حروف الجيم

تحدثت عن الإتصال الطباعي والإتصال الخطاطي في آخر درس لي عن صناعة الخطوط العربية. وقلت أن الإتصال الخطاطي أساسي لخطوط مثل الرقعة ولكنها أقل أهمية بالنسبة لخطوط النسخ. وحيث أن خطوط النسخ هي الأكثر شيوعاً رأيت أن أضيف خلفية تاريخية حول موضوع إتصال الحروف مع مجموعة حروف الجيم حاء خاء والتي سنسميها حروف الجيم اصطلاحاً.

وسأحاول عرض الموضوع عبر سلسة من الصور مع تعليق أسفل كل صورة. ولربما يكون من المفيد أن نبدأ بالفيديو الذي نشرته قبل أسبوع تقريباً.

فيديو تعليمي حول الربط الخطاطي في الخطوط العربية

وقبل مدة شاهدت فيديو لباحثة إيطالية – بريطانية اسمها إيمانويلا كونيدي بعنوان “كشف الغطاء عن تاريخ الطباعة العربية لخدمة التصميم”. وتتناول فيه موضوع اتصال الحروف في الخط العربي وخاصة مجموعة حروف الجيم (وذلك في الوقت 29:20 من الفيديو). وتحاول أن توضح معالجة الطباعيين للإتصال الخطاطي الذي شرحته في درسي مع حروف هذه المجموعة. وتشير الباحثة الى ظاهرة وجود الإتصال الطباعي السطري في الأعمال الخطاطية المعاصرة بطريقة تختلف عن القاعدة التاريخية التي يكون فيها الإتصال من أعلى حروف الجيم. وتقول في النهاية أنه لا يمكن الآن معرفة إذا ما كان ذلك بسبب تأثير الحل الطباعي على الخط العربي أم هناك سوابق تاريخية لهذا النوع من الإتصال. كما تذكر الباحثة في محاضرتها هذه أن الخطاط العراقي وسام شوكت أعلمها بأنه لم ير هذا النوع من الإتصال إلا في خط الجلي الثلث والجلي ديواني ولم يره في خط النسخ  وأعطاها صور لنماذج الخط الذي يظهر فيه هذا النوع من الإتصال. إلا أنه بعد بحث قصير تبين لي تأثير الإنحياز الثقافي على محدودية معارف هؤلاء عن الخط العربي وثقافته. فقد فات وسام أن هذا الإتصال السطري في حروف الجيم موجود لربما في كل صفحة من صفحات الـ 300 مليون نسخة من نسخ مصحف المدينة المنورة المكتوب بخط النسخ بيد أمهر خطاطي المصحف الإستاذ عثمان طه.

نماذج خطاطية حصلت عليها الباحثة من وسام شوكت توضح فيها اتصال حروف الجيم المخالف للقاعدة المأثورة.
نموذج من مصحف المدينة المنورة بخط الأستاذ عثمان طه. طبع من هذا المصحف 300 مليون نسخة حتى عام 2019. وفي هذه الصفحتين 6 حالات نرى فيها الإتصال السطري لحروف الجيم. هل تستطيع إيجادها؟
نفس الصفحتين ولكن من مصحف تركي معاصر من مجموعتي الخاصة. كل اتصالات حروف الجيم تكون من الأعلى بحسب قواعد الخط العربي التقليدية وذلك لأن الخطاطين الأتراك بقوا على التقاليد الخطية العثمانية الى اليوم.
وكذلك نفس الصفحتين من مصحف قطر هذه المرة بخط عبيدة البنكي. ونرى أن البنكي أكثر إلتزاماً بالإتصال الخطاطي ولكنه يناور أحياناً باستعمال الإتصال السطري. هناك حالة واحدة للإتصال السطري في هذه الصفحتين من بين الحالات الستة التي أشرت إليها. حاول أن تجدها.
يبدو أن الإتصال السطري بدأ يتسلل الى كتب تعليم الخط. ففي الصورة نرى صفحة خط النسخ في كراس الخطاط المصري مهدي السيد محمود الذي صدر عام 1995. ونرى في عنوان النسخ الإتصال السطري. قارن هذا العنوان مع نفس العنوان في كراسة الأستاذ المرحوم هاشم البغدادي في الشكل التالي.
أول صفحة في باب خط النسخ في كراسة تعليم الخط لهاشم البغدادي وهذه الصورة من طبعة 1961. وكلمة النسخ في العنوان مكتوبة على وفق القواعد العثمانية التقليدية (والإشارة هنا الى الدولة العثمانية وليس الى الرسم العثماني الإملائي) التي يتبعها هاشم البغدادي.

