ضربة الخط

ضربة الحظ

كان الحديث عن ضربة الخط في المقالة السابقة مقدمة للدخول في شرح الأداة الجديدة التي أقوم بتطويرها عبر تقنيات برمجة الإنترنت والتي أسأل الله أن يوفقني لإنجازها في الأشهر القليلة القادمة لتفرغي بعد التقاعد من عملي الإداري الذي مكثت فيه ما يقارب العقدين من الزمان. وكما ذكرت في المقالة السابقة أني تريثت في العمل على الأداة الجديدة لأجل زيادة معرفتي من خلال البحث باستخدام الموارد المتاحة على الإنترنت. وبتوفيق الله عثرت على معلومات كثيرة ومفيدة  تتعلق بالتوصيف الكمّي للخطوط في الحواسيب والتي سأحاول أن أنتقل إليها في هذه المقالة. ولذا فإن عنوان هذه الفقرة ليس خطأً مطبعياً وإنما كانت فعلاً ضربة حظ عن ضربة الخط بتوفيق الله.

وسأحاول أن أقدم بعض الجوانب التي تعلمتها عن ضربة الخط كمقدمة الى فكرة “التمثيل الكمي” لضربة الخط العربي عبر سلسلة من الأشكال التوضيحية كما دأبنا في المقالات السابقة:

strokedirectionvspressure
تلخيصاً للمقالة السابقة نستطيع القول بأنه فيما يتعلق بطرق إستحداث التباين في ثخن الخط، ربط الباحث جيريت نوردزي بين تباين ثخن الخط والمسار  في حالة القلم ذي السن العريض وبينه وبين الضغط في حالة قلم السن المستدق. وذكر بأن السن العريض هي الأداة المفضلة في الخطوط الأوروبية القديمة حتى جاء القلم ذو السن المعدني المرن والمستدق ليحدث نمطاً خطاطياً جديداً في عصور لاحقة.
typesofstrokes
ولو حاولنا تطبيق الفكرة التي ذكرها الباحث نوردزي والتي حاولت تلخيصها في المقالة السابقة نرى أن ما يخص الخط العربي هو فقط عامل التغير في إتجاه القلم (1 في الصورة) مع شئ من التغير في زاوية سن القلم (2 في الصورة). أما عامل الضغط على سن القلم فلم يكن مرتبط بتطور الخط العربي لا من قريب ولا من بعيد.
nibshapeonpath
ولربما يكون من المناسب أن نذكر بعض الخصائص الجمالية لإستخدام قلم الخط ذي السن العريض. ففي الشكل التوضيحي الذي تم رسمه ببرنامج الإليستريتور نرى في المثال أسفل الشكل الخط الناتج عن قلم ذي سن عريض ويبدو أن هذه النتيجة كانت مرغوبة ولذلك استخدم القلم ذو السن العريض (والذي كان غالباً ما يصنع من القصب) للكتابة في غالب الثقافات القديمة وكان هو المفضل في الخط العربي عبر مراحله التاريخية ولحد اليوم. وهذا بالرغم من أن بدايات قلم القصب كانت بالسن المستدق والذي يحدث الضربات التي تشبه ما في المثال الأول (مع شئ قليل من المبالغة في حجم السن) في أعلى الصورة. والفرق الجمالي بين المثالين واضح.
pendirection-arabic
وقد تم تطوير الأداء الجمالي لضربة الخط في الخط العربي عبر المراحل التاريخية ليبلغ مرتبة عالية تروق لعين الأعجمي قدر ما تروق لعين العربي. ونرى في الصورة التي تمثل نموذجاً من خط الثلث العثماني أن التباين في ثخن الخط يتحقق تبعاً لمسار القلم مع شئ من التباين الناتج من التغير في زاوية سن القلم عبر مسار الضربة. وتساعدنا شفافية الحبر في هذا المثال في تعقب التغير في زاوية سن القلم وذلك من أثر الخطوط المستعرضة لضربات الخط في هذا المثال.
penchangedirection
إن تغيير زاوية سن القلم أثناء عمل الضربة مهم في الخط العربي وهو الذي يضفي على الخط العربي شخصيته المتميزة. ولربما كان تغير زاوية سن القلم في خط النستعليق أكثر أهمية مما هو في الخطوط العربية الأخرى لتحقيق الفرق الواضح في ثخن الخط عبر مسار لا يتغير إتجاهه كثيراً كما في الإمتداد الأفقي في هذا المثال. ونرى عند الموضع المؤشر بالأسهم المزدوجة البيضاء أثر تدوير سن القلم من خلال فرك القلم حيث نستطيع ملاحظة التدرج في تغيير زاوية سن القلم لتحقيق الزيادة في ثخن الخط في تلك النقطة من ضربة الخط.

