حروف الجيم

تحدثت عن الإتصال الطباعي والإتصال الخطاطي في آخر درس لي عن صناعة الخطوط العربية. وقلت أن الإتصال الخطاطي أساسي لخطوط مثل الرقعة ولكنها أقل أهمية بالنسبة لخطوط النسخ. وحيث أن خطوط النسخ هي الأكثر شيوعاً رأيت أن أضيف خلفية تاريخية حول موضوع إتصال الحروف مع مجموعة حروف الجيم حاء خاء والتي سنسميها حروف الجيم اصطلاحاً.

وسأحاول عرض الموضوع عبر سلسة من الصور مع تعليق أسفل كل صورة. ولربما يكون من المفيد أن نبدأ بالفيديو الذي نشرته قبل أسبوع تقريباً.

فيديو تعليمي حول الربط الخطاطي في الخطوط العربية

وقبل مدة شاهدت فيديو لباحثة إيطالية – بريطانية اسمها إيمانويلا كونيدي بعنوان “كشف الغطاء عن تاريخ الطباعة العربية لخدمة التصميم”. وتتناول فيه موضوع اتصال الحروف في الخط العربي وخاصة مجموعة حروف الجيم (وذلك في الوقت 29:20 من الفيديو). وتحاول أن توضح معالجة الطباعيين للإتصال الخطاطي الذي شرحته في درسي مع حروف هذه المجموعة. وتشير الباحثة الى ظاهرة وجود الإتصال الطباعي السطري في الأعمال الخطاطية المعاصرة بطريقة تختلف عن القاعدة التاريخية التي يكون فيها الإتصال من أعلى حروف الجيم. وتقول في النهاية أنه لا يمكن الآن معرفة إذا ما كان ذلك بسبب تأثير الحل الطباعي على الخط العربي أم هناك سوابق تاريخية لهذا النوع من الإتصال. كما تذكر الباحثة في محاضرتها هذه أن الخطاط العراقي وسام شوكت أعلمها بأنه لم ير هذا النوع من الإتصال إلا في خط الجلي الثلث والجلي ديواني ولم يره في خط النسخ  وأعطاها صور لنماذج الخط الذي يظهر فيه هذا النوع من الإتصال. إلا أنه بعد بحث قصير تبين لي تأثير الإنحياز الثقافي على محدودية معارف هؤلاء عن الخط العربي وثقافته. فقد فات وسام أن هذا الإتصال السطري في حروف الجيم موجود لربما في كل صفحة من صفحات الـ 300 مليون نسخة من نسخ مصحف المدينة المنورة المكتوب بخط النسخ بيد أمهر خطاطي المصحف الإستاذ عثمان طه.

نماذج خطاطية حصلت عليها الباحثة من وسام شوكت توضح فيها اتصال حروف الجيم المخالف للقاعدة المأثورة.
نموذج من مصحف المدينة المنورة بخط الأستاذ عثمان طه. طبع من هذا المصحف 300 مليون نسخة حتى عام 2019. وفي هذه الصفحتين 6 حالات نرى فيها الإتصال السطري لحروف الجيم. هل تستطيع إيجادها؟
نفس الصفحتين ولكن من مصحف تركي معاصر من مجموعتي الخاصة. كل اتصالات حروف الجيم تكون من الأعلى بحسب قواعد الخط العربي التقليدية وذلك لأن الخطاطين الأتراك بقوا على التقاليد الخطية العثمانية الى اليوم.
وكذلك نفس الصفحتين من مصحف قطر هذه المرة بخط عبيدة البنكي. ونرى أن البنكي أكثر إلتزاماً بالإتصال الخطاطي ولكنه يناور أحياناً باستعمال الإتصال السطري. هناك حالة واحدة للإتصال السطري في هذه الصفحتين من بين الحالات الستة التي أشرت إليها. حاول أن تجدها.
يبدو أن الإتصال السطري بدأ يتسلل الى كتب تعليم الخط. ففي الصورة نرى صفحة خط النسخ في كراس الخطاط المصري مهدي السيد محمود الذي صدر عام 1995. ونرى في عنوان النسخ الإتصال السطري. قارن هذا العنوان مع نفس العنوان في كراسة الأستاذ المرحوم هاشم البغدادي في الشكل التالي.
أول صفحة في باب خط النسخ في كراسة تعليم الخط لهاشم البغدادي وهذه الصورة من طبعة 1961. وكلمة النسخ في العنوان مكتوبة على وفق القواعد العثمانية التقليدية (والإشارة هنا الى الدولة العثمانية وليس الى الرسم العثماني الإملائي) التي يتبعها هاشم البغدادي.

تاريخياً

لنعود الى القرن الأول الهجري وهذه صورة من مصحف من تلك الفترة. وهذا المصحف مودع في مكتبة جامعة توبنجن في ألمانيا. ونرى في المثال كلمتين من الآية 44 من سورة الإسراء الأولى “يسبح” والثانية “تسبيحهم” وفي الحالتين نرى الأتصال بين الحروف التي تسبق الحاء ترتفع عن مستوى السطر لأنها تتصل بالطرف العلوي من الحاء. ولا يغرن القارئ عدم انتظام الخط الحجازي بصرياً حيث أن المتمعن في هذا الخط سيجد حرص الكاتب في تلك الفترة على الإلتزام بقواعد خطية ثابتة في رسم الحروف.
ومن القرن الثاني نموذج آخر حيث نرى على هذا الدينار الأموي الذي ضرب سنة 105هجرية أن الإتصال يكاد يكون سطرياً كما هو في اتصال الميم مع الحاء في اسم رسول الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم. وأقول يكاد يكون سطرياً لأني ألحظ محاولة لرفع الميم قليلاً وهذا الرفع الطفيف ألاحظه على العديد من المخطوطات والنقوشات الورادة من القرنين الأول والثاني للهجرة.
هذه وثيقة من كتابات قرة بن شريك الوالي الأموي على مصر. لاحظ اتصال الحروف بحرف الجيم في كلمة “فعجل” في نهاية السطر الثاني في الصورة. والحروف قبل الإتصال ترتفع عن مستوى السطر بشكل واضح.
ونصل الى فترة الخط الكوفي في العصر العباسي ونرى في الكلمتين من سورة الإسراء أيضاً كيف ترتفع السين والباء لتتصل بالحاء قرب الطرف العلوي من الضربة النازلة. أما في كلمة “يسبح” فنرى أن حرف الحاء وما بعده تنزل عن مستوى السطر بعد الإتصال. إلا أن المبدأ واحد وهو تغير في مستوى الحروف في الكلمة عند وجود إتصال مع حروف الجيم.
الخط الكوفي المشرقي ظهر مع الورق في الخط العربي. وحروف الخط الكوفي المشرقي كلها على السطر عدا القليل من الحركات الخطاطية التجميلية كما في كلمة “فانتصر”. ولذلك فإن الإتصال الجيمي في هذا الخط كله سطري وترى ذلك في كلمة “ففتحنا” في نهاية السطر الثاني.
والخط المغربي شاهد مهم في تطور الخط العربي لاحتفاظه بمخزون جيني كبير من الخطوط العربية التاريخية. وعلى خلاف الخط المشرقي نرى أن الحروف التي تسبق حروف الجيم ترتفع لتتصل بالنقطة العليا من الحرف الجيمي في كل الحالات.
وهذا نموذج آخر للخط المغربي وسواء كان حرفاً واحداً أو أكثر فإن الحروف السابقة لحروف الجيم لا بد لها أن تتصل معها بمستوى أعلى من مستوى السطر.
وبانتقالنا إلى مرحلة الخط المنسوب – وفي الصورة مخطوطة لمطور الخط المنسوب الوزير ابن مقلة – نرى أن الإتصال العلوي لحروف الجيم تصبح القاعدة التي التزم بها الخطاطون حتى اليوم.
وانتقل الإتصال العلوي لحروف الجيم الى الطباعة حيث نرى في هذه الصورة المحاولة الأوروبية لتطوير خط طباعي عربي من القرن الرابع عشر. وبالرغم من عدم إلتزام الخط الطباعي العربي الأوروبي بشكل من أشكال الخطوط التقليدية العربية إلا أن الإلتزام بهذه القاعدة ظل راسخاً.
ومع انتشار الطباعة في أراضي الدولة العثمانية في القرن الثامن عشر أصبحت الخطوط الطباعية أكثر قرباً من الخطوط التقليدية. ونرى في هذا المثال نوعين من الخطوط: في الأعلى خط رقعة طباعي ونرى الإتصال العلوي مع حرف الحاء في كلمة “مستحسن” حيث ترتفع الحروف الثلاثة قبل الحاء لتتصل بها من الأعلى. وفي الجزء الأسفل خط طباعي نسخي يظهر فيه الإتصال العلوي لحروف الجيم بالإضافة الى الإتصال العلوي مع حرف الميم.
ويبدو أن الإتصال المتعدد المستويات شغل “المطبعجي” العثماني حيث ظهرت محاولات تبسيط الإتصال في تلك الفترة على يد المطبعجي والصحفي أبو ضيا توفيق كما يظهر من هذه الصفحة المأخوذة من مجلته بحسب ورقة الباحثين التركيين أوزلم أوزكال وأونور يازيجيكيل. واعتمد عدد من الصحف التركية هذه الطريقة المبسطة في الطباعة بعد ذلك.
وأصبح الإتصال السطري مع حروف الجيم هو الغالب الأعم. وفي هذه الصورة صفحة من المصحف الأميري الذي طبع أول مرة في القاهرة في بداية القرن العشرين بحروف معدنية منفصلة. ونرى فيها كل اتصالات الجيم على مستوى السطر. ولربما كان منشأ انتقال هذه الطريقة الى أيدي الخطاطين ناشئاً من تأثير الخطوط الطباعية بالفعل.

