ضربة الخط

ضربة الحظ

كان الحديث عن ضربة الخط في المقالة السابقة مقدمة للدخول في شرح الأداة الجديدة التي أقوم بتطويرها عبر تقنيات برمجة الإنترنت والتي أسأل الله أن يوفقني لإنجازها في الأشهر القليلة القادمة لتفرغي بعد التقاعد من عملي الإداري الذي مكثت فيه ما يقارب العقدين من الزمان. وكما ذكرت في المقالة السابقة أني تريثت في العمل على الأداة الجديدة لأجل زيادة معرفتي من خلال البحث باستخدام الموارد المتاحة على الإنترنت. وبتوفيق الله عثرت على معلومات كثيرة ومفيدة  تتعلق بالتوصيف الكمّي للخطوط في الحواسيب والتي سأحاول أن أنتقل إليها في هذه المقالة. ولذا فإن عنوان هذه الفقرة ليس خطأً مطبعياً وإنما كانت فعلاً ضربة حظ عن ضربة الخط بتوفيق الله.

وسأحاول أن أقدم بعض الجوانب التي تعلمتها عن ضربة الخط كمقدمة الى فكرة “التمثيل الكمي” لضربة الخط العربي عبر سلسلة من الأشكال التوضيحية كما دأبنا في المقالات السابقة:

strokedirectionvspressure
تلخيصاً للمقالة السابقة نستطيع القول بأنه فيما يتعلق بطرق إستحداث التباين في ثخن الخط، ربط الباحث جيريت نوردزي بين تباين ثخن الخط والمسار  في حالة القلم ذي السن العريض وبينه وبين الضغط في حالة قلم السن المستدق. وذكر بأن السن العريض هي الأداة المفضلة في الخطوط الأوروبية القديمة حتى جاء القلم ذو السن المعدني المرن والمستدق ليحدث نمطاً خطاطياً جديداً في عصور لاحقة.
typesofstrokes
ولو حاولنا تطبيق الفكرة التي ذكرها الباحث نوردزي والتي حاولت تلخيصها في المقالة السابقة نرى أن ما يخص الخط العربي هو فقط عامل التغير في إتجاه القلم (1 في الصورة) مع شئ من التغير في زاوية سن القلم (2 في الصورة). أما عامل الضغط على سن القلم فلم يكن مرتبط بتطور الخط العربي لا من قريب ولا من بعيد.
nibshapeonpath
ولربما يكون من المناسب أن نذكر بعض الخصائص الجمالية لإستخدام قلم الخط ذي السن العريض. ففي الشكل التوضيحي الذي تم رسمه ببرنامج الإليستريتور نرى في المثال أسفل الشكل الخط الناتج عن قلم ذي سن عريض ويبدو أن هذه النتيجة كانت مرغوبة ولذلك استخدم القلم ذو السن العريض (والذي كان غالباً ما يصنع من القصب) للكتابة في غالب الثقافات القديمة وكان هو المفضل في الخط العربي عبر مراحله التاريخية ولحد اليوم. وهذا بالرغم من أن بدايات قلم القصب كانت بالسن المستدق والذي يحدث الضربات التي تشبه ما في المثال الأول (مع شئ قليل من المبالغة في حجم السن) في أعلى الصورة. والفرق الجمالي بين المثالين واضح.
pendirection-arabic
وقد تم تطوير الأداء الجمالي لضربة الخط في الخط العربي عبر المراحل التاريخية ليبلغ مرتبة عالية تروق لعين الأعجمي قدر ما تروق لعين العربي. ونرى في الصورة التي تمثل نموذجاً من خط الثلث العثماني أن التباين في ثخن الخط يتحقق تبعاً لمسار القلم مع شئ من التباين الناتج من التغير في زاوية سن القلم عبر مسار الضربة. وتساعدنا شفافية الحبر في هذا المثال في تعقب التغير في زاوية سن القلم وذلك من أثر الخطوط المستعرضة لضربات الخط في هذا المثال.
penchangedirection
إن تغيير زاوية سن القلم أثناء عمل الضربة مهم في الخط العربي وهو الذي يضفي على الخط العربي شخصيته المتميزة. ولربما كان تغير زاوية سن القلم في خط النستعليق أكثر أهمية مما هو في الخطوط العربية الأخرى لتحقيق الفرق الواضح في ثخن الخط عبر مسار لا يتغير إتجاهه كثيراً كما في الإمتداد الأفقي في هذا المثال. ونرى عند الموضع المؤشر بالأسهم المزدوجة البيضاء أثر تدوير سن القلم من خلال فرك القلم حيث نستطيع ملاحظة التدرج في تغيير زاوية سن القلم لتحقيق الزيادة في ثخن الخط في تلك النقطة من ضربة الخط.

دروس الخط للحواسيب

وننتقل الآن الى الجزء الثاني من مقالة هذا اليوم وهو ما يتعلق بما سميّته بالوصف الكمّي لضربة الخط العربي. وقد تعرفت خلال بحثي على عمل عالم الرياضيات والحواسيب الأمريكي دونالد كانوث (Donald Knuth) الذي عمل على “تعليم الحواسيب كيفية الكتابة” حسب قوله. وقد كان مهتماً في منتصف السبعينات بتصميم الخطوط وكتابة برامج الحاسوب التي يمكن من خلالها عمل التصميم الطباعي وإنتاج المطبوعات بمستوى جمالي مقبول. فقام باختراع شئ إسمه الميتافونت (Metafont) لوصف الخطوط الطباعية للحواسيب على أساس المعادلات الرياضية المضمنة في الشفرة البرمجية وكما في المثال التالي:


mode_setup;

% parameters are name, width, height over base line,

% depth below base line
beginchar ("a", 9pt#, 12pt#, 0);
alpha:=0.65;
beta:=0.24;

% define points
x1 = 0; y1 = 0.8*h;
x4 = w; y4 = 0.2*h;
y2 = h; y3 = 0;
x2 = (alpha-beta)*w;
x5 = alpha*w;
x3 = (alpha+beta)*w;
y5 = 0.5*h;
x6 = 0; y6 = 0.3*h;
x7 = 0.2*w; y7 = 0;
x8 = x5; y8 = 0.2*h;

% define pen
pickup pencircle xscaled 0.2w yscaled 0.04w rotated 30;

% draw
draw z1{dir 30}..z2{right}..z5{down}..z3{right}..z4{dir 30};
draw z5..z6{down}..z7{right}..z8;
penlabels(1,2,3,4,5,6,7,8);
endchar;

end</pre>

والشفرة المصدرية (البرمجية) في أعلاه تنتج الحرف الأول على اليمين في الشكل التالي:

metafont
تعتمد طريقة دونالد كانوث على لغة برمجة لتعريف أشكال الحروف. وفي الشكل نرى مقارنة بين حرفين تم تكوينهما عبر الشيفرة البرمجية. ونلاحظ في الحرف الأول على اليمين أنه يمثل الشكل الناتج عن تحرك قلم بسن عريض بينما يمثل الحرف الثاني على اليسار طريقة التغير في ضغط سن القلم على التباين في ثخن الضربة المكونة لشكل الحرف. وعمل دونالد كانوث يعكس ذات الأساس الذي حدده جيريت نوردزي لضربات الخط المكونة للحروف. ومن المهم أن نذكر بأن هذه الطريقة تناسب العلماء الذين يتندرون بينهم بالمعادلات الرياضية ولا تنفع البشر العاديين أمثالنا.

وقد تزامن عمله مع عمل المخترع الألماني بيتر كارو (Peter Karow) الذي كان يطور طريقة أخرى لخطوط الحواسيب والتي تعتمد على وصف الحدود الخارجية للحرف والتي أصبحت الأساس لخطوط الحواسيب الحديثة للسهولة والمرونة التي توفرها هذا الطريقة بالمقارنة مع طريقة الوصف الرياضي للباحث دونالد كانوث ولكن مع خسارة جوانب مهمة سنقوم بالتعرف عليها عبر سلسلة الأشكال التالية.