دروس الخط للحواسيب

وننتقل الآن الى الجزء الثاني من مقالة هذا اليوم وهو ما يتعلق بما سميّته بالوصف الكمّي لضربة الخط العربي. وقد تعرفت خلال بحثي على عمل عالم الرياضيات والحواسيب الأمريكي دونالد كانوث (Donald Knuth) الذي عمل على “تعليم الحواسيب كيفية الكتابة” حسب قوله. وقد كان مهتماً في منتصف السبعينات بتصميم الخطوط وكتابة برامج الحاسوب التي يمكن من خلالها عمل التصميم الطباعي وإنتاج المطبوعات بمستوى جمالي مقبول. فقام باختراع شئ إسمه الميتافونت (Metafont) لوصف الخطوط الطباعية للحواسيب على أساس المعادلات الرياضية المضمنة في الشفرة البرمجية وكما في المثال التالي:


mode_setup;

% parameters are name, width, height over base line,

% depth below base line
beginchar ("a", 9pt#, 12pt#, 0);
alpha:=0.65;
beta:=0.24;

% define points
x1 = 0; y1 = 0.8*h;
x4 = w; y4 = 0.2*h;
y2 = h; y3 = 0;
x2 = (alpha-beta)*w;
x5 = alpha*w;
x3 = (alpha+beta)*w;
y5 = 0.5*h;
x6 = 0; y6 = 0.3*h;
x7 = 0.2*w; y7 = 0;
x8 = x5; y8 = 0.2*h;

% define pen
pickup pencircle xscaled 0.2w yscaled 0.04w rotated 30;

% draw
draw z1{dir 30}..z2{right}..z5{down}..z3{right}..z4{dir 30};
draw z5..z6{down}..z7{right}..z8;
penlabels(1,2,3,4,5,6,7,8);
endchar;

end</pre>

والشفرة المصدرية (البرمجية) في أعلاه تنتج الحرف الأول على اليمين في الشكل التالي:

metafont
تعتمد طريقة دونالد كانوث على لغة برمجة لتعريف أشكال الحروف. وفي الشكل نرى مقارنة بين حرفين تم تكوينهما عبر الشيفرة البرمجية. ونلاحظ في الحرف الأول على اليمين أنه يمثل الشكل الناتج عن تحرك قلم بسن عريض بينما يمثل الحرف الثاني على اليسار طريقة التغير في ضغط سن القلم على التباين في ثخن الضربة المكونة لشكل الحرف. وعمل دونالد كانوث يعكس ذات الأساس الذي حدده جيريت نوردزي لضربات الخط المكونة للحروف. ومن المهم أن نذكر بأن هذه الطريقة تناسب العلماء الذين يتندرون بينهم بالمعادلات الرياضية ولا تنفع البشر العاديين أمثالنا.

وقد تزامن عمله مع عمل المخترع الألماني بيتر كارو (Peter Karow) الذي كان يطور طريقة أخرى لخطوط الحواسيب والتي تعتمد على وصف الحدود الخارجية للحرف والتي أصبحت الأساس لخطوط الحواسيب الحديثة للسهولة والمرونة التي توفرها هذا الطريقة بالمقارنة مع طريقة الوصف الرياضي للباحث دونالد كانوث ولكن مع خسارة جوانب مهمة سنقوم بالتعرف عليها عبر سلسلة الأشكال التالية.

Ikarus_Outline_Description
يمثل هذا الشكل طريقة وصف أشكال الحروف بواسطة الخطوط المتصلة والمغلقة (مغلق بمعنى إتصال أول الخط بآخره كما في العقد المغلق). ويمكن وضع الأشكال المغلقة الواحدة بداخل الأخرى لتمثيل عيون الحروف كما في حرفي الـ a والـ b في الصورة. ويتم تمثيل هذه الخطوط بالأرقام في الفراغ الإحداثي وبالتالي هي تعتبر من رسوم الفيكتور (Vector) والتي يمكن تكبيرها وتصغيرها دون تشوه الشكل. وطريقة بيتر كارو التي سماها إيكاروس (Ikarus) هي التي أدت الى البوستسكريبت والأوبنتايب. وبالرغم من مزيايها التصميمية إلا أنها لا تعدو أن تكون صورة للحرف ولا تختزن المعلومات التي تمكّن الحواسيب إنتاج هذه الحروف ذاتياً دون إنتاج الصورة المخزونة والمعرفة بحافاتها.
postscript
أطلقت شركة أدوبي لغة البوستسكريبت (Postscript) في عام 1985 وتزامن الإطلاق مع شيوع الحواسيب الشخصية وتطور الطابعات الليزرية. وتم إستخدام البوستسكريبت لتمثيل الحروف الطباعية والذي أعقبه بعد فترة قليلة نظام التروتايب. والنظامان يقومان بوصف أشكال الحروف بواسطة الخطوط والمنحنيات والنقاط الإحداثية لتمثيل حافات الحروف الخارجية كما هو الحال في نظام الإيكاروس السابق لها. وبالتالي هي الأخرى تمثل صورة الحرف دون الأخذ بنظر الإعتبار الطريقة التي يتم تكوين بها شكل الحرف. والمقصد هنا يتعلق بأساس أو تاريخ تطور شكل الحرف الذي ثبت بحكم ما يسموه في علم الحديث الشريف بالتواتر – إن جاز لنا الإقتباس -. وتاريخ تطور شكل الحرف مرتبط بالأداة التي تم تشكيل الحروف بواسطتها والذي يهمنا منها هو القلم (أو تحديداً سن القلم).
fontlab
وآلت طرق تعريف الخطوط الطباعية الى مواصفات الأوبنتايب التي تبنتها أكثر شركات الحواسيب والبرمجيات. وساعد نشر موصفات الأوبنتايب في خلق صناعة جديدة مجالها برمجيات صناعة الخطوط الرقمية مثل فونتلاب وربوفونت وجليفس. ومع تزامن توافر المعرفة المجاينة عبر الإنترنت وبنوعية مقبولة أصبحت إمكانية مشاركة قطاع واسع من المهتمين في هذه الصناعة التي كانت قبل ثورة المعلوماتية حكراً على الشركات الصناعية والأكاديميات البحثية المتخصصة.
robofontnibsimulator
وبالرغم من أن الأساس في تكنولوجيا الخطوط الرقمية الشائعة هو تعريف أشكال الحروف عن طريق حافاتها الخارجية إلا أن بعض أدوات تصنيع الخطوط الرقمية كبرنامج ربوفونت قامت بتوفير إمكانية بناء أشكال الحروف بموجب الأساس الخطاطي. وفي الصورة نرى إمكانية تشكيل الحرف من خلال ما يشبه إستخدام القلم من حيث مسار الخط وزاوية وعرض سن القلم. والخط المحوري الموازي لإتجاه ضربات الخط في الصورة يمثل مسار القلم في حين أن الخطوط القصيرة المستعرضة على المسار تمثل طبعة سن القلم وتبين الزاوية والعرض الثابتين عبر المسار.
letterinkapp
وترينا هذه الصورة تطبيق إضافي على برنامج صناعة الحروف الرقمية جليفس (Glyphs) يسمى ليترنك (Letterink). وهو أيضاً يوفر إمكانية محاكاة تأثير قلم الخط ذي السن العريض ولكن على خلاف الأدوات الذي ذكرناها في أعلاه يمكن هنا تعديل نقاط التحكم في زاوية وعرض القلم بشكل مباشر ورؤية تأثير التعديلات على شكل الحرف بشكل مباشر.
khatnaskh
ولا يزال المجال مفتوحاً لتمثيل ضربات خط القلم العربي في تكوين أشكال المحارف. ولعلي لم أطّلع على محاولة في هذا المجال باستثناء محاولة توماس ميلو في برنامج تصميم. ومع أنه لا يعتمد على مبدأ المعايير القابلة للتعديل – كما هو الحال في الأمثلة التي ذكرناها هنا – إلا أنه يحاول بناء شكل الحرف الواحد برسم ضربات الخط التي تشكل الحرف ولربما يستخدم خاصية التجميع والتفكيك المقابلة لما هو موجود في مواصفات الأوبنتايب – التي لا يعتمدها – لتظهير الخط في برنامج الإنديزاين الذي هو البرنامج الوحيد الذي يدعم خطوط توماس ميلو. وبهذا فإن محارف خطوط برنامج تصميم لا تعدو أن تكون صورة الحرف ولا تحتوي معلومات لمحاكاة الأداة الخطاطية والأساس الخطاطي الذي طالما نادى توماس بضرورة إعتماده.