لأننا نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم

اعتدت أن أقدم الهدايا في المناسبات حينما كانت مقالاتي أكثر انتظاماً على هذه المدونة. وفي ذكرى مولد الحبيب المصطفى من العام الماضي أطلقت سلسلة تسجيلات فيديو حول الخطوط التاريخية القديمة. ومع أني لم أنجز من تلك المبادرة سوى تسجيلين لحد الآن إلا أني بفضل الله ماضٍ في التحضير لإنهاء هذه السلسلة. والحقيقة أن شواغلي كثيرة فأنا أنتقل بين عدد من المشاريع وقد حلت هذه المناسبة وأنا خالٍ هذه المرة من أي مبادرة منجزة أستطيع أن أهديها لقراء مدونتي الأعزاء.

فبحثت في جعبتي عمّا يكون ذي قيمة للآخرين أخرجه كهدية بهذه المناسبة العزيزة في هذا العام فوجدت خطي “جنين” الذي لم ينجز بالكامل. فعكفتُ عليه خلال اليومين الأخيرين لعلي أستطيع أن أهديه الى الناس اليوم مع إصدار هذه المقالة بمناسبة ذكرى المولد النبوي. فعسى أن يجد الناس في هذه الهدية فائدة وأن أجد في محبتي لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم الرضا من الله.

قم بتحميل الخط من الرابط في نهاية هذه المقالة

ثم إني لا أريد أن أكون كالأطرش في الزفة فلا أشير ولو سريعاً الى ما يدور من حولنا في هذه الأيام. وهي أحداث مؤلمة أججها كل من طرفي الصراع وهما في الجريمة مشتركان سواء بسواء. فالذي أثار الفتنة واتخذ من ذريعة حرية التعبير طريقة لبث خطاب الكراهية والحط من كرامة الناس ليس بأقل إجراماً من الذي قتل وذبح. ما أكره الحياة التي يريدها كل من هؤلاء. وليعلموا أننا من كل بَراء وأننا مع رسول الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم نحبه برغم ما فعلوا ونجّله ونعلي قدره بالحجة والمحبة لا بالكراهية والعنف.

وتصديقاً لذلك فها هو دوري في هذه المناسبة أشارك بعمل بسيط. عمل فيه جمال وعمل فيه نشر المحبة للناس – كل الناس.

خط جنين بأوزانه الجديدة

وخط جنين الذي أقدمه هدية في هذه المناسبة هو تجربة في مجال الخطوط العربية الحديثة. قمت أولاً برسم أشكاله في برنامج Adobe Illustrator ومن ثم برمجته في FontCreator. وكتبت عن ذلك مقالة مفصلة تجدها على هذا الرابط. وبعد أن أستطعت الحصول على برنامج Glyphs قمت بتغيير أشكال بعض الحروف في هذا البرنامج الذي يتميز بأدوات مناسبة لرسم أشكال الحروف مع إضافة الأوزان المتعددة من الخفيف وحتى الثقيل.

والتحدي التصميمي في النسخة الحالية هو ما يتعلق بتضمين الحروف اللاتينية. فالخطوط العربية بحكم عملها على المنصات الحاسوبية والتطبيقات المختلفة تعمل بشكل أفضل مع وجود الحروف اللاتينية فيها. وفي مقابل هذا فأنا لست من أنصار تصميم خطوط عربية لتناسب خطاً لاتينياً معيناً لأنني أصنع الخطوط العربية لذاتها تبعاً لمنطق تصميمي معين. فرأيت أن أضيف الحروف اللاتينية كنوع من أنواع الــــ place holder لتسهيل عمل خطي في التطبيقات. لذا ستجد أن الحروف اللاتينية في هذا الخط متوافقة في الوزن فقط في حين أنها لا تميل بنفس الطريقة التي تميل بها الحروف العربية إلى اليسار. ويستطيع مستعمل الخط الذي يريد كتابة كلمة بالإنجليزية مثلاً أن يختار مقطع النص عند الكتابة ويستبدله بأي خط آخر يشاء.

وفي ما يلي بعض الخربشات التصميمية باستخدام خط جنين.

إضغط على هذا الرابط لتحميل الخط في نسخته الأولى المعدلة بتسعة أوزان.

ختاماً أسأل الله العظيم القبول وأصلي وأسلم وأبارك على رسوله الأمين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

خط جنين

لربما لا أكون المصمم الوحيد الذي يشعر بحاجة الى المزيد من الخطوط العربية الحديثة. فلقد قرأت منذ فترة مقالة على إحدى المواقع تشكو فيها إحدى المصممات (باللغة الإنجليزية!) قلة البدائل وكيف أنها وجدت خلاصها في خط GE SS Two. وبالفعل تجد اليوم أكثر تصاميم الجرافيك العربية الحديثة تستخدم هذا الخط من تصميم مراد بطرس والذي أصبح جزءاً أساسياً في صندوق أدوات الكثير من مصممي الإعلانات والدعاية العربية.

ولأجل زيادة خياراتي وزيادة البدائل التي يمكن لمصمم الجرافيك العربي أن يجدها قمت بتنفيذ فكرة كانت تروادني منذ فترة طويلة. فقمت بإتمام تصميم وتنفيذ خط جنين الذي نفذته الذي يمثل واحداً من عدة خطوط أتمنى على الله أن يوفقني لإنجازها في الفترة القادمة.

ولادة الفكرة

لافتة صغيرة عالية مثبتة على عمود في إحدى شوارع بغداد لفتت نظري ذات يوم قبل ما يقارب الخمسة وعشرين سنة. وكان مكتوباً عليها بخط مبتكر كلمة “جنين” وهو إسم لمستشفى ولادة كان في المنطقة. ولربما كانت هذه اللمحة الخاطفة الأولى كافية لإطلاق عصارات أفكاري حيث خطر لي حينها أن هذا الخط يمكن أن يمثل الأساس لخط طباعي حديث. وحيث أن الافتة قد تم تنفيذها بكل تأكيد بيد خطاط أو رسام أو مصمم لأنه حينذاك لم تكن تكنولجيا الطباعة الرقمية قد استخدمت في صناعة اللافتات فقد بدا من المناسب جداً أن أقوم بتحويل الفكرة الى خط طباعي متى سنحت لي الفرصة.

الخط كما رسمه على اللافته مصمم مجهول بحروف مقطعة وغير متصلة.

وكما تعرفون جيداً فإن الأفكار وحدها لا تكفي لإنجاز شئ ما. فلا بد من سعي وجد لنقل الفكرة الى الواقع الملموس. كما حالت شواغل كثيرة بيني وبين أن أقوم بتنفيذ الفكرة في ذلك الوقت. لذا بقيت الفكرة تداعبني بين الحين والآخر، فإذا انبثقت من بين أمواج الأفكار وكان عندي القلم والورق أقوم بتخطيطات سريعة في محاولة لإيجاد الحل المناسب لتطبيق الفكرة على بعض الحروف.

لا أحصي عدد الدفاتر التي ملأتها بتخطيطات الأفكار التي أحلم بتنفيذها ومنها كان خط جنين الذي نحن بصدده.

صياغة الجوهر

وحينما لم يخفت بريق معدن الفكرة، كان عليّ تطويع الجوهر المتمثل بمزاوجة النبرات الجريئة في حرفي النون والياء مع الإنحناءات الهائلة في حرفي الجيم والنون. كما أن تجريد الحروف ذات النبرة (وهي حروف الكرسي: الباء تاء ثاء نون ياء والهمزة على الكرسي في الوضع الاولي والوسطي) بشكل خط عمودي منفصل يصعب تطبيقه على عموم الحروف إذا كان المطلوب هو المقروئية المناسبة والتي هي في الحقيقة الأساس في تصميم الخطوط. وظهرت المشكلة تحديداً في نقاط حروف الياء والتاء والثاء لعرض هذة النقاط التي تستوجب مسافة أفقية أكبر لهذه الحروف وبالتالي تباين في المسافة بين النبرات عند تشكيل حروف الكرسي بشكل متتابع. فأما الياء والتاء فكان الحل سهلاً في تكديس النقطتين الواحدة فوق الأخرى. وأما الثاء فكان لا بد من إعطاء جسم الحرف مسافة أكبر لاستيعاب حمل النقاط الثقيل. وفيما عدا هذا وتدويرة تعريقة القاف كان تطويع الفكرة على عموم الحروف ميسوراً.