Ikarus_Outline_Description
يمثل هذا الشكل طريقة وصف أشكال الحروف بواسطة الخطوط المتصلة والمغلقة (مغلق بمعنى إتصال أول الخط بآخره كما في العقد المغلق). ويمكن وضع الأشكال المغلقة الواحدة بداخل الأخرى لتمثيل عيون الحروف كما في حرفي الـ a والـ b في الصورة. ويتم تمثيل هذه الخطوط بالأرقام في الفراغ الإحداثي وبالتالي هي تعتبر من رسوم الفيكتور (Vector) والتي يمكن تكبيرها وتصغيرها دون تشوه الشكل. وطريقة بيتر كارو التي سماها إيكاروس (Ikarus) هي التي أدت الى البوستسكريبت والأوبنتايب. وبالرغم من مزيايها التصميمية إلا أنها لا تعدو أن تكون صورة للحرف ولا تختزن المعلومات التي تمكّن الحواسيب إنتاج هذه الحروف ذاتياً دون إنتاج الصورة المخزونة والمعرفة بحافاتها.
postscript
أطلقت شركة أدوبي لغة البوستسكريبت (Postscript) في عام 1985 وتزامن الإطلاق مع شيوع الحواسيب الشخصية وتطور الطابعات الليزرية. وتم إستخدام البوستسكريبت لتمثيل الحروف الطباعية والذي أعقبه بعد فترة قليلة نظام التروتايب. والنظامان يقومان بوصف أشكال الحروف بواسطة الخطوط والمنحنيات والنقاط الإحداثية لتمثيل حافات الحروف الخارجية كما هو الحال في نظام الإيكاروس السابق لها. وبالتالي هي الأخرى تمثل صورة الحرف دون الأخذ بنظر الإعتبار الطريقة التي يتم تكوين بها شكل الحرف. والمقصد هنا يتعلق بأساس أو تاريخ تطور شكل الحرف الذي ثبت بحكم ما يسموه في علم الحديث الشريف بالتواتر – إن جاز لنا الإقتباس -. وتاريخ تطور شكل الحرف مرتبط بالأداة التي تم تشكيل الحروف بواسطتها والذي يهمنا منها هو القلم (أو تحديداً سن القلم).
fontlab
وآلت طرق تعريف الخطوط الطباعية الى مواصفات الأوبنتايب التي تبنتها أكثر شركات الحواسيب والبرمجيات. وساعد نشر موصفات الأوبنتايب في خلق صناعة جديدة مجالها برمجيات صناعة الخطوط الرقمية مثل فونتلاب وربوفونت وجليفس. ومع تزامن توافر المعرفة المجاينة عبر الإنترنت وبنوعية مقبولة أصبحت إمكانية مشاركة قطاع واسع من المهتمين في هذه الصناعة التي كانت قبل ثورة المعلوماتية حكراً على الشركات الصناعية والأكاديميات البحثية المتخصصة.
robofontnibsimulator
وبالرغم من أن الأساس في تكنولوجيا الخطوط الرقمية الشائعة هو تعريف أشكال الحروف عن طريق حافاتها الخارجية إلا أن بعض أدوات تصنيع الخطوط الرقمية كبرنامج ربوفونت قامت بتوفير إمكانية بناء أشكال الحروف بموجب الأساس الخطاطي. وفي الصورة نرى إمكانية تشكيل الحرف من خلال ما يشبه إستخدام القلم من حيث مسار الخط وزاوية وعرض سن القلم. والخط المحوري الموازي لإتجاه ضربات الخط في الصورة يمثل مسار القلم في حين أن الخطوط القصيرة المستعرضة على المسار تمثل طبعة سن القلم وتبين الزاوية والعرض الثابتين عبر المسار.
letterinkapp
وترينا هذه الصورة تطبيق إضافي على برنامج صناعة الحروف الرقمية جليفس (Glyphs) يسمى ليترنك (Letterink). وهو أيضاً يوفر إمكانية محاكاة تأثير قلم الخط ذي السن العريض ولكن على خلاف الأدوات الذي ذكرناها في أعلاه يمكن هنا تعديل نقاط التحكم في زاوية وعرض القلم بشكل مباشر ورؤية تأثير التعديلات على شكل الحرف بشكل مباشر.
khatnaskh
ولا يزال المجال مفتوحاً لتمثيل ضربات خط القلم العربي في تكوين أشكال المحارف. ولعلي لم أطّلع على محاولة في هذا المجال باستثناء محاولة توماس ميلو في برنامج تصميم. ومع أنه لا يعتمد على مبدأ المعايير القابلة للتعديل – كما هو الحال في الأمثلة التي ذكرناها هنا – إلا أنه يحاول بناء شكل الحرف الواحد برسم ضربات الخط التي تشكل الحرف ولربما يستخدم خاصية التجميع والتفكيك المقابلة لما هو موجود في مواصفات الأوبنتايب – التي لا يعتمدها – لتظهير الخط في برنامج الإنديزاين الذي هو البرنامج الوحيد الذي يدعم خطوط توماس ميلو. وبهذا فإن محارف خطوط برنامج تصميم لا تعدو أن تكون صورة الحرف ولا تحتوي معلومات لمحاكاة الأداة الخطاطية والأساس الخطاطي الذي طالما نادى توماس بضرورة إعتماده.

وختاماً أتمنى أن يكون هذا السرد المقارن بين طريقتين مهمتين في وصف الخطوط الرقمية قد شحذت إهتمامكم بالموضوع. وأتمنى أن أتمكن من عرض بعض الأمثلة عن الأداة التي أقوم بصناعتها لتمثيل الخط العربي. ومع أني لا أدعي أنها ستكون ذات فائدة في تكوين محارف الخطوط العربية الرقمية إلا أنني أتمنى أن تكون خطوة في تعليم الحواسيب أسس رسم الخط العربي.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

Advertisements

خصائص الخط الحجازي

بعد أن قمنا بتوضيح الأدوات والمواد المستخدمة في رسم المصاحف الحجازية بقي لنا أن نستعرض خصائص الخط الحجازي كخطوة أخيرة في سلسلتنا عن الخط الحجازي. وسيجد بعض القراء ثقلاً في هذه المقالة لما تحويه من الخصائص الفنية التي لا تروق في الغالب إلا للمتخصصين فأرجو المعذرة ممن ليس لهم فضول في معرفة تفاصيل قد عفى عنها الدهر وأصبحت شيئاً من الماضي.

ولقد أمضيت عدداً من الأشهر خلال هذه السنة في دراسة الخط الحجازي وتعلمت بعض الحقائق اللطيفة عنه. وبالرغم من أهمية هذا الخط فيما يتعلق بجذور وأصل الخط العربي فإن المعلومات المتوفرة عنه قليلة (وخاصة بالعربية) والإهتمام به قليل (وخاصة عند العرب).  ولا أدّل من ذلك إلا هذا الفلم الوثائقي الذي ظهر على قناة الجزيرة الوثائقية منذ فترة وهو مليء بالأخطاء التاريخية والفنية فيما يتعلق بالحرف الحجازي.

وظاهرة قلة المعرفة بالخط الحجازي لها أسباب، نذكر منها صعوبة قراءة النص لغرابة شكل الحروف في نصوص المخطوطات الحجازية عمّا يعرفه ويألفه القارئ العربي المعاصر هذا بالإضافة الى ضياع النسخ الأصلية للمخطوطات الحجازية من بين أيدي أهلها حيث آل أكثر المخطوطات الى الجامعات والمتاحف الأجنبية. وأخيراً نذكر سطوة الخطوط العربية المتأخرة – وخاصة الخطوط العثمانية كالثلث والنسخ، والفارسية كخط التعليق – على الخطوط القديمة وذلك للفارق في المستوى الجمالي والتجويد في الصنعة الذي تتمع به الخطوط المتأخرة.