وختاماً أتمنى أن يكون هذا السرد المقارن بين طريقتين مهمتين في وصف الخطوط الرقمية قد شحذت إهتمامكم بالموضوع. وأتمنى أن أتمكن من عرض بعض الأمثلة عن الأداة التي أقوم بصناعتها لتمثيل الخط العربي. ومع أني لا أدعي أنها ستكون ذات فائدة في تكوين محارف الخطوط العربية الرقمية إلا أنني أتمنى أن تكون خطوة في تعليم الحواسيب أسس رسم الخط العربي.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

Advertisements

نظرية ضربة القلم في الخط

يتيح لنا الإنترنت تعلم الكثير مما كان يتستر عليه أصحاب الصنائع قبل ثورة المعلوماتية التي نرفل في كنفها هذه الأيام. ولقد راودتني أمنية تعلم الخط العربي على يد خطاط مرات عديدة قبل عصر اليوتيوب. أما اليوم فأستطيع متابعة عدد لا يحصى من دروس تعلم الخط وبكافة أشكاله من نسخ وثلث ورقعة وديواني ونستعليق وغير ذلك وحسب وقتي وسرعة تطور قدراتي في الخط دون ضغط من أحد أو نفاذ صبر المعلم بي وذلك كله من خلال الإنترنت وحده. وكل ما بقى لي للولوج في دروس الخط واستعمال العدد الكبير من الأقلام والأحبار والأدوات الأخرى التي ما أنفك أشتريها وأدخرها لهذا المشروع العظيم سوى إيجاد الوقت الذي أخصصه للخط من بين الأمور الكثيرة الأخرى التي أريد أن أتعلمها.


 

 مثال من الإنترنت لدرس لتعليم الخط. لاحظ طريقة إستخدام القلم حيث سيكون هذا موضوعنا في هذه المقالة

ولقد شاهدت بعضاً من تسجيلات دروس الخط على اليوتيوب. وكانت المفاجأة الكبيرة هو أساليب الخطاطين المختلفة في رسم الحروف العربية بهذا الشكل الجميل. والمفاجأة الأكبر كانت في الحقيقة من جانب البطء الشديد الذي ينفذ فيه الخطاط العربي عمله. فإن الديناميكية النشيطة المتمثلة بضربات خطوط الحروف العربية جعلتني أعتقد بأنها كانت ترسم بضربات سريعة وجزلة.

أما المفاجأة الثانية والتي لا تقل في زخمها عن الأولى جاءت بسبب طريقة إستخدام سن القلم الإنسي والوحشي – كما يسمونه – في رسم نهايات بعض الحروف وأجزائه كما هو الحال في إتمام الرأس المدبب أسفل شظية الألف أو ذيول الراء (كما فعل صاحب التسجيل في أعلاه). وقد كنت أظن من قبل ذلك أن الحرف كله يتم بضربة كاملة تستثمر خاصية سن القلم العريض في عمل ضربات الخط الجميلة.