البناء على ما سبق

ولم أكن أتوقع أن أنجز التصميم بالسرعة التي إنجزته بها. وكان أغلب الجهد في جانب تصميم الحروف. أما البرمجة فقد سارت بسلاسة غير متوقعة حيث اعتمدت على برمجة خط بانية الذي صنعته في بداية العام الماضي ضمن سلسلة تسجيلات تعليمية حول صناعة الخطوط الرقمية العربية. وحيث أني احتفظت بالمحارف الأربعة للمجموعة الحروف العربية في خط بانية بالرغم من عدم الحاجة إليها وتضمين ذلك في برمجة الخط فقد جاء ذلك كاستثمار مناسب حينما دعت الحاجة الفعلية الى هذه المحارف الأربعة في خط جنين والذي كان لا بد من تصميم الحروف الوسطية والمتصلة بشكل متميز للحروف ذات الإنحناءة الكبيرة في مقدمتها وذلك لتمكين الإتصال بين المحارف.

لا يضيع استثمار الوقت في تصميم الخطوط الرقمية حيث يمكن إعادة استخدام برمجة الأوبنتايب لخط معين في خط آخر.

المقارنة بين جيم خط جنين (على اليمين) مع نظيرتها في خط بانية ترينا سبب الحاجة الى تصميم المحارف الوسطية والنهائية بإضافة خط الإتصال في أسفل يمين تصميم المحرف لتمكين الإتصال بين المحارف. وحيث أن محارف خط بانية لم تكن بحاجة الى هذه الوصلة فكان من الممكن أن نستغني عن تصميم المحارف الوسطية والنهائية حيث تكفي المحارف الأولية والمنفصلة في أداء الإتصال الواجب.

ما بين القديم والجديد

ولعلكم لاحظتم تركيزي على كلمة “الحديث” في الترويج للخط الجديد. وهذا أولاً بسبب الموضوع الذي استفتحنا به هذه المقالة وهو شحة أدوات التعبير لمصممي الجرافيك العربي. ثم هناك الأسطورة التي يروج لها أكثر متخصصي التصميم الطباعي العربي من الأجانب وهي أن الخط العربي الذي لا يتطابق مع قواعد الخط العربي الكلاسيكي فهو مسخ من عمل الغرب كما يدّعون، وهذا وهم كبير.

خط جنين مناسب بشكل خاص للإستخدامات الصناعية والإعلانية.

فكما تمضي الحياة بجديدها كذلك تمضي اللغة العربية والكتابة العربية. ونحن اليوم نتكلم بطريقة حديثة هي وليدة تفاعلنا مع مستجدات الحياة. ولا تشبه عربيتنا اليوم العربية التي كتبت بها أيام ظهور خط النسخ والثلث والكوفي أول ما ظهرت هذه الخطوط. وهذا التطور في اللغة والثقافة يستلزم معه وسائل تعبيرية تناسبه وأهم هذه الوسائل هي خطوط كتابية حديثة.

وهذا بالتأكيد لا يمثل ثورة على الموروث الثقافي العزيز. فالحديث والقديم عندي غير متضادين وإنما هما امتداد واحد ونمو عضوي طبيعي. والذي يدرس تطور الخط العربي يجد أنه قد تجدد بشكل عجيب عبر مراحل تطوره من الخط المكي ثم المدني ثم البصري ثم الكوفي ثم النسخ والثلث ثم الفارسي والديواني والرقعة. سلسلة تطور عظيمة ترينا مرونة هذا الخط كما ترينا قدرات أصحاب هذا الخط على التجديد والإبداع والتطور مع ما يتطلبه التطور في الحياة.

وبالتالي فإن إنتاج خطوط حديثة تضاف الى الخطوط التقليدية الأصيلة تزيد من قدراتنا التعبيرية حيث ستكون في متناولنا موارد عديدة ومتنوعة نختار منها ما يناسب وظائف الحياة. فليس كل إنتاجنا الثقافي يتعلق بالتاريخ والموروث. وحياتنا اليوم تزخر بأنشطة ذات تنوع واسع فيها الرياضة والفن والتكنولوجيا والصناعة والإنتاج والتجارة والتسويق والإعلان وكم هائل آخرلا يقوى كهل مثلي على إحصائها. وكل هذه المجالات لها متطلباتها الخاصة فيما يتعلق بالجانب اللغوي والتعبيري وبما يخدم جانب الإتصال البصري في هذه المجالات. وهذا بالنسبة لي يمثل فرصة كبيرة من حيث الإحتياج الغير ملبى وبالتالي الفرصة لتقديم ما يمكن تقديمه له.

وللحصول على الخط عليك زيارة هذا الموقع.

وآخر دعوانا أن الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

صناعة الخطوط العربية

لقد كانا شهرين مضنيين عقدت العزم فيهما على أن أتم موضوعاً كان في بالي منذ أن بدأت هذه المدونة. فعلى الرغم من تجاربي العديدة في تصميم الخطوط العربية إلا أن صناعتها موضوع آخر خاصة بالنسبة الى خطوط الحواسيب الحديثة من نوع الـOpenType / TrueType. وبحمد الله أستطعت الآن أن أنجز تسجيلات لتمرين سريع في صناعة الخطوط العربية بالإضافة الى كتاب موجز حول نفس الموضوع.

وقد كان هذا التقدم بسبب تحولي من برنامج FontLab V الى برنامج FontForge ثم وأخيراً برنامج FontCreator. فأما الأول فإنه لا يصلح إطلاقاً لصناعة الخطوط العربية وهو برنامج صعب الإستخدام وعقيم. وأما الثاني فهو أكثر صعوبة وهو برنامج غامض على منصة الـWindows ولكن على الأقل استطعت أن أبرمج الخط التجريبي الذي اخترته من تصاميمي لهذا التمرين بما بدى أنني قد وجدت الأداة المناسبة. ولكن عندما توقف البرنامج في تصدير خط عربي يعمل بشكل صحيح توقفت أنا بدوري عن إستعماله وعملت بما اقترحه الأستاذ سلطان المقطري فاستثمرت بتحسين نسخة الـFontCreator Home Edition الى نسخة الـ FontCreator Professional Edition 11.5 فكانت في الحقيقة مفاجأة سارة حيث أن هذا البرنامج ذو قدرات ممتازة لصناعة الخطوط العربية وخاصة أداة الـOpenType Designer التي في ضمن البرنامج.

ولندخل في صلب الموضوع ونشاهد التسجيلات التي قمت بعملها خلال هذه التجربة.

أما الموارد المشار إليها في هذا التمرين فيمكن الحصول عليها من الروابط التالية:

والآن لنتفرج على بعض صور صفحات الكتاب الصغير الذي أعددته ليصاحب التسجيلات أعلاه:

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والصلاة والسلام على نبي الهدى محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

إتفقنا على أن لا نتفق – اليونيكود (Unicode)

مثل مصير مفتاح كنيسة القيامة الذي إنتهى عند عائلة مسلمة لعدم إتفاق المسيحيون المقدسيون على من يحوزه، فقد ناب عن أصحاب الخط العربي من قام بتوحيد طريقة استعمال الخط العربي على الحواسيب. حيث قامت منظمة اليونيكود – لربما بأقل ما يمكن من استشارة أصحاب الشأن – بترميز الحروف العربية ضمن جداول موحدة أصبحت المعيار الأساس لاستخدام الخط العربي على الحواسيب وانتقال النص العربي عبر الإنترنت. وهذا جهد مشكور لأنه سهّل بشكل كبير تضمين النص العربي في البرمجيات وصفحات الإنترنت.

وبما أننا سنقوم بعون الله بمعرفة طريقة صناعة خط رقمي ضمن سلسلة تصميم وصناعة الخطوط العربية، فلا بد أن نعرف أهمية جداول ومواصفات اليونيكود حيث أن هذا العمل يعتمد على هذه الجداول في الصميم. والفكرة في أساسها بسيطة للغاية. فالموضوع لا يتعدى ترميز كل حرف من الحروف العربية برقم. نعم، هذا كل ما في الأمر. ولكن التحدي الأكبر يكمن في اتفاق المصنّعين ومن لهم علاقة بالموضوع وقد تم ذلك (نحن طبعاً مستثنون “بكلا”).

كما يتضمن الترميز تفاصيل معينة نستطيع أن نلخصها فيما يلي:

  1. الترميز يشمل الحروف والأرقام والحركات والإشارات والرموز (الفواصل والأقواس وعلامات الرياضيات وهكذا).
  2. الهمزة تأخذ أكثر من ترميز بحسب الرسم (مفردة، على الألف، على الواو، على الياء وهكذا).
  3. هناك عدة جداول لتغطية الخط العربي لتشمل كل اللغات التي تستخدم هذا الخط. وسنعرض صور الجداول التي تهمنا في البداية فيما يلي.