وسأحاول أن أعرض خصائص الخط الحجازي من خلال الرسوم والصور التوضيحية واعتماداً في الغالب على المصادر الغير عربية. وسأجتهد بعون الله في أخذ المفيد والصحيح من تلك المصادر حيث لا بد من التعامل معها بنظرة فاحصة وناقدة لكونها تمثل نظرة غربية وأحياناً غريبة عن الثقافة العربية. ولا بد هنا من الإشارة الى موقع مميز وموسوعي أقامه بعض الباحثين للرد على الشبهات والتشويهات التي تأتي من المصادر الغربية وهو موقع Islamic Awareness.

booktodisplay
تطور شكل حروف الخط الحجازي أساساً لغرض صناعة مصاحف الرق المجلدة (كما في الصفحة على اليمين) تحديداً بعد وفاة الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم. إلا أن نمط الخط الحجازي ساد ليستخدم في عموم الكتابة والإستخدامات العملية الأخرى. ونرى في الصورة على اليسار حجر الأساس لسد في الطائف بني في عهد معاوية بن أبي سفيان وقد كتب عليه بالخط الحجازي المماثل لخط المصاحف.
yabis-layyin
الخط الحجازي مبني على ما كان يسميه العرب يومذاك خط الجزم. وخط الجزم في مجمله يصف طريقة رسم الحروف وكان يكتب على شكلين. الشكل الأول هو الخط الجاف ونستطيع القول بأن الخط الحجازي يعتبر من أوائل الخطوط الجافة (حيث أعقبه الخط الكوفي). والخط الثاني هو اللين والذي كان يمثل الكتابة اليدوية. وفي الصورة مقارنة بين الخط الحجازي الذي يمثل الخطوط الجافة -على اليمين- وكتابة بيد والي من ولاة مصر إسمه شريك بن قرّة -على اليسار- والذي يمثل الخطوط اللينة. وفي الغالب تعود هاتان المخطوطتان الى نفس الفترة التاريخية. والخطوط الجافة تتميز بطابع هندسي وزوايا حادة حيث أنها كانت محاولة في إضفاء صفة السمو والمرجعية الى الخط الذي كان يكتب به كلام الله في مصحف. أما الخطوط اللينة ذات الضربات المنحنية فكانت تستخدم في المعاملات ككتابة العقود والمراسلات وما شابه ذلك. وقد استمر الخطاطون يكتبون المصاحف بالخط الجاف بأنماطه الحجازي ثم جاء بعده الخط الكوفي فالكوفي المشرقي والخط المغربي الى فترة طويلة من الزمن. ثم سادت الخطوط اللينة في كتابة المصاحف في القرن الرابع الهجري (التاسع الميلادي) على يد خطاطي بغداد من أمثال إبن مقلة وياقوت المستعصمي وابن البواب.
density
ولنستعرض خصائص الخط الحجازي إبتداءاً من الصفحة. وأحب أن أنوه الى أننا سنرى أن لكل مثال نقدمه عن الخط الحجازي له مثال يضاده تقريباً. فمثلاُ نرى أن أغلب صفحات المصاحف التي كتبت في فترة الخط الحجازي كانت كثيفة من حيث صغر الهوامش وتقارب المسافات بين السطور الى درجة تلامس أطراف الحروف العالية كالألفات واللامات مع قاعدة السطر الذي فوقه. كما أن الحروف ذوات المقاطع المتدلية وخاصة حرق القاف تخترق مسار الكتابة في السطر الذي هو أسفل منه. وخير ما يمثل ذلك النموذج علي يمين الصورة. ومع أن كثافة الكتابة هي الصفة العامة والمتولدة عن الحاجة العملية في جمع نص القرآن الكريم كاملاً في مجلد واحد، إلا أننا نجد أمثلة أخرى تحمل صفات مغايرة كنموذج المصحف على اليسار في الصورة. ونرى في هذا النموذج أن الأسطر متباعدة مع ترك مسافة للهوامش.
spacingandalignment
وقد كان لخطاطي المصاحف الحجازية طريقة في ضبط تناسق الكلمات على السطور. ومن هذه الطرق التي تميز الخط الحجازي هو توازن الفراغات بين مقاطع الكلمات وبضمنها ما بين الكلمات. ويبدو أن مفهوم المسافة الفاصلة بين كلمتين عند الكتابة لم تكن معروفة في ذلك الوقت. وهذا ينطبق على كتابة بعض الأمم الأخرى كاللاتينية. ولذا فإننا نرى في مصاحف الخط الحجازي أن المسافة تكون بين المقاطع المنفصلة وإن كانت ضمن حدود الكلمة الواحدة عند الحروف التي لا تتصل مع الحروف التي تليها كحروف الألف والدال-ذال والراء-زاء والواو. ونرى هذا التوازن في عموم صفحات المصاحف الحجازية كما في المثال الذي على يمين الصورة. وقد يصل هذا الأسلوب ذروته كما في المثال في وسط الصفحة حتى لكأنك تستطيع تسقيط مشبك يضع كل مقطع من مقاطع كتابة هذه الصفحة في خانتها لتجانس المسافات بين المقاطع وتباعد المقاطع عن بعضها البعض. أما المثال الذي على يسار الصورة فيمثل أسلوباً آخر يتبعه خطاطوا المصاحف الحجازية وهو محاذاة الحروف العالية كالألف واللام عمودياً عبر سطور الصفحة كما هو واضح في الجزء المضيء في المثال. وهذه المحاذاة كانت تطبق على الحروف المدورة كالميم والفاء والقاف والهاء المنفصلة حيث يحاول الخطاط رصفها عمودياً متى إتيحت له الفرصة وخاصة في بدايات السطور.
orientation
بقي أن نذكر أن المصاحف الحجازية كانت ذات قطع عمودي أو طولي ومعظمها بحجم يقارب حجم ورق الـ A4 الحديث. ويعكس هذا الإتجاه الجانب العملي في صناعة المصاحف الحجازية حيث لم يكن الجانب التجميلي قد أخذ مأخذه في فترة صناعة المصاحف الحجازية. ومع تنامي الرفاهية في المجتمع المسلم في فترة الإدارة الأموية والعباسية تحولت صناعة المصاحف الى حرفة ذات مستوى عالي في الجانب الجمالي والذي تبعه إستخدام القطع العريض الذي شاع في فترة المصاحف الكوفية التي جاءت بعد فترة المصاحف الحجازية. وكما ذكرنا فإن لكل قاعدة من قواعد الخط الحجازي نقيضها فأن المثال على اليسار في الصورة يثبت لنا أن القطع العريض استخدم شيئاً ما في عمل المصاحف الحجازية، إلا أن ذلك ربما كان من النوادر.
tooleffect
يستطيع المتفحص لصفحات المصاحف الحجازية معرفة الأداة والمواد المستخدمة في صناعتها. فترينا ضربات الخط من حيث طريقة رسم الحروف أن الخط قد تم رسمه بواسطة قلم ذو سن عريض. ونستطيع أيضاً تخمين بأن السن لم يكن مشطوفاً كما في أقلام الخط التي جاءت فيما بعد وذلك من زاوية ميل نهايات الإمتدادات العمودية والأفقية كذلك. حيث أن هذه الزاوية التي تقترب أكثر من الوضع الأفقي يصعب رسمها بقلم ذو سن مشطوف. كما أن الزيادة في وزن ضربة الخطوط العمودية على وزن ضربة الخطوط الأفقية دليل آخر على انخفاض زاوية سن القلم عند الكتابة. أما لون الحبر وشفافيته فتشير بوضوح أن الحبر المستخدم كان من أنواع أحبار العفص التي سبق وأن تكلمنا عنها في مقالات سابقة. وتذكر إحدى المصادر أن الخطوط العمودية كما في الألف واللام كانت ترسم بضربة قلم تتجه من الأعلى الى الأسفل وبضمنها الألف النهائية والتي كان المفترض أن تكون ضربة القلم فيها سحب الألف من إمتداد الحرف السابق عند خط السطر ورفع الألف النهائية الى الأعلى. ويستدلون على ذلك من خلال تراكم الحبر في أسفل الألف النهائية كما في كلمة “عما” بالقرب من بداية السطر الثامن في الصورة. كما يرينا عين هذا المثال أن عادة التكحيل وتحسين ضربة الخط كانت متبعة في تلك الفترة من الخط العربي حيث تظهر هذه الزاوية التي نتحدث بشكل زاوية قائمة قد تم إستخدام طرف سن القلم لتشكيلها وتحليتها.
slantandtail
ولندخل الأن الى صلب خصائص الخط. وأول ما يميزه هو ميل الخط نحو اليمين والذي أعطى للخط إسمه حيث أن الخط الحجازي كان يسمى بالخط المائل أيضاً. ولا تكاد أي من الخطوط العربية التي جاءت لاحقاً تظهر هذا النوع من الميل. وميل الخط الحجازي هو ما أشار إليه ابن النديم في كتابه “الفهرست” حيث يقول عن الخط المكي (ومن ثم المدني) واللذين نجمعهما اليوم بمسمى واحد هو الخط الحجازي حيث يقول: “فأما المكي ففي ألفاته تعويج الى يمنة اليد وأعلى الأصابع وفي شكله انضجاع يسير”. ويكاد يكون ما كتبه ابن النديم هو النص الوحيد من الأثر الذي يصف هذا النوع من الخط. ونرى في الصورة مثالين يتباين فيها درجة ميلان الخط كما يتباين فيها عوجة الالفات أو ذيولها المميزة. وفي الوقت الذي إنقرض فيها الميلان سريعاً مع انتشار الخط الكوفي القائم احتفظت الالفات بذيولها خلال فترة الخط الكوفي الذي عقب الخط الحجازي. وأحب لفت النظر مرة أخرى الى طريقة محاذاة الألفات  واللامات المائلة عبر السطور حيث يظهر تجمع هذه الحروف كالجدائل التي تنحدر الى الأسفل واليسار عبر الصفحة في المثال الأول على اليمين. وبالعودة الى مزية ميل الحروف الى اليمين فقد فكرت وبحثت ملياً في الأسباب التي بعثت خطاطو المصحاف للكتابة المائلة بهذا الشكل. وقد حاول الباحث الغربي آلن جورج في كتابه “نهضة الخط الإسلامي” ربط السبب بتأثر كتّاب المصاحف بالكتابة السريانية التي كانت تتميز بالميل نحو اليسار. ولكني لم أجد مثالاُ واحداً يثبت رأيه وكل الأمثلة التي ساقها كانت من مخطوطات سريانية جاءت بعد فترة الخط الحجازي بقرون. ولكن الرأي الذي ذكره الباحث الألماني من جامعة ساربروكين الدكتور جيرد بوين  أقرب الى المعقول حيث يقول أن أسهل الخطوط العمودية التي يمكن أن يرسمها المرء هي الخطوط المائلة نحو اليمين كما يذكر في مقالته في كتاب “مصاحف صنعاء“. وحيث أني شخصياً أقوم بالرسم أحياناً فقد تطابق رأي الدكتور جيرد مع تجربتي في الرسم كما قمت بالمقارنة بين رسم ضربات القلم العمودية فوجدت الرأي صحيحاً. والخط الحجازي عموماً يتميز أيضاً بالصواعد العالية كما في حروف الألف واللام وخط الطاء والظاء. ويعمد بعض من كتب بالخط الحجازي الى التفريق بين صواعد الحروف عند إجتماعها كما يفعل المرء حينما يفرق بين أصابع يده ولربما كانت هذه مزية جمالية في تلك الفترة مثلما كان التفريق بين الأسنان أو ما يسمى الوشر الذي نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم. ولكن الأمر هنا مختلف والتشابه فقط في فكرة التفريق بين الأطراف المجتمعة. ولربما كان المنحى في زيادة إستطالة الصواعد من الحروف هو إضفاء الهيبة والسمو على الخط وبما يناسب كتابة كلام الله. وفي الوقت الذي كانت فيه نقط الحروف معروفة – على خلاف ما يظنه الكثيرون-  فإن إستخدامها كان يسيراً مما يساعد في تقليل الغبش في شكل الصفحة وبالتالي الزيادة في تحقيق  الهيبة المطلوبة.
orthography
حينما يقوم خطاط المصاحف بعمله هناك مجموعات عديدة من القواعد التي عليه أن يطبقها. وهذه القواعد تشمل قواعد رسم الحروف التي تتعلق بالرسم الصحيح لأشكال الحروف وطرق إتصالها في الكلمات وقواعد رسم كلمات القرآن وهو ما عنت به كتب رسم المصاحف أو ما نسميه الإملاء. ثم هناك قواعد خطاطية لضبط جمالية الحروف والذي تطور لاحقاً الى درجة عالية من الضبط والتقنين. ومن دراستي للخط الحجازي لاحظت إلتزام أغلب المصاحف بطرق رسم الحروف بما يشير الى بلوغ صنعة الكتابة درجة كبيرة من التأصيل في فترة كتابة المصاحف الحجازية. فمثلاُ حينما تكتب حروف الكرسي على التتابع كما في الباء والياء والنون في أول كلمة “بينهما” المؤشرة بالرقم (1) في الصورة نجد أن كتّاب المصاحف دون استثناء يقومون بالتمييز بين الحروف بتغيير ارتفاع السن وذلك لتسهيل قراءة الكلمة. كما أن أشكال بعض الحروف المعقدة مثل الهاء الأولية واللام ألف (لا- كما هو مؤشر بالرقم 2 في الصورة) قد وصل الى درجة من النضج والتطوير في شكلها. كما أن الإتصال بحروف الجيم-حاء-خاء كان في غالبه يتم من أعلى الحرف بما يتطلب التخطيط المسبق قبل رسم الكلمة للمحافظة على إتساق الكلمة على السطر دون نزولها عند موضع هذه الحروف بسبب هذا النوع من الإتصال (رقم 3 في الصورة). أما بالنسبة للقواعد الخطاطية الجمالية فيبدو أنها لم تصل الى الدرجة التي يتضائل فيها الأسلوب الفردي للخطّاط أمام الأصول الخطاطية التي من شأنها توحيد الخط ضمن إطار جمالي معين. ولذا نجد أن الخط الحجازي يتباين كثيراً بين أعمال الخطاطين بل وحتى في المصحف الواحد الذي كان يتعاون عليه عدد من كتبه المصاحف يومذاك. وأحب أن أشير سريعاً الى ممارستين من ممارسة الخطاطين يومذاك منهما تكحيل الحروف بسن القلم لتكوين أشكال هندسة منتظمة كملئ الزوايا وتدوير الحروف المدورة كما في حرف الميم المؤشرة بالرقم (4) في الصورة. والثانية هي طريقة إرجاع ذيل الياء الى اليمين أسفل الكلمة (كما مؤشر بالرقم 5 في الصورة). ولا أعتبر هذه الممارسة قاعدة كتابية لأنك تجد خلاف ذلك أحيانا حينما تكتب الياء كما تكتب اليوم بتوجيه ذيل الياء الى اليسار باتجاه الكتابة.