وأريد أن أضيف الى ما سبق تكتم الخطاطين على سر فرك القلم في بعض المواضع لضبط زاوية السن أثناء سحب القلم. فباستثناء بعض كراريس خط النستعليق وكراسة خط النسخ لمحمد إمزيل – جزاه الله خيراً – لا تجد الكثير ممن يرغب في أن يشاركك هذا السر الخطاطي الذي يميز الخطاط الماهر عن غيره.

imzilpenangle
مثال من كراسة “أسرار الرسم في خط النسخ” لمحمد إمزيل وهو يوضح كيف يتم فرك القلم في اليد أثناء عمل ضربة الخط لتغيير سمكه أو وزنه. ويمكن تحميل الكراس من الرابط الذي قام بتوفيره محمود طرادة.

وخلاصة ما أريد أن أصل إليه مما سبق هو أن من شروط ما هو مطلوب في إجادة الخط العربي هو ضبط طريقة ضربة القلم من ثلاث وجوه هي: (1) القدرة على بناء أجسام الحروف باستخدام سن القلم العريض، وهذا هو غالب ما تقوم به يد الخطاط أثناء العمل. (2) القدرة على تعديل زاوية سن القلم بفرك القلم ليتحقق الوزن الصحيح لمقطع الخط بحسب الموضع. (3) القدرة على إستخدام السن الإنسي والوحشي في رسم نهايات بعض الحروف وتحسين أشكال الحروف في مواضع معينة.

تطبيق خطاطي جديد

ولأسباب سنكشف عنها لاحقاً أقوم ببحث لإمكانية التمثيل الكمي لضربات الخط العربي وأحاول فيها تغطية الجوانب التي سردتها في الفقرة السابقة. ولأجل ذلك أحاول تطوير تطبيق على الإنترنيت لتجربة فكرتي في هذا المجال. والتطبيق يستثمر مبدأ منحنيات الـ Bezier لتحقيق الوجه الأول الذي ذكرته في أعلاه. وإضافتي المتواضعة هي تركيب معلومات كمية في عقد المنحنى لتمثيل زاوية القلم حيت يقوم التطبيق باحتساب تدرج زاوية القلم بين العقدتين اللتين تتضمنان المعلومات عن زاوية القلم. وهذا يلبي الوجه الثاني. أما الوجه ألاخير فتحقيقه بسيط بإذن الله من حيث إعطاء المستخدم إمكانية رسم الأشكال المغلقة أيضاً لتمثيل ما يمكن عمله بسن قلم الخط الإنسي والوحشي.

khattatapp
صورة لواجهة إستخدام التطبيق الجديد الذي أقوم بتطويره والذي يمكن من خلاله التمثيل الكمّي لضربات القلم في الخط العربي. لاحظوا الدائرة الزرقاء في أسفل يمين نموذج الخط. فهذه هي الأداة التي يمكن إضافة معلومات موضعية في النقطة المحددة عن عرض وزاوية سن القلم.

المبحث النظري

وقد لا أمتلك منهجية مسبقة التخطيط في مغامراتي البرمجية التي أعرضهاا على هذه المدونة. ومنطلقي في العموم هو محاولة تحقيق فكرة معينة في بالي لأجل غرض معين. وفي أغلب الحالات يكشف لي العمل على مشروع معين إمكانيات جديدة وهي في النهاية تمارين لتطوير قدراتي المعرفية في التصميم والبرمجة وفي نواحي أخرى.

وحينما بلغت نتائج المغامرة الأخيرة درجة من النضوج خطر لي أن أتحقق من صحة ما أقوم به بالمقارنة مع منهجية علمية محددة. وتذكرت أن المصمم الطباعي الهولندي جيريت نوردزي (Gerrit Noordzij) قد ألف كتاباً حول ضربة القلم. وبعد بحث قليل على ألإنترنت إستطعت الحصول على نسخة رقمية من الدراسة واحتفظت بها على حاسبتي اللوحية الصغيرة حيث قرأتها سريعاً بين الأوقات كلما تسنى لي. وقد راق لي الكتاب من جوانب معينة أحب أن أشارك قراء مدونتي بها. أما مقدار ما ساعدني الكتاب في تطوير التطبيق فلربما أقول: لا أدري. إلا أن الكتاب طمأنني بعض الشئ حيث وجدت أنه لا حرج من الطرح الجنوني للأفكار كما فعل السيد جيريت في كتابه.

bookcover
هذا هو غلاف كتاب جيريت نوردزي. ويبدو أن محور نظريته تدور حول التباين في وزن الخط وكيف أدى ذلك الى تكوين أشكال الحروف الكتابية وبالتالي الطباعية. ويعرض المؤلف وصاحب النظرية كتابه بحماس حيث ينفجر غاضباً في الصفحة 77 حينما يبدي إستياءه حول من يبدو أنه ينكر أهمية التباين في الخط وكما يقول في الأقتباس في أدناه.

“When even contrast is renounced as superfluous ornament, writing is altogether without orientation. Now the barbarians can have their say with their plans to improve the alphabet so it will be easier for children, computers and other illiterates. Whatever they say is completely true in advance because the criterion is annihilated: a line can be drawn in any direction through a point, just as an echo chamber confirms any piece of nonsense.”

وقد راق لي الكتاب من جوانب عديدة. فالباحث يقوم بعرض فكرته بتسلسل منطقي من فصل الى الفصل الذي يليه. وهو يستخدم الرسومات البسيطة ونماذج من الخط لنصوص يقتبسها من الإنجيل الكالفيني وباللغة اللاتينية والتي قام برسمها وخطها بنفسه. واللطيف الذي أعجني أيضاً هو أنه يذكر في نهاية الكتاب الأدوات التي قام باستعمالها في عمل الرسومات والخطوط التوضيحية. ولربما كان ربط الباحث لأنواع ضربة القلم بالتيار الفني والثقافي للعصور المتعاقبة التي تطور بها الخط اللاتيني هو أكثر نواحي البحث رقيّاً في نظري.