جداول اليونيكود للخطوط العربية

أولا: جدول الحروف الأساس

ثانياً: جدول أشكال المحارف العربية

وتستطيع تحميل هذه الجداول من موقع منظمة اليونيكود لنستخدمها فيما بعد عند صناعة الخطوط العربية. وروابط التحميل هي:

أولاً: الجداول الرئيسية للّغة العربية:

ثانياً: الجداول الثانوية للّغات التي تستخدم الخط العربي

الى هنا إنتهى هذا الدرس وما عليك إلا أن تحمل هذه الجداول وتحفظها في مجلد حتى يتسنى لنا استعراض الجولة الأولى الفعلية في تصميم الخطوط العربية.

نكتة العدد (بمناسبة اليونيكود)

من آخر مصاحف الإنترنت التي تعرفتُ عليها هو مصحف مسقط الذي تم إطلاقه على ما يبدو في تموز – يوليو 2017. وقد تم إطلاق المصحف في حفل تم التركيز فيه على مشاركة سلطنة عمان بمنظمة اليونيكود. ولا أدري إن كان هذا صحيح أم لا خاصة وأن التقديمات كانت فيها المغالطات والمبالغات التي يبدو أن مُنشِئها كان صانع مصحف مسقط المدعو Thomas Milo وجماعته في ديكوتايب. فقد تم الإدعاء في هذا الحفل أن مصحف مسقط هو المصحف الثاني في التاريخ الذي تم إخراجه بالحروف الطباعية بعد مصحف القاهرة المعروف. وهذا خطأ لأن هناك عدد من المصاحف التي تم إخراجها بالحروف الطباعية ليس أقلها مصحف المدينة المنورة الألكتروني المنشور على موقع مجمع المللك فهد لطباعة القرآن الكريم منذ سنوات عديدة. هذا بالإضافة الى العديد من المواقع التي تستخدم الخط الأميري الرقمي الذي تحدثنا عنه والمأخوذ من خط مصحف القاهرة الشهير والذي ينظر إليه توماس وعصابته نظرة المأخوذ.

الدخول الى التاريخ من الباب الخلفي: مصحف توماس ميلو

ويريد منّا توماس ميلو أن نشكره على ما يراه هو إنجاز تاريخي لم يستطع أحد أن يفعل مثله. فقد قام في مقدمة إحدى عروضه التي غالباً ما يبدؤها بكوميديا سقيمة لا تليق سوى بمهرجي السيرك من الدرجة الواطئة والتي لا يوفوّتها فرصة للإستهزاء والمهاترة عرض المسكين حواراً مع إمرأة تنتقده لتعامله الغير لائق مع القيّم الإسلامية ويقول هذا ما يجازيه به أهل هذه الثقافة في مقابل ما يقوم هو به من التطوير والإبتكار. ويشوبني الشك في أنه قد اختلق النقاش برمته حيث أن توماس ميلو بارع في التلفيق ومثال ذلك الأسطورة التي إسمها مهندس أوغلو التي اخترعها. (إنظر مقالتي عام 2015)

ويبدو أن توماس ميلو قد إستغل طيبة العمانيين وأوحى إليهم بأنه سيقدم لهم الإعجاز التاريخي الذي لم يسبقه أحد لفعله. فقال لهم أن عمله سيكون ثاني مصحف من نوعه وقد بيّنا كيف أن هذا كذب. وقال لهم أنه مبني على اليوينكود وهو ربما كذلك في برمجة التطبيق الخادم ولكن من ناحية المستخدم فهو ليس كذلك بل هو ليس نصاً أصلاً إذ أن ما تحصل عليه من مصحف توماس ميلو ليس سوى صورة تم تشكيلها على الخادم.

ولكن المشكلة الحقيقية في أنه يعتقد أن عمله هو الإستنساخ الأصيل الوحيد لخط النسخ بالرسم العثماني لأنه يطّبق قواعد الخط العربي التي يظن أنه هو وحده قد اكتشفها. وهو بذلك يعتبر أن القرآن لم يتم تحميله على الإنترنت حتى قام هو بذلك لأن بقية المحاولات لا تطبق قواعد الخط العربي الأصيلة. وهذه مبالغة مضحكة لأنه وإن كان قد أتقن إلى حد ما طريقة تطبيق قواعد الخط العربي على التظهير الطباعي فهذا لا يعني أن بقية الأعمال لا يعتد بها لكونها قد عفت عن قاعدة خطاطية أو تفصيل هو يراه مهم. ثم أنه ومع تطبيقه الصارم (على إدعائه) لقواعد الخط في التظهير الطباعي فعمله لم يصل الى جمال عمل الخطاطين الأصلي وكما نرى في المقارنة التالية:

على اليمين صفحة مصورة من مصحف المدينة المنورة بخط عثمان طه. وعلى اليسار صورة من شاشة الإنترنت لمصحف توماس ميلو الذي حمله على الإنترنت على ظهر وزارة الأوقاف والشؤون الدينية العمانيّة. وأحب أن أؤكد هنا حقيقة مهمة وهي أن الخط غير الطباعة. وهذا ما لم يفهمه توماس بعد. ولم يستفد عمل توماس كثيراً من التطبيق الحرفي لأصول الخط العربي حيث أن خط توماس في النص قبيح بالمقارنة مع الشئ الحقيقي.

من المخزي جداً أن يستغل توماس الموقف للترويج لبضاعته التجارية ويخون ثقة العمانيين به حينما عهدوا إليه بهذا العمل. نرى هنا في الصورة أنك حينما تضغط على كلمة في مصحف توماس تظهر لك البدائل الطباعية على غرار برنامج تصميم الذي ينتجه. وهذا من مصلحته هو فقط لأنه ليس من مستخدم للمصحف من يهمه من هذه البدائل الطباعية شيء. ولا يزيد في قيمة الأداة هذا التفصيل العديم الفائدة على الأقل في هذا السياق. وأعتبرها خيانة لأن العمانيين بالتأكيد كان مقصدهم في دعم هذا المشروع هو أعلى وأرقى من إستعراض قدرات توماس ميلو في عرض البدائل الخطاطية الخارجة عن سياق المشروع وخارجة عن دائرة إهتمام وزارة الأوقاف والشؤون الدينية العمانيّة.

حينما تزور الموقع تستطيع معرفة المزيد عن المشروع من خلال الضغط على الشعار في أعلى شمال الشاشة. وستعلم حينها لماذا يعكس هذا العمل أهداف توماس ميلو أكثر من غايات وزارة الأوقاف والشؤون الدينية العمانيّة. وذلك لأن هذه الصفحة ترينا بأنه لم تمس هذا العمل يد عمانية واحدة في صناعته.

تصحيح: لربما وصلت اليد العمانيّة الى مصحف مسقط ولكن… (على كل حال إضغط على الصورة لتشاهد حفل الإطلاق).

المبدأ في هذا الموضوع

غايتي من هذا النقد هو التنبيه حول الوهم الذي يروّج له توماس ميلو فيما يتعلق بالخط الطباعي العربي. وأستطيع أن ألخص ما أريد أن أقوله في النقاط التالية:

  1. الخط التقليدي (النسخ والثلث والرقعة وغيرها) غير الخط الطباعي ولا يجدر بالخط الطباعي أن يقلد الخطوط التقليدية لأنه من غير الممكن ذلك في حدود الإمكانيات الحالية وبضمنها الإمكانيات التي يعرضها توماس ميلو التي لا تعدو أن تكون تطبيق لقواعد الخط العربي دون الوصول الى المستوى الجمالي الذي يتمتع به الخط العربي الأصيل.
  2. صحيح أن الخط الطباعي العربي لم يحقق الإستنساخ والتطبيق الكامل لأصول الخط العربي إلا أن هذا غير مهم وغير مطلوب. فطالما أن الخط الطباعي العربي السائد يؤدي الوظيفة اللغوية والتي من ضمنها تسجيل ونقل النص القرآني كما يجب أن يُنظق فهذا كافي من الناحية العملية.
  3. ثم صحيح أن المستوى الجمالي لم يرق الى مستوى الخطوط العربية التقليدية وهذه نقطة مهمة وهي رسالتنا في هذه المرحلة. وحلها ليس بأن نعود الى الخطوط القديمة ونحاول إشتقاق قواعدها لتطبيقها على الخطوط الطباعية الحديثة، بل على العكس: يجب أن نمضي في محاولة لتجويد الشكل الجمالي للخطوط العربية الطباعية الحديثة وبما يناسب الإحتياجات الوظيفية للمجالات الثقافية المعاصرة في العلوم والآداب والفنون والرياضة.
  4. وأخيراً فإن من الدروس المستفادة هو ضرورة أن نتّفق على أن نتّفق لسد الطريق أمام دخول الذئاب بغطاء الحمل كما في الحكاية التي سردناها في هذه المقالة.