وبهذا أكون بفضل الله قد وضحت ما توصلت إليه من خصائص الخط الحجازي من خلال دراستي له خلال هذه السنة التي أوشكت على الإنتهاء. وأرجو الله الكريم أن يوفقني في التوسع في هذا المبحث ونشره في كتاب في المستقبل بإذنه تعالى. ونحمد الله على فضله إنه لطيف لما يشاء وهو العزيز القدير. والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وسيد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحبر والمحابر في الخط الحجازي

الحبر

flowing-ink

إن تركيبة الحبر الذي استخدم في المصاحف الحجازية حسب ما يظهر لنا تتكون من خلطة نقيع حصى العفص المهشم والزاج وهذا كان ينتج حبراً أو مداداً بلون أسود مزرق. وحينما نضيف ما يقارب الـ1400 سنة الى الخلطة يصبح لون الخط الحجازي بنياً حيث يتحول لون الحبر مع مرور الزمن من الأسود الى البني.

hijaziinkonparchment

وقد إستخدم حبر العفص لقرون خلت قبل ظهور الإسلام. ويتم إعداد هذا الحبر من حصيات العفص التي تنمو على أشجار السنديان بفعل حشرة العفص التي تضع بيوضها في نهايات أغصان الشجرة حيث ينمو ما يشبه الورم في مكان بيوض الحشرة لتعيش فيه يرقاتها. ثم وبعد تحول اليرقة العجيب الى حشرة تثقب هذه الأخيرة جدار كرة العفص لتخرج منها الحشرة المكتملة تاركة ورائها بيتها الذي يتصلب ويتحول الى حصوة كرويّة مثقوبة.

oakgalls
حصيات العفص ولونها البني المحمر يشير الى ما بها من الأحماض الدباغية. لاحظ الثقب الصغير في الحصاة في أقصى اليسار وهو مكان خروج حشرة العفص من بيتها بعد اكتمال نموها.
ferrous-oxide
الزاج الأخضر وهو كبريتات الحديد الذي يقوم محلوله بتحويل نقيع العفص الى اللون الأسود المزرق.
gum-arabic-tears
الصمغ العربي وهو مادة عجيبة تستخدم في الكثير من الصناعات والتي منها الحبر. ويضاف الى الحبر لإعطاءه القوام المناسب للخط. كما يمكن صناعة قطع الحبر الصلبة منه أيضاً والتي يمكن إذابتها ومن ثم استخدام الحبر كما تستخدم الألوان المائية الحديثة والتي يدخل الصمغ العربي كعنصر رئيسي من بين مكوناتها.