ولنتعرف على بعض أفكار الباحث حول ضربة الخط من خلال الرسوم التوضيحية التي ذكرتها:

anatomyofstroke
في بداية إستعراض أفكاره يوضح الباحث أن ضربة الخط في الأساس هي صورة لطبعة سن القلم على سطح الكتابة وما ينتج من سحب سن القلم عبر السطح. وتوضح الصورة مثالاً لما يحدثه قلم بسن مدورة وما ينتج من سحب هذا السن. ويقدم الباحث إصطلاحات كثيرة وبشكل سريع دون شرح مفصل عن مصطلحاته. والأهم من بين المصطلحات هو ما يشير الى عرض الخط الناتج بموازة مسار حركة سن القلم والذي يسميه (counterpoint) والمبين بالخط العمودي المائل والمؤشر عند طرفية بالمثلثات الصغيرة.
nibdimensions
ولكن الذي يهم الباحث (ويهمنا أيضاً) هو عرض سن القلم. وبالتالي فإنه يركز إهتمامه على هذه الناحية من سن القلم ويعتبر ثخن سن القلم (المؤشر بحرف b في الرسم) غير ذي قيمة. وهذا مناسب بالنسبة لنا حيث أن الخط العربي يأخذ طابعه من خاصية عرض القلم أيضاً.
contrastbypath
وباستخدام قل الخط الذي يكون عرض رأس القلم هو الفاعل الأساس في رسم الخط يمكن عمل الخطوط التي يتباين فيها ثخن الخط بحسب التغيير الذي يطرأ على إتجاه مسار القلم عند رسم الخط.. وكلما تعامد المسار مع زاوية القلم كان الخط المرسوم أكثر ثخناً. وعلى العكس حينما يكون مسار القلم بموازاة زاوية رأس القلم يستدق فيها الخط المرسوم. وحسب نظرية الباحث تمثل هذه الظاهرة الطريقة الأولى في إستحداث التباين في ثخن الخط. وهي بالمناسبة الطريقة الأساس في إعطاء الخط العربي شكله (وإن كان هذا خارج إهتمام وذكر الباحث بالمرة).
contrastbyangle
ثم يذكر الباحث الطريقة الثانية لعمل التباين في الخط وهو تغير زاوية رأس القلم عبر مسار الخط. وهو ما ذكرناه في معرض كلامنا عن أسرار الخط التي يغفل (أو يبخل) أساتذة الخط في ذكرها باستثناء الإستاذ محمد إمزيل. والتباين الحاصل من هذه الطريقة ينتج من التخصر في ثخن الخط بفرك القلم عند سحبه والذي عبر عنه الباحث بهذا الرسم التوضيحي.
contrastbypressure
وأخيراً الطريقة الثالثة في الحصول على التباين هو بزيادة ضغط القلم على سطح الرسم. وهذا لا يحدث أثراً ملحوضاً مع استخدام الأقلام ذات السن العريض وهو ما يحدث في الحقيقة مع الأقلام المعدنية ذات الرأس المرن المشقوق (كرؤوس أقلام الحبر التقليدية). ولربما لا تكون هذه الطريقة مهمة كثيراً بالنسبة للخط العربي، إلا أن الخطاطين يستخدمون تغيير الضغط مع إمالة القلم للحصول على الخطوط الدقيقة في بعض الضربات السريعة  وخاصة في خط النستعليق. ولو راجعت درس تعليم الخط في أول هذه التدوينة ستلاحظ كيف يقوم الخطاط بذلك خاصة في رسم حركات التشكيل.
modelforexpansion
هذا رسم بياني يوضح مبدأ علاقة ضغط القلم مع ثخن الخط المرسوم. فإنه مع زيادة الضغط (p) تزداد قيمة الـ(counterpoint) حسب المعادلة c=p.tan(phi) حيث يمثل (phi) معامل مرونة رأس القلم. وقد أعجبتني الفكرة بالرغم من بساطتها بل لربما بديهيتها حيث تمثل مرونة رأس القلم بأسلوب كمّي كما أحاول أنا في التطبيق الذي أقوم بتطويره. ولربما هناك عدم تجانس في أفكار الباحث، حيث أن الـ(counterpoint) هنا يمثل نصف ثخن الخط في الوقت الذي أشار الباحث في غير هذا الموضع الى أن الـ(counterpoint) يمثل كل ثخن الخط. وعلى هذا الأساس فإن المعادلة الصحيحة تكون: c = 2p * tan(phi)
interruptedconstruction
ويذكر الباحث فكرة لم تكن قد مرّت علي سابقاً وهي تتعلق بنوعي أسلوب توقيع ضربات القلم عند الكتابة بما يترك أثره على شكل الحرف. النوع الأول هو الضربات المتقطعة. وبالرجوع الى الرسم ترى أنه من أجل رسم شكل الحرف الذي في المثال عليك عمل الضربة العمودية الأولى التي على اليسار ثم رفع القلم (وبغض النظر عن مسألة شحن الرأس بالمداد) تقوم بالضربة الثانية التي على اليمين مبتدئاً من الأعلى ونحو الأسفل أيضاً.
