الى الخطوط التقليدية الأصيلة تزيد من قدراتنا التعبيرية حيث ستكون في متناولنا موارد عديدة ومتنوعة نختار منها ما يناسب وظائف الحياة. فليس كل إنتاجنا الثقافي يتعلق بالتاريخ والموروث. وحياتنا اليوم تزخر بأنشطة ذات تنوع واسع فيها الرياضة والفن والتكنولوجيا والصناعة والإنتاج والتجارة والتسويق والإعلان وكم هائل آخرلا يقوى كهل مثلي على إحصائها. وكل هذه المجالات لها متطلباتها الخاصة فيما يتعلق بالجانب اللغوي والتعبيري وبما يخدم جانب الإتصال البصري في هذه المجالات. وهذا بالنسبة لي يمثل فرصة كبيرة من حيث الإحتياج الغير ملبى وبالتالي الفرصة لتقديم ما يمكن تقديمه له.

وللحصول على الخط عليك زيارة هذا الموقع.

وآخر دعوانا أن الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

8 آراء حول “خط جنين

  1. انعدام، أو لنقل الندرة الشديدة، لأمثالك من العمليين المولعين بمجالات عملهم والعارفين بصنعتهم الذين حصّلوا معرفتهم من مصادر سليمة وأسسوها تأسيسا راسخا مع الاستعداد لإتاحتها إتاحًة تنويريةً خالصة (لا للاستعراض والتشدق كمعظم شواذ المعرفة والمنفوخين بوهم حيازتها) بأساليب رصينة منهجية وبلغة سليمة لا تثير حنق المحبين للبيان ولا تلبس المعاني ببعضها ولا تنتج تشوها في الدلالات ولا تؤدي بطالب المعرفة إلى النفور.. ذلك هو سبب انعدام قدرتنا كعرب على تجاوز الحفرة التي نقضي فيها حياتنا جيلا بعد جيل.
    شكرا جزيلا لك، وأدام الله لنا علمك وبارك لنا فيك وأمثالك.

    1. جزاك الله خيراً أخي ضياء على ما كتبت من كلام جميل ينم عن أصل طيب وأخلاق كريمة. أتمنى على الله أن أكون عند حسن الظن دائماً. وكلامك هذا يشجعني لعمل المزيد ويجعل التعب في إنتاجها مجدياً حينما أجد من يقدر العمل. وبأمثالك أيضاً ترتفع الأمة إذ تتظافر النفوس الإيجابية على عمل الخير.

      أسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد.

      مع خالص محبتي تقديري واحترامي.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s