وقد كان العفص المفضل لصناعة الحبر هو العفص الحلبي. ويفضل أستعماله بعد خروج الحشرة من مكانها حيث يكون العفص غنياً بأحماض الدباغة. وقد وصف إبن باديس في الباب الثاني من كتابه “عمدة الكتاب وعدة ذوي الألباب” عدة وصفات للمداد أو الحبر التي تتضمن العفص. وفي العموم فإنه يتم تكسير العفص وتنقيعه بالماء العذب عدة أيام في مكان دافئ ثم يصفى الناتج الذي يكون بني اللون ويضاف إليه الزاج. والزاج هو كبريتات الحديد الذي يمكن صناعته بإضافة حامض الكبريتيك الى الحديد. وبإضافة الزاج الى ماء العفص يتحول لون السائل الى اللون الأسود المطلوب. ويضاف الصمغ العربي الى هذا المزيج لزيادة لزوجة المداد حيث يتحسن أداء المداد من حيث كمية ما يمكن حمله من المداد بالقلم وكذلك يتحسن جريان الحبر على سطح الرق الذي كانوا يكتبون عليه.

ولا يتشرب المداد في الرق سريعاً كما هو الحال في الورق الذي استخدم فيما بعد. وهذا يسهل تصحيح الأخطاء بمسح المداد إن كان لا يزال رطباً أو بحكه عن سطح الرق إذا تم جفافه. ويعمل مداد العفص على التأثير في الرق مع مرور الزمن بسبب حامضيته. وقد كان الرق يعاد إستعماله أحياناً بغسله لإزالة الكتابة وإعادة الكتابة عليه. ومن المصاحف الحجازية ما يحمل آثاراً تشير الى إستعماله عدة مرات. حيث يظهر شبح الكتابة الأصلية تحت الكتابة الجديدة بفعل أثر الحامض الموجود في المداد على سطح الرق.

صفحة من مصحف تم تدوير صفحاته بإزالة الكتابة المكتوبة بالخط الحجازي وإعادة كتابة المصحف بالخط الكوفي. ولم يظهر الخط الحجازي الأصلي من تحتب الكتابة الكوفية اللاحقة إلا بعد مرور فترة الزمن بفعل ما تركه الحبر من الأحماض الدباغية التي تشربت في الرق ولم تظهر للخطاط الكوفي أول الأمر.
صفحة من مصحف تم تدوير صفحاته بإزالة الكتابة المكتوبة بالخط الحجازي وإعادة كتابة المصحف بالخط الكوفي. ولم يظهر الخط الحجازي الأصلي من تحتب الكتابة الكوفية اللاحقة إلا بعد مرور فترة الزمن بفعل ما تركه الحبر من الأحماض الدباغية التي تشربت في الرق ولم تظهر للخطاط الكوفي أول الأمر.

وبالرغم من وجود الأحبار الكربونية في زمن كتابة المصاحف الحجازية إلا أنه يبدو أن الحبر الذي وصفناة آنفاً هو المفضل. ونرى أن المصاحف التي صنعت لاحقاً ومنذ الفترة الأموية والتي كتبت بالخط الكوفي كان الحبر المفضل لدى صانعيها هو حبر الكربون الأسود الذي لا يتغير لونه مع مرور الزمن.

المحبرة

المحابر المحمولة تسهل كثيراً على الخطاطين وخاصة في النصوص المطولة. وقد كانت المحابر تصنع من مواد عديد منها الزجاج أو الطين المفخور. ومما يساعد على التحكم في كمية الحبر المستخدم وجود سطح يمكن إسقاط المداد الزائد علية وهذا واضح في المحبرة المنضدية التي يستقر عليها القلم في الصورة. وترينا الصورة بعض المحابر البدائية والبسيطة إضافة الى محبرة جميلة منحوتة من حجر البازلت في يمين الصورة. والمحابر المعروضة هنا أمثلة من مراحل تاريخية ومناطق جغرافية عديدة ليس منها شئ من الحجاز قديماً ولكنها تعطينا فكرة عمّا كان من الممكن إستخدامه من قبل خطاطي المصاحف الحجازية. وتذكر شيلا بلير في كتابها الخط الإسلامي بأنه لم يبق من أدوات الخطاطين من تلك الفترة أثر مادي يقيني يمكن الإسترشاد بها.
المحابر المحمولة تسهل كثيراً على الخطاطين وخاصة عند كتابة النصوص المطولة. وقد كانت المحابر تصنع من مواد عديدة منها الزجاج أو الطين المفخور. ومما يساعد على التحكم في كمية الحبر المستخدم وجود سطح يمكن إسقاط المداد الفائض علية وهذا واضح في المحبرة المنضدية التي يستقر عليها القلم في الصورة. وترينا الصورة بعض المحابر البدائية والبسيطة إضافة الى محبرة جميلة منحوتة من حجر البازلت في يمين الصورة. والمحابر المعروضة هنا أمثلة من مراحل تاريخية ومناطق جغرافية عديدة ليس منها شئ من الحجاز قديماً ولكنها تعطينا فكرة عمّا كان من الممكن إستخدامه من قبل خطاطي المصاحف الحجازية. وتذكر شيلا بلير في كتابها الخط الإسلامي بأنه لم يبق من أدوات الخطاطين من تلك الفترة أثر مادي يقيني يمكن الإسترشاد به.

إن كمية الحبر المحدودة التي يمكن لقلم القصب حملها تفرض على الخطاط تكرار إمداد القلم بالحبر مراراً أثناء الكتابة. ويمكننا تصور كثرة هذا التكرار في عملية كتابة نص مطوّل كنص المصحف. وهذا التكرار يستوجب سهولة إمداد القلم بالحبر ويفرض على شكل المحبرة تصميماً يكون مناسباً لإمداد القلم بالحبر بسهولة ويسر.

وقد تكون المحابر الصغيرة المحمولة باليد التي لا تكتب هي الحل الأمثل للخطاط. حيث يمكن تزويد المحبرة بكمية محدودة من الحبر واستعمالها حتى ينفد الحبر ومن ثم إعادة ملءها. وإن بقي شئ من الحبر في المحبرة بعد الإنتهاء من جولة الخط فلن يكون سوى القليل الذي يمكن إعادته الى المحبرة أو إبقاءه ليجف في المحبرة حيث يمكن حله بإضافة كمية جديدة من الحبر في الجولة اللاحقة من الكتابة. وهذا ممكن لأن الأحبار التي كانت مستخدمة قديماً تذوب بالماء بعد جفافها.

ويتم صناعة المحابر لتحتوي على مقدار من الحبر في تجويف المحبرة الداخلي. كما يتم تشكيل حلقة حول فتحة التجويف العلوية لينفض الخطاط عليها الفائض من الحبر من على قلمه بوضع سن القلم أو كشطه على الحلقة. ومع تراكم الحبر في الحلقة تنساب الكمية التي لم تجف منه عائدة الى تجويف المحبرة تارة أخرى. ومع زيادة خبرة الخطاط يصبح لديه الحس بكمية الحبر المناسبة على سن القلم والتي يمكن عمل ضربات الخطوط الحادة الكتيمة ذوات الحافات المنتظمة باستخدام الكمية المناسبة من الحبر.

46c9d44e67968cd3aa7828e32969299e

قلم الخط الحجازي

عرضنا في المقالة السابقة مخطوطة بالقلم الحجازي المائل ورأينا كيف أثبت فحص نظائر الكربون نسبة المخطوطة الى القرن الأول الهجري. وبالنظر لارتباط الخط الحجازي بكتابة المصاحف الأولى  يكتسب الخط الحجازي أهمية خاصة. وسأحاول أن أبين بعض الجوانب المتعلقة بالخط الحجازي عبر سلسلة من المقالات بتوفيق الله. وبالرغم من أن التسلسل المنطقي يفرض عرض الخصائص العامة للخط إلا أني سأبدأ بما هو أسهل نسبياً وذلك بالبحث في الأدوات والمواد التي استخدمت في صناعة مصاحف الخط الحجازي المائل حيث أعود الى خصائص الخط نفسه بعد أن تكتمل لديّ صورة أوضح عن تلك الخصائص. ولنبدأ بما أقسم الله جلّ جلاله به وهو القلم.

qalam

علّم بالقلم

من بين أدوات الكتابة التي تتضمن القلم والمداد وما يكتب عليه، كان القلم هو الأظهر في كتاب الله وذلك حينما أقسم الله به في سورة القلم إذ قال سبحانه: “نون والقلم وما يسطرون”. وقد كان الرب سبحانه قد أشار وأشاد بالقلم حينما قال جلّ جلاله من قبل في أول ما نزل من القرآن: “علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعمل”. ثم يظهر لنا القلم متصدراً في مشهد مهيب حينما يمجد الله قدرته سبحانه حين يقول: “ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم”.