returningconstruction
أما النوع الثاني من الضربات فيسمها الضربة المرتدة. وترى من المثال أن الخطاط لم يرفع القلم بعد رسم الضربة الأولى على اليسار بل رجع بالقلم على مسار الضربة الأولى بالإتجاه المعاكس ليكون الجزء الثاني من الحرف. وقد قام الباحث بتوضيح كيف أن الفرق بين الأسلوبين في رسم الحروف كان يتبع فترات تاريخية محددة في تاريخ الكتابة بالحرف اللاتيني. فالطريقة الأولى هي الطريقة القديمة أو الرومانية في حين أن الطريقة الثانية تزامنت مع ما يسمى بالـ(mannersim) وحسب قول الباحث.
constructioncomparison
ثم يقدم الباحث مقارنة بين تأثير الطريقتين على شكل الحرف وبالرغم من بساطة الفرق إلا أنه في النهاية يعطي تأثيرين فنيين متباينين.
speedeffectonreturningconstruction
كما يوضح الباحث تأثير سرعة الكتابة على شكل هيكل الحرف في الضربة المرتدة حينما تبتعد الضربة المرتدة عن الضربة الأولى والتي يعطي تأثير جريان الكتابة بشكل أسرع.
latinligature
ثم يأتي الباحث بفكرة مهمة أخرى وبشكل مفاجئ (على الأقل بالنسبة لي). حيث يعبر الباحث عن إستيائه من الأساليب التعليمية التي تركز على الشكل دون علاقته بالفراغ الذي من حوله. وحيث أن هذه النقطة هي من مبادئ التصميم ظننت أن هذا جل ما عنده من القول هنا. إلا أنه فجأة يشير الى أن هذا الفراغ مهم حيث أنه في النهاية أدى الى إكتشاف الثقافة الغربية الى طريقة تمثيل الكلمة بمفردها بزيادة الفراغ بين الحروف عند حدود الكلمة وكان ذلك على يد الكنيسة الأيرلندية في القرن الثامن الميلادي. وقد ذكر الباحث في معرض حديثه عن حدود الكلمة أن الحروف المرتبطة والتي كانت الحالة الثابتة في الكتابة العربية حتى قبل عمل الأيرلنديين هي الأخرى مما ساعد في “إختراع” طريقة تمثيل الكلمة المفردة. وهذا يدل على قلة دراية الباحث بالكتابة العربية حيث أنها بالرغم من خاصة الإتصال التي تناسب خط اليد إلا أن العربية أيضاً لم تكتب بتمييز الكلمات الواحدة عن الأخرى تماماً كما كان يفعل في كتابات الثقافات الأخرى.
scriptiocontinua
ويبني الباحث رأيه في تطور الكتابة (بعد أن يذكر أنه لا يؤمن بشئ إسمه تاريخ الكتابة) حيث يقول أن الكتابة مرت بثلاث منعطفات مهمة. (1) إختراع الحروف ويعزيه الى الساميين، (2) إختراع طريقة تمثيل الكلمة كما ذكرنا في الشكل السابق، (3) الطباعة. ولربما يشير أسلوب الباحث الى إستياؤه من طريقة الكتابة القديمة والتي لم يكن فيها فواصل بين الكلمات كما في الصورة. ويسمى هذا النوع من الكتابة عندهم (scriptio continua) والتي كانت تشمل الكتابة العربية أيضاً كما نوهنا عنه في معرض بحثنا في الخط الحجازي.
twodimensionalcontrastchange
وقبل أن يختتم الباحث موضوعه عن أهمية التباين في ثخن الخط لتكوين الأنماط الخطاطية يستخدم رسماً بيانياً آخر يوضح فيه التدرج في ثخن ضربة القلم في حالتين. الحالة الأولى حينما يتدرج التباين في كل من جزيئه المستدق والغليظ بالزيادة كما يوضح الرسم بالإنتقال عبر الشكل المجسم من الأعلى نحو الأسفل.
onedimensionalcontrastchange
وبخلاف الحالة الأولى يمكن لأحد طرفي التباين أن يتدرج كما يوضح هذا الشكل حيث يزيد الجزء المستدق من التباين في ثخنه بينما يبقى الجزء الغليظ على وزنه عبر عملية التغيير.
stroketheory
وبهذا يصل الى إستنتاجه النهائي حول طيف الأشكال الخطاطية التي يمكن الحصول عليها بتغيير طرفي التباين وكما يحاول توضيحه في هذا الشكل. ويبدو أن هذا هو المهم في كل بحثه حيث أن هذا الطيف هو الذي وقع عليه إختيار الباحث ليكون عنوان غلاف الكتاب الذي قام بكتابته عام 1985.