ختاماً لكم مني كل المحبة والإحترام ولنتفق على أن نتفق بأن نأخذ بالخط الطباعي العربي الحديث الى مستويات جمالية تليق بهذه الأمة العظيمة من مشرقها الى مغربها في تنوع يستوعب الجميع ويرضي الرب الذي ابتعث هذه الأمة برسالة محمد صلى الله عليه وسلم لرفع الإنسانية الى المستويات التي ترضي الرب الخالق وتحقق الكرامة والسعادة الإنسانية في الدارين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وسيد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شواهد في تطور الخط الطباعي العربي

كمقدمة للعودة مرة أخرى الى موضوع تصميم وصناعة الخطوط العربية قمت بإعداد مسودة سريعة لمعالم محددة في تاريخ تطور الخط الطباعي العربي حسب معلوماتي المتواضعة. والمسودة التي أعددتها عبارة عن تطبيق على الإنترنت يعرض بطاقات تحتوي كل واحدة منها على نموذج لخط طباعي أو رقمي يمثل جانباً من جوانب تطور الخط الطباعي العربي. والغرض الأساسي من هذا التطبيق هو تيسير شرح هذه المعالم التاريخية في تسجيل قصير. وأرى أن هذه المقدمة مفيدة حيث أنها توضح لنا الأنواع المختلفة من الخطوط العربية وبالتالي يستطيع المهتم تحديد إتجاهه حينما يشرع في تصميم وصناعة الخط العربي الخاصة به. ولنبدأ المقدمة بتسجيلين توضيحيين.

وإشارة الى الروابط المذكورة في التسجيل، فيمكنكم الوصول إليها من خلال ما يلي:

تطبيق نماذج الخطوط العربية: http://khalidalabdullah.com/apps/atm

البرمجة المصدرية للتطبيق: https://github.com/khalidalabdullah/arabictypehistory

ملفات المصدر لخط بانية: https://github.com/khalidalabdullah/banyehfont

كما أحب أن أستعرض بعض البطاقات هنا أيضاً مع شرح قصير لكل بطاقة منها.

muteferrika
أول محاولة أصيلة للطباعة بالحروف المعدنية المفردة التي تنضد بالمساطر ثم تجمع المساطر في صفحات على الطريقة القديمة هي من عمل إبراهيم متفرقة المطبعجي ما بين عام 1711 وعام 1716 بالتعاون مع السفير العثماني في فرنسا بيكرمي سكز جلبي. وقد تم تأسيس مطبعة في اسطنبول حيث تم طبع العديد من العلم والمعرفة. وقد مهدت تجربة مطبعة اسطنبول لإنشاء مطابع أخرى في القاهرة وعموم الدول الإسلامية بحكم المعرفة والخبرة المتولدة من هذه التجربة.

حينما أمر محمد علي باشا بإنشاء المطبعة الحربية في بولاق قام باستيراد أجهزة الطباعة من إيطاليا. ويبدو أنه تم إستيراد واستعمال الخط الطباعي من إيطاليا أيضاً. ودليل ذلك المطبوعات الأولى التي تم طبعها في هذه المطبعة والتي ترينا هذه الصورة نموجاً منها. وتمثل الصورة الصفحة الأولى من قاموس إيطالي عربي تم طبعه باستخدام خط يشبه الخط الذي استخدم في طبع الإنجيل في روما في القرن السادس عشر. كما يشبه أيضاً خط مطبعة نابليون والذي نرى نموذجاً منه على اليمين من الصورة أعلاه. وتستطيع تمييز هذا الخط بسهولة عن الخطوط التي تم تطويرها داخل الأمة الإسلامية والمتفرعة عن تجربة إبراهيم متفرقة والتي تم تطويرها بناءاً على الإرث الخطاطي العربي والإسلامي. أما هذا الخط الأوروبي فهو صنيعة غريبة ولا يحمل أي مورثات ثقافية إسلامية أو عربية.

بمقارنة الخطوط الطباعية قريب نهاية القرن التاسع عشر نلاحظ تطور كبير في جمالية الخطوط المستخدمة. كما نلاحظ تطور في قدرة صانع الخطوط الطباعية العربية في تطويع الخطوط التقليدية كخط النستعليق في هذا المثال في المجال الطباعي.

mushafamiri
وفي العقود الأولى من القرن العشرين قام الخطاط محمد بك جعفر بوضع القاعدة النسخية للمطبعة في بداية القرن العشري ثم تم طبع مصحف الملك فؤاد في منتصف القرن العشرين تقريباً وكان أول مصحف أصيل مطبوع بالحروف المعدنية المنفصلة (moveable type). ويسمى الخط الذي وضعه محمد بك جعفر بالخط الأميري الذي كان غاية في الجمال. وتم تقليده من قبل الشركات العالمية حينما بدأت بانتاج المطابع لتسويقها في الدول التي تستخدم الخط العربي.

amiri-diacritics
وفي الوقت الذي كان يؤاخذ البعض طريقة وضع الحركات في الخط الأميري في صفين أعلى سطر الحروف وأسفلها وابتعادها عن الحروف، والذي هو حل مبتكر لمشكلة صف الحركات في رأيي، فإن هذه المعالجة تضفي على الخط نوع من التنسيق والتوازن.

lotus
وفي مطلع القرن العشرين أصبحت إهتمت الشركات من أمثال لاينوتايب ومونوتايب وإنترتايب بسوق الطباعة العربية وحاولوا تعديل إجهزتهم لتستوعب الخط العربي من حيث خصائص الحروف والحركات. ويبدو أن الشركات المذكورة إعتمدت في هذا الشأن على فنييها الغربيين المختصين بالخطوط العربية فقط ولم تستثمر أبداً في القدرات المحلية من خطاطين ولغويين وباحثين من أهل اللغة نفسها.

linotypesample-small
شريط مصبوب من سبيكة معدن اللاينوتايب لطباعة سطر باللغة العربية.

amiri
أتاحت الثورة الرقمية إمكانية صناعة الخطوط الطباعية وخطوط الحواسيب خارج إمبراطوريات الشركات الكبيرة التي كانت تحتكر الصناعة لفترة طويلة. وكانت مبادرة المصري خالد حسني في سنة 2010 لاسترجاع جمال هذا الخط هو ترقيم الخط الأميري والذي جعله متاح للجميع عبر المشاع العمومي. وتبعاً لذلك أصبح هذا الخط شائع الإستخدام على الكثير من المواقع العربية على الإنترنت كما أن عمل الدكتور خالد حسني قد تم تضمينه في خطوط جوجل.

وأريد أن أختم مجموعة الخطوط الطباعية التقليدية بخط الرسم العثماني الذي نشره مجمع الملك فهد لطباعة القرآن الكريم على موقعه وهو من عمل المصمم الباكستاني أشفاق نيازي. والخط جميل ويخدم غرضه الوظيفي لتمثيل النص القرآني بالرسم العثماني. وصنعته المتقنة تكمن أولاً في إمكانيات السيد أشفاق نيازي المتقدمة في صناعة الخطوط العربية وفي إشراف الخطاط السوري المشهور عثمان طه. والصورة تمثل تطبيق مصحف الإنترنت الذي قمت بصناعته بفضل من الله العزيز الكريم.

yakout
ولنعد الآن 60 سنة الى وراء الشكل السابق. فمع إزدهار الصحافة اللبنانية في الخمسينات من القرن الماضي برزت الحاجة الى خطوط مبسطة تسرع من عملية التنضيد على مكائن اللاينوتايب. وبذلك قامت جريدة الحياة اللبنانية بدعم المصمم اللبناني نبيه جارودي (نبيه وليس نجيب كما تشير الصورة) لتطوير ما يعرف بالخط العربي المبسط الذي يعتمد طريقة الآلة الكاتبة في إختصار الأشكال المطلوبة لطباعة الخط العربي الى محرفين بدل المحارف العديدة. وأعطي الخط إسم خط ياقوت تيمناً بالخطاط العربي ياقوت الحموي على ما يقال إلا أني شخصياً قد وجدت ذكر إسم خط ياقوت في كتب إبراهيم متفرقة ومنذ القرن الثامن عشر.

ومن المحاولات العربية الأصيلة التي تذكر في مجال الإستجابة الى تنامي أهمية الحواسيب قام السيد أحمد لخصر غزال بابتكار خط يناسب طابعات الحواسيب في الستينات من القرن الماضي. وفي الحقيقة فإن هذا الخط لم يقدر له الإنتشار وخاصة في مجال الحواسيب لسرعة تبدل التكنولوجيا ولمحدودية ملائمته الوظيفية. والخط مميز بطابعه الآلي الحديث وقد قامت شركة لاينوتايب بترقيمه وهو اليوم معتمد كخط يميز بعض الشركات التجارية كشركة الإتصالات زين كما قامت قناة الحرة الأمريكية بتطوير خط مشتق من خط أي أس في كودار الذي صممه أحمد لخضر غزال.