ومن جهة حرفة الخط فلعل أهمية القلم تكمن في أنه الأداة الأهم التي تجسد قدرات الخطاط أو الكاتب وموهبته أمام الناظرين. إذ بواسطته يقوم الخطاط بتشكيل الحبر على سطح الكتابة بأنامله بضربات متتابعات ثابتات تجتمع وتتفرق في توازن وتناغم لتصور لنا أشكالاً كتابية من حروف وكلمات تروق لنا بشكلها قبل فحواها وتداعب حس الجمال الذي يملكه أغلب الناس منّا.

ولكتابة القرآن الكريم إستخدم المسلمون الأوائل قلم القصب الذي كان شائعاً ومعروفاً بين من يكتب من أهل الحجاز في مكة والمدينة المنورة. وشيوع قلم القصب في الحجاز تابع لشيوعه في المنطقة التي تشمل الجزيرة العربية واليمن والعراق والشام وحوض النيل وجنوب أوروبا ومنذ أزل بعيد.

scribes
إستخدم قلم القصب منذ العصر الفرعوني حيث ترينا الصورة تمثال الكاتب المصري القديم على اليمين واسمه كاي. وهو أيضاً قد إختطف لينتهي به المطاف الى متحف اللوفر ويبدو أنه لا يزال يصّر على الكتابة بالرغم من أنه فقد قلمه. وعلى شمال الصورة نرى كاتباً من الإمبراطورية المغولية الإسلامية في الهند وهذا يحتفظ بقلمه ويكتب بنهم.

ويتمتع قلم القصب بمواصفات جعلته يكتسب هذا الشيوع الواسع والقديم بجدارة. فقلم القصب أولاً زهيد الثمن وهو سهل الإستخدام والإدامة. ولربما كان بري القلم وتكوين السن هو المطلوب فقط لتحضير هذه المادة الخام للخط والكتابة وسرعان ما يكتسب الخطاط مهارة بري القلم والتي تنمو عنده مع مهارة تجويد الخط الحسن ذاتها. وشكل القلم الطبيعي يؤهله للحمل بين الأصابع وتوجيهه بمقدار عالي من السيطرة لرسم اشكال الحروف. كما أن مادة قلم القصب مناسبة لحمل المداد أو الحبر وفرشه على سطح الكتابة بسن القلم.

ويتم قطع القلم بمقدار الشبر من قصب البوص الذي ينمو بكثرة على شواطئ المسطحات المائية. وتدعي شيلا بلير في كتابها الخط الإسلامي بأن أفضل أنواع القصب ينمو في أهوار العراق والمستنقعات في مصر حيث تكون أليافها مستقيمة وصلابتها تقيها بلي السن. ويدرج أبو حيان التوحيدي الذي عاش أغلب عمره في القرن الرابع الهجري في “رسالة في علم الكتابة” أربعة خطوات لإعداد القلم للكتابة وهي الفتح والنحت والشق والقط.

qalampreparation
الخطوات الأربعة لتحضير قلم القصب للكتابة والخط

ويتم قط القلم بشفرة حادة لتكوين السن المناسبة للخط. ويملي نمط الخط وطرازه شكل سن القلم حيث يمكن تشكيل سن عريضة أو دقيقة للقلم. وكان أغلب خطاطي الأقوام المحيطة بالحجاز يشكلون أقلامهم بالسن العريض والذين من بينهم خطاطوا اللغات الإغريقية والرومانية والبهلوية والحبشية والعبرية، بينما تميزت اللغة السريانية المنتشرة حول الحجاز وخلاله باستخدام السن المدور كالذي يستخدم في الخط العربي المغربي الذي جاء لاحقاً. ومهما كانت حاجة الخطاط الى شكل السن المطلوب فإن قلم القصب أظهر مطاوعة واستجاب بسهولة الى طرق تشكيله بأشكال عديدة.

طرق قط قلم القصب تكون إما بالقط العريض دون شطف كما في الشكل 1 أو بالقط العريض مع الشطف كما في الشكل 2 أو بالقط المدور.
طرق قط قلم القصب تكون إما بالقط العريض دون شطف كما في الشكل 1 أو بالقط العريض مع الشطف كما في الشكل 2 أو بالقط المدور.

ولرسم الخط الحجازي قط المسلمون أقلامهم بالسن العريض المستوي ودون تحريفه أو شطف السن كما صار إليه القط لاحقاً والذي ظل نوع القط المفضل لدى الخطاطين الى يومنا هذا. وقد رسمت أغلب المصاحف الحجازية بسن تصل دقتها الى المليمتر الواحد. وقد كان هذا السن يوضع على سطح الكتابة بزاوية مائلة قليلة تتراوح بين 20 و 30 درجة. ونستطيع معرفة ذلك من بدايات ضربات القلم في الخط الحجازي وكذلك من الفرق بين ثخن مقاطع الحروف العمودية بالمقارنة مع المقاطع الأفقية وطبيعة تدرج الثخن في المقاطع المنحنية من الحروف. وتعد قطة قلم الخط الحجازي دقيقة بالمقارنة مع أقلام الخطوط اللاحقة وخاصة الخط الكوفي الذي نشأ مع أيام الخط الحجازي المتأخرة. وقد دعت الحاجة الى ضم نص القرآن الكريم كاملاً في مصحف مجلد واحد لاستخدام خط دقيق وبالتالي جاء سن القلم دقيقاً لتحقيق ذلك.

تعطينا هذه الصور المكبرة لصفحة من مصحف بالخط الحجازي مودع في جامعة توبينجن الألمانية دقة قط القلم الذي كتب به المصحف
تعطينا هذه الصور المكبرة لصفحة من مصحف بالخط الحجازي مودع في جامعة توبينجن الألمانية دقة قط القلم الذي كتب به المصحف

ويلاحظ الذي يستخدم قلماً بسن عريضة غير مشطوفة صعوبة في توجيه الخط من اليمين الى اليسار حيث يتطلب رسم الحروف العربية بهذا النوع من الأقلام مهارة خاصة. ونجد مع مرور الزمن في بدايات العصر الأموي تحول سن القلم العريض الى التحريف والميل تدريجياً حيث أن هذا الميل في سن القلم يسهل رسم الحرف من اليمين الى اليسار ومع تطور الخط العربي من الخط الحجازي الى الخط الكوفي أخذ هذا المنحى بالإنتشار.

وعند الكتابة يضع الخطاط الحجازي سن القلم على الرق بحيث يلامس سن القلم بكامل عرضه سطح الرق ثم يسحب الخطاط القلم إما عمودياً نحو الأسفل أو أفقياً نحو اليسار أو بمقاطع دائرية لرسم الحروف والكلمات بمقاطع خطية تمثل العرض الكامل لسن القلم ويكون ثخن هذه الخطوط بقدر عرض السن أو أقل وذلك حسب نسبة زاوية السن الى إتجاة الخط. وهذه الخطوط تمثل الشكل الرئيسي للحرف أو الكلمة حيث يقوم الخطاط بعدها بملئ زوايا الحرف أو أطرافه بالحبر مستخدماً زاوية السن الداخلية كما يقوم بصقل الحافات ووصل ما تقطع من الخط مستعيناً بزاوية سن القلم كذلك. وتطلعنا الآثار المتبقية من مصاحف الخط الحجازي المائل أن هذه الضربات التجميلية الأخيرة لم تكن تستخدم في كل الحالات حيث أن هناك مصاحف مكتوبة بضربات القلم الرئيسية دون تجميل لاحق. ولربما يعود ذلك الى نقص في قدرة الخطاط أو التقيد بتحقيق هدف التدوين المحض لنص القرآن الكريم.

qalamstroke
يتم رسم الحروف بقلم القصب عبر خطوتين. في الخطوة الأولى يتم تكوين شكل الحرف من خلال ضربات كامل سن القلم العريض الذي يلامس سطح الكتابة كما في الشكل 1(الخط الأحمر). وهذا يترك فراغات كما في الزاوية المؤشرة بالحرف أ في الشكل 2. ويقوم الخطاط بملئ هذه الفراغات بزاوية سن قلم القصب عند الدائرة المؤشرة باللون الأحمر.