وقد استمتعت بطريقة الباحث في عرض أفكاره واستفدت من إستنتاجاته العامة. وأود أن أقوم بتطبيق ما ذكره عن ضربتي القلم المتقطعة والمرتدة وعلاقتها بالخط العربي عبر تطوره الزمني. هذا إن لم يسبقنى أحد منكم الى ذلك.

والحمد لله حمداً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى. فهو أهل الثناء والمجد وهذا أحق ما قاله العبد وكلنا لله عبد.

قلم الخط الحجازي

عرضنا في المقالة السابقة مخطوطة بالقلم الحجازي المائل ورأينا كيف أثبت فحص نظائر الكربون نسبة المخطوطة الى القرن الأول الهجري. وبالنظر لارتباط الخط الحجازي بكتابة المصاحف الأولى  يكتسب الخط الحجازي أهمية خاصة. وسأحاول أن أبين بعض الجوانب المتعلقة بالخط الحجازي عبر سلسلة من المقالات بتوفيق الله. وبالرغم من أن التسلسل المنطقي يفرض عرض الخصائص العامة للخط إلا أني سأبدأ بما هو أسهل نسبياً وذلك بالبحث في الأدوات والمواد التي استخدمت في صناعة مصاحف الخط الحجازي المائل حيث أعود الى خصائص الخط نفسه بعد أن تكتمل لديّ صورة أوضح عن تلك الخصائص. ولنبدأ بما أقسم الله جلّ جلاله به وهو القلم.

qalam

علّم بالقلم

من بين أدوات الكتابة التي تتضمن القلم والمداد وما يكتب عليه، كان القلم هو الأظهر في كتاب الله وذلك حينما أقسم الله به في سورة القلم إذ قال سبحانه: “نون والقلم وما يسطرون”. وقد كان الرب سبحانه قد أشار وأشاد بالقلم حينما قال جلّ جلاله من قبل في أول ما نزل من القرآن: “علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعمل”. ثم يظهر لنا القلم متصدراً في مشهد مهيب حينما يمجد الله قدرته سبحانه حين يقول: “ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم”.

ومن جهة حرفة الخط فلعل أهمية القلم تكمن في أنه الأداة الأهم التي تجسد قدرات الخطاط أو الكاتب وموهبته أمام الناظرين. إذ بواسطته يقوم الخطاط بتشكيل الحبر على سطح الكتابة بأنامله بضربات متتابعات ثابتات تجتمع وتتفرق في توازن وتناغم لتصور لنا أشكالاً كتابية من حروف وكلمات تروق لنا بشكلها قبل فحواها وتداعب حس الجمال الذي يملكه أغلب الناس منّا.

ولكتابة القرآن الكريم إستخدم المسلمون الأوائل قلم القصب الذي كان شائعاً ومعروفاً بين من يكتب من أهل الحجاز في مكة والمدينة المنورة. وشيوع قلم القصب في الحجاز تابع لشيوعه في المنطقة التي تشمل الجزيرة العربية واليمن والعراق والشام وحوض النيل وجنوب أوروبا ومنذ أزل بعيد.

scribes
إستخدم قلم القصب منذ العصر الفرعوني حيث ترينا الصورة تمثال الكاتب المصري القديم على اليمين واسمه كاي. وهو أيضاً قد إختطف لينتهي به المطاف الى متحف اللوفر ويبدو أنه لا يزال يصّر على الكتابة بالرغم من أنه فقد قلمه. وعلى شمال الصورة نرى كاتباً من الإمبراطورية المغولية الإسلامية في الهند وهذا يحتفظ بقلمه ويكتب بنهم.

ويتمتع قلم القصب بمواصفات جعلته يكتسب هذا الشيوع الواسع والقديم بجدارة. فقلم القصب أولاً زهيد الثمن وهو سهل الإستخدام والإدامة. ولربما كان بري القلم وتكوين السن هو المطلوب فقط لتحضير هذه المادة الخام للخط والكتابة وسرعان ما يكتسب الخطاط مهارة بري القلم والتي تنمو عنده مع مهارة تجويد الخط الحسن ذاتها. وشكل القلم الطبيعي يؤهله للحمل بين الأصابع وتوجيهه بمقدار عالي من السيطرة لرسم اشكال الحروف. كما أن مادة قلم القصب مناسبة لحمل المداد أو الحبر وفرشه على سطح الكتابة بسن القلم.

ويتم قطع القلم بمقدار الشبر من قصب البوص الذي ينمو بكثرة على شواطئ المسطحات المائية. وتدعي شيلا بلير في كتابها الخط الإسلامي بأن أفضل أنواع القصب ينمو في أهوار العراق والمستنقعات في مصر حيث تكون أليافها مستقيمة وصلابتها تقيها بلي السن. ويدرج أبو حيان التوحيدي الذي عاش أغلب عمره في القرن الرابع الهجري في “رسالة في علم الكتابة” أربعة خطوات لإعداد القلم للكتابة وهي الفتح والنحت والشق والقط.

qalampreparation
الخطوات الأربعة لتحضير قلم القصب للكتابة والخط

ويتم قط القلم بشفرة حادة لتكوين السن المناسبة للخط. ويملي نمط الخط وطرازه شكل سن القلم حيث يمكن تشكيل سن عريضة أو دقيقة للقلم. وكان أغلب خطاطي الأقوام المحيطة بالحجاز يشكلون أقلامهم بالسن العريض والذين من بينهم خطاطوا اللغات الإغريقية والرومانية والبهلوية والحبشية والعبرية، بينما تميزت اللغة السريانية المنتشرة حول الحجاز وخلاله باستخدام السن المدور كالذي يستخدم في الخط العربي المغربي الذي جاء لاحقاً. ومهما كانت حاجة الخطاط الى شكل السن المطلوب فإن قلم القصب أظهر مطاوعة واستجاب بسهولة الى طرق تشكيله بأشكال عديدة.

طرق قط قلم القصب تكون إما بالقط العريض دون شطف كما في الشكل 1 أو بالقط العريض مع الشطف كما في الشكل 2 أو بالقط المدور.
طرق قط قلم القصب تكون إما بالقط العريض دون شطف كما في الشكل 1 أو بالقط العريض مع الشطف كما في الشكل 2 أو بالقط المدور.