ومع شيوع استخدام الحاسوب الشخصي آبل ماكنتوش وطابعة الليزر رايتر إزدهرت برامجيات النشر المكتبي. وكانت البرامج التي استهدفت السوق العربية تتضمن خطوط جديدة منها خط منى الذي نافس خط ياقوت الذي أصبح قديماً يومها لكثرة إستخدامه. وخط منى الذي كان مضمناً في برنامج الناشر المكتبي من شركة ديوان هو من نفس فئة خط ياقوت من حيث إعتماده على مبدأ إختصار أشكال الحروف. وقد شاع إستخدام هذا الخط في المطبوعات الخليجية التي أخذت بالإزدهار بعد أفول الصناعة في بيروت وبتأثير التطورات السياسية على الساحة اللبنانية.

ويرينا هذا الشكل مقارنة بين الخطوط الطباعية التقليدية والخطوط الطباعية الأحدث نسبياً والتي اعتمدت مبدأ إختصار أشكال المحارف. والمقارنة هنا تحديداً بين خط منى على اليمين والخط الأميري على اليسار. ونرى أن الخط الحديث يتميز باستقرار أكبر على السطر ودرجة أكبر من الوضوح نابعة من إتساع حدقات الحروف. وهذه الخاصة الأخيرة وليدة الحاجة الى جعل الحروف أكثر وضوحاً في الأحجام الصغيرة للخط وخاصة في حالة الكتابة على الشاشة.

قامت شركة مايكروسوفت بتسويق خط عربي بإسم Arabic Transparent مع نظام التشغيل ويندوز 2000. وصار هذا الخط ضمن خط Arial فيما بعد. وبالرغم من فائدته في تحرير النصوص العربية لأغراض الإستخدام المكتبي إلا أن الخط له عيوب تصميمية لا تجعله يصلح للوظائف التي تتطلب مستوى طباعي عالي وكذلك ضعفه في الدعاية على الشاشة. ومع ذلك وجد هذا الخط طريقه الى هذه الوظائف لمجرد أنه الخط العربي المتوفر على الحواسيب التي كانت تدير الشاشات الإعلانية والإنظمة الطباعية الملحقة. ويصعب معرفة أصل هذا الخط لأن صانعيه يريدون أن لا يقولوا أنه سرق من مصدر آخر.

قام مراد بطرس بعمل خطوط ناجحة لشركة Letraset في الثمانينات منها خط نسيم الذي تبرأ منه ولا يذكره في ملف أعماله. وقد تسنت له فرصة لتصميم مجموعة من الخطوط الناجحة الأخرى تم تضمينها مع برامج النشر المكتبي ومنها خط GE SS الذي كان بمثابة الحل الوحيد لمصممي الإعلانات لمظهر هذا الخط الحديث. وأهمية هذا الخط بالنسبة لي هو جوابه على من يقول بضرورة إبقاء الخطوط العربية في نطاق الإنماط التقليدية التي تستلهم خطوط النسخ والثلث والرقعة وغيرها من الخطوط التاريخية. فنجاح هذا الخط دليل على الحاجة الى خطوط وظيفية تلائم الإحتياجات التصميمية المعاصرة.

وقد ظهرت الكثير من الخطوط التي تعتمد على مبدأ الخطوط العربية المختصرة أو البسيطة والتي تحاول أن تؤدي وظائف تصميميه معينة. ويبرز منها القليل الذي يستحق الإشارة إليه. ومن الخطوط الناجحة في رأيي هو خط جميل بوستان الذي يخلط بين الخط المغربي والخط السنبلي. وقد قام المصمم السوري الدكتور مأمون صقال بتطوير هذا الخط وبرمجته.

تصحيحاً لما ورد في التسجيل فإن مصمم الخط العربي لخط Calbri هو الدكتور مأمون صقال كما قام ببرمجة الخط عايدة صقال. و د. مأمون مصمم سوري الأصل له إنجازات كثيرة ومهمة في مجال الخطوط الطباعية العربية. وخط Calibri أهم خط في الإصدارات الحديثة من برنامج Microsoft Office. وقد أصبح هذا الخط هو المفضل لدي في تحرير النصوص العربية لطابعه اللين ووضوح الخط ومناسبته للغرض.

 

ختاماً نسأل الله لنا ولكم الخير والتوفيق في مطلع هذا العام الهجري الجديد وكل عام وأنتم بخير وصحة وسلامة.

جدول المحارف: الحلقة الثانية

أكثر من طريقة

نحن بارعون في النكتة كبراعتنا في عمل المصائب. فحينما إشتدت الحرب العراقية-الإيرانية وكثرت الخسائر البشرية للحرب حاول النظام التخفيف عن الشعب برفع شعار “الشهداء أكرم منا جميعاً”. ومع أني لم أفهم معنى كلمة “جميعاً” في هذا السياق إلا أن المعنى كان أسهل فهماً في جواب الجمهور على الشعار حينما تندروا: “الشهداء أكثر منّا جميعاً”. وشاهد موضوعنا اليوم هو الكثرة لأني بعد التعمق في موضوع جدول المحارف وجدت طرقاً كثيرة لترتيب جداول المحارف في الخطوط الرقمية.

الكثرة تغلب الشجاعة

وقد راودني الفضول بعد الإطلاع على ما ذكر عن خط ذي سانز الذي تحدثنا عنه في مقالة سابقة وعن دعمه لمواصفات اليونيكود 5.1 والجدول الطويل العريض الذي نشره مصممو الخط عن المحارف التي يتضمنها ذلك الخط وصرت أفكر بماذا يعني تغطية جدول اليونيكود ولماذا يريد المصمم عمل كل هذه المحارف الكثيرة. لذا قمت ببرمجة صفحات أكسل لتسقيط جداول المحارف المصدرة من الخطوط الرقمية على جداول اليونيكود. وسأحاول من خلال الأشكال التالية توضيح ما قد وجدت في عدد من الخطوط الرقمية المتوفرة لدي.

في البداية قمت بترتيب جداول اليونيكود بحسب ترتيب أهميتها العملية. والجداول مستخرجة من نشرات مواصفات اليونيكود 8.
في البداية قمت بترتيب جداول اليونيكود بحسب ترتيب أهميتها العملية. والجداول مستخرجة من نشرات مواصفات اليونيكود 8.

ولنبدأ بخط جي أس أس تو حيث لاحظت أن صانعو الخط قد حددوا قيمة يونيكود لكل المحارف لذا نرى عدداً مناسباً من المحارف المرمزة في جدول محارف التظهير لعددها في جدول المحارف الأساس.
ولنبدأ بخط جي أس أس تو حيث لاحظت أن صانعو الخط قد حددوا قيمة يونيكود لكل المحارف لذا نرى عدداً مناسباً من المحارف المرمزة في جدول محارف التظهير لعددها في جدول المحارف الأساس.

بالمقارنة نجد أن خط أدوبي عربي لا يظهر نفس العدد المتوازن بالرغم من تضمينه لعدد كبير من المحارف الأساس لكي يتمكن من دعم عدداً من اللغات التي تستخدم الخط العربي كالفارسية والأوردية.
بالمقارنة نجد أن خط أدوبي عربي لا يظهر نفس التوازن بالرغم من تضمينه لعدد كبير من المحارف الأساس لكي يتمكن من دعم عدداً من اللغات التي تستخدم الخط العربي كالفارسية والأوردية. ومرد ذلك أن هذا الخط يستخدم عدداً هائلاً من المحارف الغير مرمزة بقيمة يونيكود ويستدل عليها داخلياً من خلال أسماء المحارف.

إنعدام التوازن يظهر بشكل جليّ في جدول محارف درويد الذي يحاول دعمه لأكثر ما يمكن من اللغات التي تستخدم الخطوط العربية حيث أنه كان خط نظام تشغيل الأندرويد العربي. لذا فإن التغطية كثيفة في مساحة الحروف الأساس وخفيفة في مساحة حروف التظهير. ومثل خط أدوبي عربي، فإن هذا الخط يحتوي على العديد من محارف التظهير الغير مرمزة بقيمة يونيكود والمعرفة من خلال أسمائها.
إنعدام التوازن أكثر وضوحاً في جدول محارف درويد كوفي الذي يحاول دعم أكثر ما يمكن من اللغات التي تستخدم الخطوط العربية حيث أنه كان يوماً ما خط نظام تشغيل الأندرويد العربي. لذا فإن التغطية كثيفة في مساحة الحروف الأساس وخفيفة في مساحة حروف التظهير. ومثل خط أدوبي عربي، فإن هذا الخط يحتوي على العديد من محارف التظهير الغير مرمزة بقيمة يونيكود والمعرفة من خلال أسمائها.