وعلى كل حال فإن الضربات التجميلية تشير الى رغبة الكاتب في رفع المستوى الجمالي للكتابة وإنتاج ما هو أكبر وأسمى من التدوين المحض للنص. وهذا يؤسس مبدأ الخط الذي يتميز عن الكتابة الإعتيادية في تلك الفترة بهذه التفاصيل والتي تشمل تحديداً عمل الترويس في بدايات ونهايات ضربة القلم، وضبط تدوير المقاطع الدائرية في الحروف، وتثخين الضربات وملء الزوايا.

ويبلى سن قلم القصب بعد فترة من الكتابة مما يتطلب تجديده. ومن الصعب تحديد عدد القطات خلال كتابة نص طويل كما هو الحال عند تدوين المصحف. ولكن من المؤكد أن خطاط المصاحف كان يعيد بري السن مرات عديدة أثناء التدوين وبنفس جلسة الكتابة. وبهذا تتكامل مهارة بري القلم مع مهار الخط وتصبح أساسية مما يستوجب على الخطاط إجادته. وقد نقل أبو حيان التوحيدي عن إبن مقلة أنه قال: “القط هو الخط”. وترينا أعمال فيزال سوادي من سنعافورة أن مهارة بري القلم يمكن أن تنمو لتصبح فناً قائماً بذاته وفيما يلي مجموعة من الصور من موقعه حول فن القط بالإضافة الى تسجيل يصور جمال هذه المهارة.

fdk-141211-qalam-crafting-13-sr

fdk-141211-qalam-crafting-12-sr

fdk-141211-qalam-crafting-05-sr

fdk-141211-qalam-crafting-02-sr

وقد ظل قلم القصب ملازماً للخط العربي حتى يومنا هذا في الوقت الذي تخلى عنه خطاطو اللغات الأخرى الذي ذكرنا بعضاً منها. وهذا يعود من جانب الى طبيعة الخط العربي ومن جانب آخر الى القدرات والخصائص الذاتية لقلم القصب والتي حاولت توضيحها في هذه المقالة.

مصحف بالخط الحجازي المائل يثبت حفظ الله للقرآن الكريم

طلع البدر علينا

أريد بمناسبة مقدم ذكرى مولد سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم أن أعيد نشر الخبر الذي أعلنته جامعة برمنجهام في 22 تموز-يوليو من سنة 2015 الماضية عن كشف آثاري مهم. فقد قررت الجامعة في تلك السنة إخضاع إحدى المخطوطوات الإسلامية القديمة المودعة لديها والمكتوبة بالخط الحجازي المائل الى اختبار تقدير عمر المخطوطة باستخدام نظائر الكربون. وقد أظهرت نتيجة الإختبار بأن المخطوط يعود الى ما بين سنة 568 الى 645 من التقويم العام والذي تقابله مطلع القرن الأول في التقويم الهجري. وبهذا تكون هذه المخطوطة هي الأقدم مما بقى من الأدلة المادية المكتوبة للقرآن الكريم.

وقبل أن نذكر أهمية هذا الإكتشاف أود أن أعرض صفحات المخطوطة الأربعة التي نتحدث عنها:

تتألف المخطوطة التي تم تحديد عمرها بواسطة نظائر الكاربون من ورقتين على الأولى منها صفحتان من سورة الكهف والثانية من نهاية سورة مريم على الصحفة الأولى من الورقة وبداية سورة طه التي تستمر الى الصفحة الثانية. وهذه هي الصفحة الأولى من الورقة الأولى التي تتضمن سورة الكهف.
تتألف المخطوطة التي تم تحديد عمرها بواسطة نظائر الكاربون من ورقتين على الأولى منها صفحتان من سورة الكهف والثانية من نهاية سورة مريم على الصحفة الأولى من الورقة وبداية سورة طه التي تستمر الى الصفحة الثانية. وهذه هي الصفحة الأولى من الورقة الأولى التي تتضمن سورة الكهف.
وهذه الصفحات المتبقية من المصحف الذي يعود تاريخه الى فترة الخليفة أبو بكر الصديق في الغالب مكتوبة بالخط الحجازي المائل بحبر بني على الرق الذي يكون من جلد الأنعام.
وهذه الصفحات المتبقية من المصحف الذي يعود تاريخه الى فترة الخليفة أبو بكر الصديق في الغالب مكتوبة بالخط الحجازي المائل بحبر بني على الرق الذي يكون من جلد الأنعام.
يظهر على هذه الصفحة نهاية سورة مريم وبداية سورة طه. ويثبت المصحف أن ترتيب السور هو نفس ترتيبها في المصاحف الحديثة وبالتالي يدحض تخاريف الكثير من المستشرقين الذين أجهدوا أنفسهم في محاولة إثبات أن ترتيب السور في القرآن جاء إعتباطياً على أساس طول السورة والذي تم تحديده في حدود القرن العاشر من التقويم العام. ولاحظوا أيضاً إستخدام العنصر الزخرفي في تحديد بدايات السور والذي ظل متعارف عليه في العصور اللاحقة.
يظهر على هذه الصفحة نهاية سورة مريم وبداية سورة طه. ويثبت المصحف أن ترتيب السور هو نفس ترتيبها في المصاحف الحديثة وبالتالي يدحض تخاريف الكثير من المستشرقين الذين أجهدوا أنفسهم في محاولة إثبات أن ترتيب السور في القرآن جاء إعتباطياً على أساس طول السورة والذي تم تحديده في حدود القرن العاشر من التقويم العام. ولاحظوا أيضاً إستخدام العنصر الزخرفي في تحديد بدايات السور والذي ظل عرف تصميم المصاحف الى يومنا هذا.
قطع صفحة المصحف بقياس 258 في 343 مليمتر وقد قمت بتقدير عدد صفحات المصحف على أساس عدد الكلمات في صفحات هذا المخطوط بحدود 495 صفحة. وبهذا يكون حجم المصحف قريب من المصاحف ذات القطع الكبير ولكن بسمك أكثر لكون جلد الرق أكثر سماكة من الورق المستخدم في المصاحف المعاصرة.
قطع صفحة المصحف بقياس 258 في 343 مليمتر وقد قمت بتقدير عدد صفحات المصحف على أساس عدد الكلمات في صفحات هذا المخطوط بحدود 495 صفحة. وبهذا يكون حجم المصحف قريب من المصاحف ذات القطع الكبير ولكن بسمك أكثر لكون جلد الرق أكثر سماكة من الورق المستخدم في المصاحف المعاصرة.

سنريهم آيتنا في الآفاق

ونفهم أهمية هذا المخطوط مما قاله أساتذة جامعة بيرمنجام والذي أنقله مترجماً من موقع الجامعة: “إن الفحوصات التي أجريت على صفحات مخطوطة بيرمنجهام تشير بإحتمال كبير الى أن الحيوان الذي أخذ منه جلد الرق كان حياً في حياة النبي محمد أو بعد ذلك بقليل. وهذا يعني وبمقدار كبير من التأكيد أن ما مكتوب عليها من القرآن يعود الى ما هو أقل من عقدين من الزمان بعد وفاة محمد. وهذه الأجزاء من النصوص المكتوبة هي شديدة القرب من نصوص القرآن التي تقرأ هذا اليوم بما يؤيد وجهة النظر التي تقول بأنه لم يحدث سوى تغيير بسيط أو لم يحدث أي تغيير إطلاقاً على النص الذي تم تدوينه بفترة قليلة بعد ما هو معلوم من تاريخ ظهوره”.

وهذا التصريح في الحقيقة هو إعتراف خجول بأن القرآن محفوظ بحفظ الله له. ومعلوم أن أي وثيقة بأهمية القرآن تتعرض لضعوط كبيرة تؤدي حتماً الى تحريفها عبر فترات الزمن. ولكن لهذا القرآن شأن آخر وهو اليوم يظهر بالأدلة المادية المؤكدة بأنه لم يتغير بالرغم مما هو معلوم من الهجمات عليه وعلى المتمسكين به عبر ما يقرب من الألف وأربعمائة سنة التي مضت. فسبحان الله الحفيظ العليم وصلى الله على نبيه محمد الأمين الذي جاء بالحق هدى للعالمين.