تاريخياً

لنعود الى القرن الأول الهجري وهذه صورة من مصحف من تلك الفترة. وهذا المصحف مودع في مكتبة جامعة توبنجن في ألمانيا. ونرى في المثال كلمتين من الآية 44 من سورة الإسراء الأولى “يسبح” والثانية “تسبيحهم” وفي الحالتين نرى الأتصال بين الحروف التي تسبق الحاء ترتفع عن مستوى السطر لأنها تتصل بالطرف العلوي من الحاء. ولا يغرن القارئ عدم انتظام الخط الحجازي بصرياً حيث أن المتمعن في هذا الخط سيجد حرص الكاتب في تلك الفترة على الإلتزام بقواعد خطية ثابتة في رسم الحروف.
ومن القرن الثاني نموذج آخر حيث نرى على هذا الدينار الأموي الذي ضرب سنة 105هجرية أن الإتصال يكاد يكون سطرياً كما هو في اتصال الميم مع الحاء في اسم رسول الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم. وأقول يكاد يكون سطرياً لأني ألحظ محاولة لرفع الميم قليلاً وهذا الرفع الطفيف ألاحظه على العديد من المخطوطات والنقوشات الورادة من القرنين الأول والثاني للهجرة.
هذه وثيقة من كتابات قرة بن شريك الوالي الأموي على مصر. لاحظ اتصال الحروف بحرف الجيم في كلمة “فعجل” في نهاية السطر الثاني في الصورة. والحروف قبل الإتصال ترتفع عن مستوى السطر بشكل واضح.
ونصل الى فترة الخط الكوفي في العصر العباسي ونرى في الكلمتين من سورة الإسراء أيضاً كيف ترتفع السين والباء لتتصل بالحاء قرب الطرف العلوي من الضربة النازلة. أما في كلمة “يسبح” فنرى أن حرف الحاء وما بعده تنزل عن مستوى السطر بعد الإتصال. إلا أن المبدأ واحد وهو تغير في مستوى الحروف في الكلمة عند وجود إتصال مع حروف الجيم.
الخط الكوفي المشرقي ظهر مع الورق في الخط العربي. وحروف الخط الكوفي المشرقي كلها على السطر عدا القليل من الحركات الخطاطية التجميلية كما في كلمة “فانتصر”. ولذلك فإن الإتصال الجيمي في هذا الخط كله سطري وترى ذلك في كلمة “ففتحنا” في نهاية السطر الثاني.
والخط المغربي شاهد مهم في تطور الخط العربي لاحتفاظه بمخزون جيني كبير من الخطوط العربية التاريخية. وعلى خلاف الخط المشرقي نرى أن الحروف التي تسبق حروف الجيم ترتفع لتتصل بالنقطة العليا من الحرف الجيمي في كل الحالات.
وهذا نموذج آخر للخط المغربي وسواء كان حرفاً واحداً أو أكثر فإن الحروف السابقة لحروف الجيم لا بد لها أن تتصل معها بمستوى أعلى من مستوى السطر.
وبانتقالنا إلى مرحلة الخط المنسوب – وفي الصورة مخطوطة لمطور الخط المنسوب الوزير ابن مقلة – نرى أن الإتصال العلوي لحروف الجيم تصبح القاعدة التي التزم بها الخطاطون حتى اليوم.
وانتقل الإتصال العلوي لحروف الجيم الى الطباعة حيث نرى في هذه الصورة المحاولة الأوروبية لتطوير خط طباعي عربي من القرن الرابع عشر. وبالرغم من عدم إلتزام الخط الطباعي العربي الأوروبي بشكل من أشكال الخطوط التقليدية العربية إلا أن الإلتزام بهذه القاعدة ظل راسخاً.
ومع انتشار الطباعة في أراضي الدولة العثمانية في القرن الثامن عشر أصبحت الخطوط الطباعية أكثر قرباً من الخطوط التقليدية. ونرى في هذا المثال نوعين من الخطوط: في الأعلى خط رقعة طباعي ونرى الإتصال العلوي مع حرف الحاء في كلمة “مستحسن” حيث ترتفع الحروف الثلاثة قبل الحاء لتتصل بها من الأعلى. وفي الجزء الأسفل خط طباعي نسخي يظهر فيه الإتصال العلوي لحروف الجيم بالإضافة الى الإتصال العلوي مع حرف الميم.
ويبدو أن الإتصال المتعدد المستويات شغل “المطبعجي” العثماني حيث ظهرت محاولات تبسيط الإتصال في تلك الفترة على يد المطبعجي والصحفي أبو ضيا توفيق كما يظهر من هذه الصفحة المأخوذة من مجلته بحسب ورقة الباحثين التركيين أوزلم أوزكال وأونور يازيجيكيل. واعتمد عدد من الصحف التركية هذه الطريقة المبسطة في الطباعة بعد ذلك.
وأصبح الإتصال السطري مع حروف الجيم هو الغالب الأعم. وفي هذه الصورة صفحة من المصحف الأميري الذي طبع أول مرة في القاهرة في بداية القرن العشرين بحروف معدنية منفصلة. ونرى فيها كل اتصالات الجيم على مستوى السطر. ولربما كان منشأ انتقال هذه الطريقة الى أيدي الخطاطين ناشئاً من تأثير الخطوط الطباعية بالفعل.

3 آراء حول “حروف الجيم

  1. السلام عليكم أستاذ خالد.
    شكرا على هذا البحث العميق، ولا يهمك ما تقوله هذه الباحثة أو غيرها خصوصا أذا كان بحثها عن طريق هذا المؤتمر الفاشل Atypi
    تحياتي

    1. شكراً عزيزي هشام على الملاحظة الجميلة. كلماتك اللطيفة تدل على أخلاقك الرفيعة التي طالما وجدتها عبر مراسلاتنا خلال السنين الماضية.

      واتفق معك 100 بالـ 100 حول مؤتمر الـ ATypI. ولا أستطيع التعبير بشكل كاف عن استيائي الشديد من هذا المؤتمر الذي يجد فيه بعض العنصريون منفذاً لبث خطاب الكراهية حينما يتعلق الموضوع بالخط العربي.

      أسأل الله لك التوفيق دائماً والمزيد من العطاء. وأحب أن أخبرك بأني أراجع دروسك المفيدة على اليوتيوب واستمتع بها كثيراً.

      مع خالص محبتي وتقديري.

  2. شكرا جزيلا أستاذ خالد العزيز، أستاذنا ومعلمنا القدير، هذا شهادة اعتز بها، و سعيد جدا بمتابعتك لفديواتي، وأنا أيضا استمتع ومتابع للمواضيع التي تطرحها في المدونة الجميلة منذ أن تأسست …مع خالص تحياتي

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s