المفاجأة الحقيقية كانت في خط عثماني حفض الخاص بالقرآن الكريم. وترى أن جدول المحارف يغطي مساحة الحروف الأساس كاملاً دون إستثناء أي محرف. وحينما تنظر إلى داخل ملف الخط بواسطة أحد برامج الخطوط الرقمية تجد أن المصمم قام بوضع علامة لربما لتدل المستخدم على عدم وجود المحرف المطلوب في الخط. وهذا غير ضروري في الواقع لأن هذه وظيفة أول محرف في جدول التظهير حيث يقوم محرك التظهير بتسقيط كل الحروف التي لا تقابلها محارف في الخط على المحرف الأول.
المفاجأة الحقيقية كانت في خط عثماني حفض الخاص بالقرآن الكريم. وترى أن جدول المحارف يغطي مساحة الحروف الأساس كاملاً دون إستثناء أي محرف. وحينما تنظر إلى داخل ملف الخط بواسطة أحد برامج الخطوط الرقمية تجد أن المصمم قام بوضع علامة في مواقع المحارف الغير مستخدمة لربما لتدل المستخدم على عدم وجود المحرف المطلوب في الخط. وهذا غير ضروري في الواقع لأن هذه وظيفة أول محرف في جدول التظهير حيث يقوم محرك التظهير بتسقيط كل الحروف التي لا تقابلها محارف في الخط على المحرف الأول.

شرح الأداة

وتتضمن عدة الملفات الملحقة بهذه المقالة جدول الأكسل الذي يقوم بتسقيط جدول المحارف بعد تصديره من الخط بواسطة سكريبت البايثون المعدل الذي عرضناه سابقاً.

هدايا العدد

وبمناسبة عيد الأضحى المبارك أود تقديم بعض الهدايا.  لذا عندي رزمة من الأدوات لمحبي صناعة الخطوط العربية وهي تتعلق بالييونيكود وجدول المحارف وأشياء من هذا القبيل. وتتضمن الرزمة ما يلي:

  1. ملف الأكسل الذي تم توضيحه ليتمكن الباحث في موضوع جدول المحارف مقارنة جداول الخطوط مع جداول اليونيكود.
  2. سكريبت معدل لتصدير جداول المحارف بطريقة تناسب التمارين في هذه التدوينة.
  3. ملف أكسل يحوي الكثير من المعلومات عن جداول اليونيكود.
  4. مجموعة ملفات PDF لمجموعات اليونيكود في النسخة 8 والخاصة بالحروف والمحارف العربية
  5. مجموعة ملفات PDF لجداول محارف مجموعة من الخطوط العربية المختارة.
  6. ملف أكسل يحتوي على قائمة المحارف العربية والتي يمكن تحريرها حسب الرغبة.
  7. ملف أكسل يحتوي على قائمة أدوبي لأسماء المحارف العربية.
  8. ملفات تصيّة () لتوليد جداول خطوط عربية أساسية في برنامج فونتلاب.

كل هذا وأكثر على هذا الرابط

وكل عام وأنتم بألف خير

صناعة الخطوط الرقمية: إعداد جدول المحارف

خارطة طريق الخط الرقمي

تكلمنا في مقدمة هذه السلسلة عن المفاهيم الرئيسة والخاصة بالخطوط الرقمية والأدوات المطلوبة لصناعتها. ولنشرع في الخطوات العملية المطلوبة لصناعة الخطوط الرقمية. وستكون الخطوة الأولى هي ترتيب جدول المحارف والذي يتضمن أسماء المحارف وقيم اليونيكود الخاصة بكل محرف.

ومن المهم أن نتعرف على مجموعتين من المحارف في الجدول المطلوب. المجموعة الأولى هي مجموعة المحارف التي تقابل الحروف التي ترد في النصوص الرقمية  والتي يقوم الحاسوب (عبر محرك التظهير) بترجمتها الى نظام ترميز اليونيكود في حالة إختلاف ترميز النص عن اليونكود. وهذه المحارف تكون ضمن نطاق اليونكود 0600 الى 06FF والخاصة بالحروف العربية ولكل اللغات التي تستخدم الخط العربي (كالفارسية والأوردية والكردية وغيرها). ويضاف الى هذا النطاق نطاقان آخران هما نطاق 0750 الى 077F ونطاق 08A0 الى 08FF (والتي تتعلق ببعض حروف اللغات التي ذكرناها وعلامات التشكيل الإضافية). والمحارف في المجموعة الأولى (0600 الى 06FF) ضرورية لا يصح ملف الخط بدونها. ولهذه المحارف قيّم ترميز محددة في جدول اليونكود المعرف لهذا النطاق. وتكون هذه المحارف نقطة الإنطلاق الى الأشكال المطلوبة للتظهير وحسب تعليمات الأوبن تايب التي سنقوم ببرمجتها لاحقاً في هذه السلسلة.

unicode

أما المجموعة الثانية فهي مجموعة التظهير والتي يسميها نظام اليونيكود: Arabic Presentation والتي تغطي مساحة اليونكود المعرفة ضمن النطاق: FB50 الى FDFF. وفي حين أن تحديد قيّم اليونكود في ملف الخط إجباري بالنسبة للمجموعة الأولى التي ذكرناها سابقاً فإن قيّم اليونيكود المعرفة لهذه المجموعة من المحارف إختيارية ويمكن الإستعاضة عنها بوسائل تعريف أخرى.

وقد قمت بإعداد نشرة جدارية لجداول المحارف الخاصة بالخط العربي في الملف الذي يمكن تحميله من هذا الرابط.

وقد يكون من الصعب بالنسبة للمبتدئ تحديد كل المحارف المطلوبة لصناعة خط ناجح ولذا سأقوم بتوضيح طريقة للإستفادة من عمل الآخرين في بناء جدول المحارف للخط الذي ستقومون به. ولتوضيح كل هذه الأمور قمت بإعداد التسجيل التالي حول إعداد جدول المحارف للخطوط العربية. ويعرض التسجيل طريقة إستخدام سكريبت بايثون يعمل في فونتلاب يساعد في بناء جدول محارف جديد للخطوط الرقمية التي تريدون صناعتها.

ويمكن تحميل سكريبت بايثون تصدير جدول المحارف من هذا الرابط.

صناعة الخطوط الرقمية

مشروع جديد

صناعة الخطوط الرقمية موضوع مركزي أتطرق إليه في هذه المدونة بين حين وآخر. ولعلي تكلمت طويلاً في هذا الموضوع ولم أدخل الى صلب الموضوع وهو طريقة الصناعة الفعلية للخطوط الرقمية من حيث الإجراءات والأدوات والخطوات والإعتبارات العديدة وبهدف صناعة خط فعلي كمثال على الإرشادات. فإن كان لا يزال عندي رصيد في مجال اهتمامكم فعلى بركة الله ولنتوكل على الله ونشرع بصناعة خط رقمي إبتداءاً من الصفر المطلق. (بررررررر)

الفكرة

كلمة “الفكرة” كلمة خفيفة لطيفة ولكنها مهمة جداً حيث أنها الأساس في كل شئ. والفكرة عندي هنا هي تحويل خط طباعي قمت بتصميمه قبل سنين عديدة للإستخدام في برنامج الرسم الهندسي المشهور: أوتوكاد. وقد سميّته “كوفي حديث” في ذلك الوقت. وأقوم الآن بتحويله الى خط رقمي بصيغة أوبن تايب وبإسم جديد هو “بانية” كما ذكرت في التدوينة السابقة.

الأسم الجديد للخط هو بانية وهو التسمية العراقية الشعبية جداً لحبة البامياء التي يحبونها. الشئ الغريب أنا لا أحبها كثيراً. طعمها لذيذ أي نعم ولكن هذه اللزوجة. على كل حال هنيئاً لمن كان غداؤه بانية اليوم.
الأسم الجديد للخط هو بانية وهو التسمية العراقية الشعبية جداً لأكلة البامياء التي يحبونها.  ويأتي الأسم الجديد من ضربات الخط التي تشبه حبة البامياء.

واستوحيت الخط يوم صممته من الخط الكوفي الهندسي. وأظنه يختزن بعض صفات الكوفي الحقيقية على خلاف العديد من الخطوط الحديثة التي تسمي نفسها كوفي لمجرد الطابع الهندسي الذي تتميز به. واستخدام وصف الكوفي في الخطوط الحديثة أمر جدير بالبحث وسأتطرق إليه بشكل معمق في تدوينة لاحقة إن شاء الله.

المنطلق

منطلقنا سيكون من المعرفة المتاحة في تصميم الخطوط الرقمية. وتحديداً فيما يتعلق بتصميم الخط العربي البيسط الذي يتصل كل حرف فيه مع الحروف المتصلة الأخرى عبر الإتصال الأفقي فقط. ومع توافر المعرفة نستطيع التوسع اللاحق نحو تصميم خطوط أكثر تعقيداً وذلك باستثمار أكبر لإمكانيات تكنولوجيا الأوبن تايب.

