رسالة ماجستير: تايتس نيميث

قد تعجب من المصممين الطباعيين العرب ممن لا يجدون في أنفسهم حباً أو إعجاباً للغة العرب نفسها ويتعاملون مع العربية وحروفها كنوع من أنواع الإزعاج الذي لا بد من معالجته. وسوف تتعجب أكثر حينما تعلم أن طليعة المصممين في سوق الحروف العربية من هذا الفصيل. فهذه المصممة الطباعية ترى أن العربية معقدة وتعقيدها يجعل تعلمها صعباً وما الأميّة المتفشية في العالم العربي إلا بسبب صعوبة اللغة العربية نفسها. وأخونا المصمم الطباعي هنا يرى أن العربية معقدة ومن الأجدى تبسيطها بحروف مقطعة ولو يكون إتجاه الكتابة من اليسار الى اليمين فسيكون الأمر أحسن. والمقالتان المشار إليهما بالإنجليزية بالطبع. فالعربية بالنسبة لهؤلاء غير جديرة بالإستعمال. والطريف أيضاً أن قراء مدونات هؤلاء يرون أن من لا يتفق معهم لم يصل الى الدرجة الثقافية ليناقش أفكارهم كما ورد في ملاحظات التدوينة الأولى المشار إليها. وربما يتبدد تعجبك من موقف هؤلاء حينما تعرف الخلفية التاريخية التي جاؤا منها، والتي تمثل الى حد كبير تاريخ الطباعة العربية نفسها.

في مقابل هؤلاء يقف الأجنبي تايتس نيميث (Titus Nemeth) مشدوها أمام أرث الحرف العربي. ويرى في الموروث الخطي العربي حلولاً لمشاكل الإخراج الطباعي العربي الحديث الذي يعاني من العديد من المشاكل. كما يرى ان وضع العربية في قوالب أساليب الطباعة الغربية أفقدها الكثير بدلاً من أن يغنيها. وقد رأيت أن أستخلص من رسالته بعض الأراء المفيدة التي قد ينتفع منها جيل المصممين الطباعيين ممن يحبون العربية ويطمحون الى إظهارها في أحسن وجه طباعي ممكن.

تايتس نيميث نمساوي يعيش في باريس

في القسم الأول من رسالته المسماة “The current state of Arabic newspaper type and typography” يتطرق تايتس الى أصل مشاكل تصميم الصحف العربية، بل إلى أصل مشاكل الحياة العربية كلها وهي إنعدام الحريات. ويشير الى أن مشهد الصحف في الدول العربية يتسم بخصائص الملكية الحكومية وتقييدات على حرية الصحافة والأنشغال بالصراع الدولي في الغالب. ويتنبأ تايتس مع وجود الطلب على إعلام مستقل كما هو ظاهر من نجاح بعض القنوات المتسقلة كقناة الجزيرة الفضائية. ومع تنامي وسائل الإعلام الدولي كالفضائيات والإنترنيت ستتضائل القدرة على السيطرة على الإعلام وبالتالي تسقط التقييدات عليها.

وفي القسم الثاني يتطرق الباحث (تايتس) الى المصادر التي بنى دراسته عليها. وفي هذا القسم ما هو يفرح وما هو يحزن. والمحزن فيها هو عدم وجود أي مصدر عربي من بين ما اعتمد عليه الباحث. وهذا ليس من ناحية عدم قبوله للمصادر العربية وإنما من عدمها أبتداءً. والمفرح فيها هو الرد العلمي على “أهل الطباعة” المذكورين أعلاه. ويصفهم الباحث بالإختزاليين لأنهم يرون الحروف العربية بالمقارنة مع اللاتينية معقدةً لذا يجب اختزالها لاستخدامها في التطبيقات الطباعية الحديثة. وفي مقابل الإختزاليين حدد فئة ثانية أسماهم العلميين وهم مجموعة الباحثين الذين يحاولون معرفة خصائص الحرف العربي دون ربطها مع طريقة طباعية معينة ومحاولة إيجاد أفضل طريقة ممكنة لتمثيلها. وهو يشيد برموز هذه المجموعة الممثلين بتوماس ميلو (Thomas Milo) ومحمد زكريا وفايونا روس (Fiona Ross). ويركز الباحث على توماس ميلو الذي اقترنت أبحاثه بتطبيقات عملية كبرنامج تصميم الذي يعد واحداً من أكثر التقنيات تقدماً لإظهار الحروف العربية. وفي المقابل يشنع على قائدة الإتجاه الإختزالي ويصفها بجهل الخصائص الحقيقية للكتابة العربية مع جهل بالإمكانيات التكنولوجية الحديثة في ذات الوقت.

أمكانيات طباعية متقدمة في برنامج "تصميم"

وفي القسم الثالث من الأطروحة يشرح الباحث منهجيته في تقييم التصميم الطباعي للصحف العربية. وتعتمد طريقته على جمع عدداً من الصحف العربية وتقييمها على أسس تصميمية معينة. وقد قام بجمع 43 صحيفة عربية من عدة دول عربية وغير عربية. وقد صنف الصحف في قاعدة بيانات الكترونية مع تثبيت الخصائص التصميمية لكلم صحيفة في قاعدة البيانات. وقسم الخصائص التصميمية كالتالي:

  • التعريف (أسم الصحيفة، الدولة، اللغة، تاريخ الصحيفة)
  • الوصف المادي (نوع الورق، أبعاد الصحيفة، الألوان، طريقة الطباعة، …)
  • تصميم الصفحة (وجود رقم الصفحات، العناوين، عدد الأعمدة، الأساليب الصحافية كالإقتباسات، …)
  • التصميم الطباعي

والنقطة الأخيرة هي الأهم في هذه الرسالة لذا سنستعرض تفاصيل هذه النقطة فيما يلي.