ولرسم الخط الحجازي قط المسلمون أقلامهم بالسن العريض المستوي ودون تحريفه أو شطف السن كما صار إليه القط لاحقاً والذي ظل نوع القط المفضل لدى الخطاطين الى يومنا هذا. وقد رسمت أغلب المصاحف الحجازية بسن تصل دقتها الى المليمتر الواحد. وقد كان هذا السن يوضع على سطح الكتابة بزاوية مائلة قليلة تتراوح بين 20 و 30 درجة. ونستطيع معرفة ذلك من بدايات ضربات القلم في الخط الحجازي وكذلك من الفرق بين ثخن مقاطع الحروف العمودية بالمقارنة مع المقاطع الأفقية وطبيعة تدرج الثخن في المقاطع المنحنية من الحروف. وتعد قطة قلم الخط الحجازي دقيقة بالمقارنة مع أقلام الخطوط اللاحقة وخاصة الخط الكوفي الذي نشأ مع أيام الخط الحجازي المتأخرة. وقد دعت الحاجة الى ضم نص القرآن الكريم كاملاً في مصحف مجلد واحد لاستخدام خط دقيق وبالتالي جاء سن القلم دقيقاً لتحقيق ذلك.

تعطينا هذه الصور المكبرة لصفحة من مصحف بالخط الحجازي مودع في جامعة توبينجن الألمانية دقة قط القلم الذي كتب به المصحف
تعطينا هذه الصور المكبرة لصفحة من مصحف بالخط الحجازي مودع في جامعة توبينجن الألمانية دقة قط القلم الذي كتب به المصحف

ويلاحظ الذي يستخدم قلماً بسن عريضة غير مشطوفة صعوبة في توجيه الخط من اليمين الى اليسار حيث يتطلب رسم الحروف العربية بهذا النوع من الأقلام مهارة خاصة. ونجد مع مرور الزمن في بدايات العصر الأموي تحول سن القلم العريض الى التحريف والميل تدريجياً حيث أن هذا الميل في سن القلم يسهل رسم الحرف من اليمين الى اليسار ومع تطور الخط العربي من الخط الحجازي الى الخط الكوفي أخذ هذا المنحى بالإنتشار.

وعند الكتابة يضع الخطاط الحجازي سن القلم على الرق بحيث يلامس سن القلم بكامل عرضه سطح الرق ثم يسحب الخطاط القلم إما عمودياً نحو الأسفل أو أفقياً نحو اليسار أو بمقاطع دائرية لرسم الحروف والكلمات بمقاطع خطية تمثل العرض الكامل لسن القلم ويكون ثخن هذه الخطوط بقدر عرض السن أو أقل وذلك حسب نسبة زاوية السن الى إتجاة الخط. وهذه الخطوط تمثل الشكل الرئيسي للحرف أو الكلمة حيث يقوم الخطاط بعدها بملئ زوايا الحرف أو أطرافه بالحبر مستخدماً زاوية السن الداخلية كما يقوم بصقل الحافات ووصل ما تقطع من الخط مستعيناً بزاوية سن القلم كذلك. وتطلعنا الآثار المتبقية من مصاحف الخط الحجازي المائل أن هذه الضربات التجميلية الأخيرة لم تكن تستخدم في كل الحالات حيث أن هناك مصاحف مكتوبة بضربات القلم الرئيسية دون تجميل لاحق. ولربما يعود ذلك الى نقص في قدرة الخطاط أو التقيد بتحقيق هدف التدوين المحض لنص القرآن الكريم.

qalamstroke
يتم رسم الحروف بقلم القصب عبر خطوتين. في الخطوة الأولى يتم تكوين شكل الحرف من خلال ضربات كامل سن القلم العريض الذي يلامس سطح الكتابة كما في الشكل 1(الخط الأحمر). وهذا يترك فراغات كما في الزاوية المؤشرة بالحرف أ في الشكل 2. ويقوم الخطاط بملئ هذه الفراغات بزاوية سن قلم القصب عند الدائرة المؤشرة باللون الأحمر.

وعلى كل حال فإن الضربات التجميلية تشير الى رغبة الكاتب في رفع المستوى الجمالي للكتابة وإنتاج ما هو أكبر وأسمى من التدوين المحض للنص. وهذا يؤسس مبدأ الخط الذي يتميز عن الكتابة الإعتيادية في تلك الفترة بهذه التفاصيل والتي تشمل تحديداً عمل الترويس في بدايات ونهايات ضربة القلم، وضبط تدوير المقاطع الدائرية في الحروف، وتثخين الضربات وملء الزوايا.

ويبلى سن قلم القصب بعد فترة من الكتابة مما يتطلب تجديده. ومن الصعب تحديد عدد القطات خلال كتابة نص طويل كما هو الحال عند تدوين المصحف. ولكن من المؤكد أن خطاط المصاحف كان يعيد بري السن مرات عديدة أثناء التدوين وبنفس جلسة الكتابة. وبهذا تتكامل مهارة بري القلم مع مهار الخط وتصبح أساسية مما يستوجب على الخطاط إجادته. وقد نقل أبو حيان التوحيدي عن إبن مقلة أنه قال: “القط هو الخط”. وترينا أعمال فيزال سوادي من سنعافورة أن مهارة بري القلم يمكن أن تنمو لتصبح فناً قائماً بذاته وفيما يلي مجموعة من الصور من موقعه حول فن القط بالإضافة الى تسجيل يصور جمال هذه المهارة.

fdk-141211-qalam-crafting-13-sr

fdk-141211-qalam-crafting-12-sr

fdk-141211-qalam-crafting-05-sr

fdk-141211-qalam-crafting-02-sr

وقد ظل قلم القصب ملازماً للخط العربي حتى يومنا هذا في الوقت الذي تخلى عنه خطاطو اللغات الأخرى الذي ذكرنا بعضاً منها. وهذا يعود من جانب الى طبيعة الخط العربي ومن جانب آخر الى القدرات والخصائص الذاتية لقلم القصب والتي حاولت توضيحها في هذه المقالة.