لربما كان منشأ فكرة الخط العربي البسيط من الآلة الكاتبة الميكانيكية القديمة. ولمحدودية عدد المفاتيح التي يمكن وضعها في لوحة المفاتيح فقد كان تحديد عدد الحروف معياراً تصميمياً أثر على شكل الخط. وقد نقلت محدودية عدد المفاتيح الى تكنولوجيا اللاينوتايب والتي تم من خلالها تصميم خط الحرف العربي البسيط الذي يختصر أشكال المحارف الى إثنين. وبالرغم من أن هذا لم محدداً مع دخول التكنولوجيا الرقمية في مجال الخطوط الطباعية إلا أن الطراز البصري والتصميمي الذي تركته المحددات السابقة تدفعنا الى محاولة إكتشاف إمكانيات بصرية أفضل ضمن هذه المحددات.

مقدمة سريعة

وقد قمت بإعداد العرض السريع في أدناه والذي يوضح بعض النقاط المفيدة التي نتعرف عليها قبل البدء بالعمل الفعلي على المشروع.

ويمكن تحميل العرض من هذا الرابط.

إستعراض البرنامج

تحية طيبة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. لربما تأخرت بعض الشئ على قرائنا الأعزاء في مواضيع جديدة حول الخط والطباعة العربية. ولهم الحق باعتذار منّي فالتأخير كان بسبب الإنشغال وما كان من قلة في المواضيع. وحيث أنّي قد قضيت بفضل الله القدير العديد من إحتياجات العمل والبيت التي شغلتني فقد أصبح الآن في مقدوري إستئناف الكتابة في مواضيع تكون إن شاء الله مفيدة.

وأريد اليوم أن أستعرض سريعاً ما يدور في بالي من مواضيع والتي أسأل الله أن يوفقني الى التوسع فيها في القريب العاجل.

الموضوع الأول: دروس في تصميم الخطوط الرقمية

وهذه سلسلة من الدروس التي أقوم بتحضيرها وذلك من حصيلة ما جمعت من معلومات متوفرة على الإنترنيت مع تطبيقها في تصميم خط رقمي أطلقت عليه أسم “بانية”. وقد ترددت في استعمال الأسم الذي أطلقته على الخط حينما صممته أولاً في نهاية التسعينات من القرن الماضي لبرنامج أوتوكاد حيث كان اسمه حينذاك “كوفي حديث”. وكان الدافع لهذه التسمية في ذلك الوقت هو إنتهائي قبل ذلك من تصميم خط كوفي هندسي تقليدي حيث رأيت وقتئذ أنني يمكن ترجمة بعض خصائص ذلك الخط القديم الى خط حديث وبالتالي جاء الربط بين “كوفي” و”حديث”. ولكن اليوم وبعد أن رأيت العديد من الخطوط الهندسية التي سُميت بهذا الأسم رأيت أن أختار له اسماً أكثر خصوصية. وبعد تفرسي في الخط جاء الأسم من حبة البامياء لتشابه ضربة الخط مع ثمرة البامياء. ثم أضفت الى الطبخة عنصر الفكاهة فصار الأسم “بانية” كما يسميها بعض الناس في حيينا.

كلوا بانية

وسنبدأ الدروس بتوضيح لبعض المبادئ الأولية حيث نتدرج بعدها في الشرح في محاولة لتغطية كافة التفاصيل بقدر ما نستطيع وبتوفيق من الله.

صور لشريحة من عرض حول المبادئ الأولية والأساسية فيما يتعلق بدروس تصمي الخطوط الرقمية.
صور لشريحة من عرض حول المبادئ الأولية والأساسية فيما يتعلق بدروس تصميم الخطوط الرقمية.

الموضوع الثاني: الخط الكوفي القديم

هناك العديد مما يجب أن نعرفه ونتعلمه عن الخط الكوفي القديم. وقد سلب الإستعمار الذي يسيطر على الأمة العربية والإسلامية منذ ما يزيد على قرنين من الزمان تراثاً ثميناً من خلال سرقته للمخطوطات والآثار القديمة. وقد أدى هذا الفصل بين الأمة وتراثها الى جهل عندنا في العديد مما يتعلق بنشوء الخط العربي. وترى أن الكثير من المتخصصين في الخط من العرب يهمل الخط الكوفي القديم لقلة ما هو متوفر له من المعلومات عنه.

هناك وقار عجيب في الخط السامي الذي طوره العرب لكتابة القرآن الكريم. وقار وجمال مفقود في مصاحفنا التي نتداولها أيامنا هذه.
هناك وقار عجيب في الخط السامي الذي طوره العرب لكتابة القرآن الكريم. وقار وجمال مفقود في مصاحفنا التي نتداولها هذه الأيام.

 ولا يزال الخط الكوفي عرضة للسرقة من قاطعي طريق عديدين. ومن أغبى المحاولات التي مررت عليها هو محاولة هذا المتخصص الإيراني نسبة تطوير هذا الخط الى الأمة الإيرانية كما في هذا التسجيل:

ويبدو أنها محاولة متكررة بالية حيث تذكر المتخصصة شيلا بلير (التي كتبنا عنها سابقاً) بأن الصفويين قاموا بجمع الكثير من وثائق الخط الكوفي القديم في محاولة لإضفاء الشرعية  على إنتسابهم الى حضرة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم (راجع كتاب الخط الإسلامي لشيلا بلير في التعليق على الشكل 1.5).

وقد أكتب عن الخط الكوفي القديم عدداً من المقالات إلا أن الكوفي القديم موضوع للعديد من الأنشطة والمشاريع التي أحضر لها في الوقت الحالي.

 الموضوع الثالث: توماس ميلو

تحيرت أنا في هذا الشخص. فقد قرأت له مقالات أعجبني فيما قاله فيها عن الخط العربي خاصة حينما قارنت ما قال مع كانت تكتبه المصممة نادين شاهين الذائعة الصيت والبارعة في تصميم الخطوط القبيحة. ولكن بعد التدقيق فيما يكتبه ويقوم به توماس ميلو (وهو العقل المدبر لأداة “تصميم”) وجدته مستشرقاً يشتعل في صدره غلاً لا أجد له تفسيراً إلا أن يكون هو أيضاً من الحاقدين.

ومثال على ذلك هو نظرته المستنكفة لإبراهيم متفرقة الذي قام بصناعة أول خط طباعي عربي بواسطة الحروف المعدنية المتحركة. ويصف ميلو إبراهيم متفرقة بأنه الهنغاري الخائن (لأنه تحول من المسيحية الى الإسلام) ويعتبر أعماله محاولات غير ذات تأثير كبير في حين أن الهنغاريون أنفسهم قد أكرموا إبراهيم متفرقة أو على الأقل قام بذلك هنغاري واحد منهم كما نرى على هذا الرابط. وقد قام توماس ميلو باختراع شخصية أخرى أحب الى نفسه من متفرقة وهو الأرمني أوهانيس مهندس أوغلو ونسب إليه الإبداعات والإبتكارات ولكنك حينما تبحث عن مهندس أوغلو هذا على الإنترنيت يعود بك الرابط في كل مرة الى توماس ميلو حيث لم يذكر هذه الشخصية أحد سواه.

شخصية حقيقية أم ماذا؟ يدعي توماس ميلو أن هذه صورة لشخص قام بتطوير حروف طباعية ألهمته لصناعة برنامج تصميم. وهو أرمني كان يعمل لدى السلطان العثماني. حينما تبحث عنه على الإنترنيت لا تجد سوى ما يذكره توماس ميلو عنه.
شخصية حقيقية أم ماذا؟ يدعي توماس ميلو أن هذه صورة لشخص قام بتطوير حروف طباعية ألهمته لصناعة برنامج تصميم. وهو أرمني كان يعمل لدى السلطان العثماني. حينما تبحث عنه على الإنترنيت لا تجد سوى ما يذكره توماس ميلو عنه.

ومع ذلك فنحن بدورنا لا ننكر لتوماس ميلو دوره في خدمة الحرف العربي وفي الإبتكار والكشف عن إمكانيات طباعية مهمة. وسأحاول أن أناقش الفكرة التي اقترحها ضمن إطار عام لما يمكن أن يكون عليه التصميم الطباعي الحديث للخط العربي.

طور توماس ميلو أداة تصميم والتي تعمل داخل برنامج إنديزاين. وتمكن هذه الأداة استعمال خط نسخ يحاول أن يحتفظ بقواعد خط النسخ بأكبر قدر ممكن.
طور توماس ميلو أداة “تصميم” والتي تعمل داخل برنامج إنديزاين. وتمكن هذه الأداة . استعمال خط نسخ ويحاول أن يحتفظ بقواعد خط النسخ التقليدي بأكبر قدر ممكن. وترى من الرسم أن الحروف المفردة تشكل من عدة مقاطع لتعطي إمكانية أكبر في تشكيل الحرف العربي بحسب موقعه من الكلمة كما يفعل الخطاط العادي.