التصميم الطباعي للصحف العربية

  • الحرف الطباعي: ويشير الباحث الى قلة الحروف الطباعية المستخدمة في الصحف العربية. فمن بين الـ43 صحيفة في عينة الدراسة استخدم 33 منها حرفاً طباعياً متماثل وهو حرف ياقوت من شركة لاينوتايب. ويقول الباحث أن تصميم هذا الحرف كان يعتمد على تقنية الطباعة في منتصف القرن العشرين حيث محدودية عدد المفاتيح المتوفرة على جهاز اللاينوتايب. ومن جانب آخر فإن الشكل المتين للحروف يعود لضرورة أخرى تتمثل في استخدام الطبعة المعدنية التي لا بد لها من تحمل ضعطاً قدرة 300 طن وحرارة قدرها 200 درجة فهرنهايت. وبالأخذ في الأعتبار هذه النواحي يقول الباحث أنه من التناقض أن تنقل هذه التصاميم الى الترميز الرقمي (المتمثل بملفات الفونتات الحديثة) لتستخدم اليوم في أسلوب الأوفست العالي الدقة.(قارن هذا مع تدوينتنا حول حرف ياقوت). ويضيف الباحث بأنه وبالرغم من هذا فقد أصبح هذا الحرف النموذج الأساس لتوليد الحروف الطباعية الحديثة ويذكر حروف الويندوز في هذا الصدد ثم يخلص الى أن الكثير من المطبوعات أصبحت متشابهة وأخفقت في الحصول على الشخصية البصرية المتميزة.
الصحف العربية لا يمكن تمييزها عن البعض من تصاميمها
  • تنضيد النص (justification): يشير الباحث الى أن جميع الصحف في العينة تستخدم التنضيد المرصوف من طرفين (justified). ولعل الباحث يبتعد عن منهجه هنا قليلاً من حيث عدم المقارنة مع الطباعة بالحرف اللاتيني ليعتمد أسس رصف النصوص المطولة بالحروف اللتينية كمرجعاً لملاحظاته عن تنضيد النص العربي. إلا أن ملاحظاته جديرة بالإهتمام فيما تعلق بالتنضيد لتعلق أكثر المنضدين بالنص المرصوف. (أستطيع تخيل تايتس يقع على الأرض من الضحك – مثلما فعلت زوجتي يوم سمعت بفكرة “أسلاطين”- حينما يرى تقليعة التنضيد المتوسط التي استحوذت على أغلب نصوص الأنترنيت العربي)
ولع المدونات العربية بالتنضيد المتوسط
  • معالجة الفقرة الأولى من النص (بالسطر الزاحف): ومثل الولع بالتنضيد المتراصف على الجهتين يشير الباحث الى التقليد الثابت في كل صحف عينة الدراسة من حيث السطر الزاحف في أول كل فقرة من فقرات النص. ويقول أنه بالرغم من فائدة هذا الفراغ في إبراز بداية الفقرات إلا أنه في نفس الوقت يحدث فراغاً في النص مما يضعف التأثير البصري وهذا خاصة في الأعمدة الضيقة. ويشير الباحث هنا الى ضعف المصمم الطباعي العربي في توظيف الفراغ لصالح التعبير البصري.
  • الحروف المائلة: يعتبر الباحث الحروف المائلة والحروف القوية من خصائص التصميم الطباعي بالحروف اللاتينية. وقد أختلف معه بخصوص الحرف القوي (bold) ألا أنني أتفق معه مئة في المئة بالنسبة لميلان الحرف. ولا أدري كيف يستطيع مصمم طباعي قبول الحروف العربية التي تميل عكس اتجاة الكتابة. بالنسبة لي هذه خطيئة طباعية لا بد أن نتركها.
الحروف المتقهقرة (قه قه قه)
  • وجود الحرف اللاتيني المرافق: يشير الباحث الى ما يظهر في النصوص العربية من الحروف اللاتينية الغير متناسبة مع النص. ويستطرد في توضيح هذه المشكلة التي لها حل بسيط في نظري من حيث أمكانية اختيار الفونت اللاتيني المناسب. المهم أن يراعي المصمم الطباعي القيمة البصرية للحرف اللاتيني المستخدم وعدم ظهوره بشكل ناشز وذلك من خلال تصغيرة على سبيل المثال.
  • الأرقام اللاتينية: يسميها الباحث أرقام لاتينية ونسميها نحن الأرقام العربية جهلاً. تقليداً أخذناه دون تفكير من الأجانب الذين يسمون الأرقام العشرية بالأرقام العربية لتمييزها عن الأرقام التي يسمونها لاتينية (I, II, III, IV, …). ومهما يكن الأمر فنحن لم نتجشم عناء تكييف طريقة رسمها للتناسب مع رسم الحروف العربية حيث تظهر هكذا بطابعها اللاتيني نشازاً. خطيئة أخرى تستوجب التوبة.

    أنحزن لشكل العنوان أم لمضمونه؟

ويستعرض الباحث مجموعة أخرى من الخصائص التصميمية المهمة في رسالته. وياليت لي الوقت لترجمتها كلها. والرسالة في عمومها جديرة بالقراءة من المصممين الطباعيين العرب. ولا أزعم بأن كل ما جاء به تايتس صحيحاً إلا أنني أتفق معه في الكثير مما جاء به.

مستوى تصميمي في تراثنا يمكن التعلم منه - الصفحة من مصحف أندلسي