في محاولة لمعرفة ثخن المصحف الأثري وعدد صفحاته قمت بعد الكلمات في كل صفحة وعلى أساس معدل عدد الكلمات إستطعت تقدير عدد الصفحات بـ495 صفحة. وكنت أقارن النص أحياناً مع نص المصحف الحديث ولم أجد فرقاً في كلمة بين المصحفين. وترى في الصورة أني إستخدمت مصحف الإنترنت الذي قمت بإعداده وأني أقوم بالعملية على ضوء البطارية حيث إنقطع التيار الكهربائي وأنا أقوم بالحساب ولم أستطع التوقف حتى أتم العملية.
في محاولة لمعرفة ثخن المصحف الأثري وعدد صفحاته قمت باحتساب الكلمات في كل صفحة ومن ثم على أساس معدل عدد الكلمات إستطعت تقدير عدد الصفحات بـ495 صفحة. وكنت أقارن النص أحياناً مع نص المصحف الحديث ولم أجد فرقاً على ألإطلاق بين المصحف الحديث والمصحف القديم. وترى في الصورة أني إستخدمت مصحف الإنترنت الذي قمت بإعداده وأني أقوم بالعملية على ضوء البطارية حيث إنقطع التيار الكهربائي وأنا أقوم بالحساب ولم أستطع التوقف حتى أتم دراستي للمخطوطة.

وللمزيد من التفاصيل حول المخطوطة يمكن مراجعة صفحة المعلومات التي أعدتها جامعة بيرمنجهام عن المخطوطة.

هدية العدد

khuluqadheem

كما أحب بمناسبة المولد النبوي الشريف أن أهدي قراء المدونة ملف إليستريتور تتضمن طغراء بنص الآية 4 من سورة القلم: “وإنك لعلى خلق عظيم”. ويمكن تحميل الملف من هذا الرابط.

تصميم المصاحف

الأرث الثقافي العظيم

حرص المسلمون الاوائل على حفظ القرآن الكريم من خلال تدوينه وسارعوا بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وسلم على جمع القرآن في المصحف. وقد أولى المسلمون عبر تاريخهم إهتماماً إستثنائياً بهذا الكتاب العظيم من حيث دقة ضبط المضمون الذي تعهد الرب سبحانه بحفظه وكذلك بتجويد شكل المصحف أيضاً.

وقد كان المصحف من بين العوامل المهمة التي ساعدت على تطور الخط العربي. فقد دعت الحاجة الى جعل المصحف مقبولاً ومقروءاً من قبل مستخدميه الى تطوير الخط ليتناسب مع الأداء اللفظي الصحيح للقرآن الكريم. وبذلك تطور الخط العربي في مكوناته ليضيف الى أشكال الحروف الأساسية الحركات ورموز الضبط واللفظ.

TuebingenMushaf
هذا مصحف أثري محفوظ في جامعة توبينجن الألمانية وقد تبين مؤخراً من خلال فحص عمر المخطوط أنه يعود الى فترة تلت وفاة الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم بـ 20 الى 40 عاماً. ونلاحظ أن المصحف عملي في تكوينه يهدف الى جمع النص أكثر من أي مؤدىً آخر. وقد تطورت المصاحف بعده لتتضمن تحسينات كثيرة في رسم كلمات القرآن من حيث تثبيت النقاط وإضافة الحركات وعلامات القراءة وكذلك تحسينات في الإخراج الجمالي للمصحف من خلال النقوش والزخرفة والتذهيب وطريقة صناعة المصحف.
سرعان ما تطورت صناعة المصاحف بعد اختتام الرسالة السماوية وظهرت في الفترة الأموية وأوائل حكم العباسيين مصاحف غاية في السمو والجمال والإتقان في الصنعة لا يزال الباحثون يكتشفون جوانبها.
سرعان ما تطورت صناعة المصاحف بعد اختتام الرسالة السماوية وظهرت في الفترة الأموية وأوائل حكم العباسيين مصاحف غاية في السمو والجمال والإتقان في الصنعة لا يزال الباحثون يكتشفون جوانبها.

ولم تكن الإحتياجات العملية المحرك الوحيد لتطوير المصاحف حيث أن الرغبة في تجميل القرآن المكتوب في المصاحف ماثلت الرغبة في تجويد قرائته وصوته. لذا نرى عبر تاريخ كتابة المصاحف آيات من الجمال قلما نجدها في أي كتاب آخر وخذ مثالاً لذلك ما عرضناه عن مصحف الظاهر بيبرس الثاني في مقالة سابقة.

 مصحف قنسوح الغوري

وكنت قد أوردت صورة في مقالة سابقة عن بعض الأجانب وهم يعالجون مصحفاً ضخماً حيث وضعت الصورة بعنوان: “قبّلوا تراثكم الوداع” لما لاحظته في الصورة عن الطريقة التي يعالج بها هؤلاء الكنز العظيم الذي كان بين أيديهم كأنما غنموه وهم غير مصدقين. والحقيقة أن الصورة تعود لخبر عن مصحف ضخم تم صناعته قديماً لسلطان المماليك قنسوح الغوري وآل الى مقتنياتهم بطريقة أو أخرى. والمصحف كبير في أبعاد تبلغ 60 في 90 سنتيمتراً ويبلغ وزنه 52 كيلوغراماً. وهو مكتوب بخط محقق كبير وجميل كانت الصفحات الثلاث الأولى منه مذهبة وبقية الصفحات بالحبر الأسود المكتوب على ورق أسمر سميك.

مصحف السلطان قنسوح الغوري محفوظاً في جامعة مانشيستر ومعروض بدقة على موقعهم.
مصحف السلطان قنسوح الغوري محفوظاً في جامعة مانشيستر ومعروض بدقة على موقعهم.

وقد قامت جامعة مانشستر بتصوير المصحف وعرضه بوضوحية عالية من خلال تطبيق يمكن الوصول إليه عبر هذا الرابط. وهو عمل عظيم نشكرهم عليه. ومع أني قد إنتقدت إستحواذهم على آثارنا بما قطع إتصال الأجيال الجديدة في هذه الأمة عن تراثها الحضاري إلا أنهم بكل تأكيد أقدر منّا اليوم على نشر هذه المعرفة المفيدة والتي تتيح للعالم أجمع أن يستفيد من هذا المورد الثقافي العظيم.

تطبيق لعرض صفحات مصحف قنسوح الغوري بوضوحية عالية تستطيع دراسة تفاصيل صناعته. وهذا مهم جداً للباحثين في دراسة المخطوطات القديمة وما يتصل بها كتاريخ الخط العربي حيث يمكن معرفة الكثير من دراسة التفاصيل الدقيقة التي يفهم منها طريقة صناعة المصحف.
تطبيق لعرض صفحات مصحف قنسوح الغوري بوضوحية عالية تستطيع دراسة تفاصيل صناعته. وهذا مهم جداً للباحثين في دراسة المخطوطات القديمة وما يتصل بها كتاريخ الخط العربي حيث يمكن معرفة الكثير من دراسة التفاصيل الدقيقة التي يفهم منها طريقة صناعة المصحف.

ولنعرض مجموعة من الصفحات التي قمت بتحميلها من موقع جامعة مانشيستر دون أي تعليق لنترك للقارئ فرصة الإستمتاع بجمال الصفحات حسب تذوقه لها.

0006

0007

0005

0939

0325

0015

0016

0123

0169

0203

0203 (1)

0231

0278

0294

أما اليوم؟!

إنتهى الإبداع في تصميم وإنتاج المصحف عندنا منذ فترة طويلة. وعادت المصاحف اليوم تلبي الحاجة العملية فقط والمتمثلة بإيصال النص القرآني الى البشرية باكثر ما نستطيع من الدقة والضبط. وهذا هدف عظيم في حد ذاته ولكنه فقد الكثير مما تم بناؤه واكتسابه عبر تاريخ الأمة القرآنية. وتجمد تصميم المصحف اليوم حول قوالب ووصفات جمالية وضعت في أواخر الدولة العثمانية ولا يجرؤ أو لا يقدر أحد في هذه الأيام على تغييرها. فحركة الإبداع والمبادرة ماتت في هذه الأمة وأصبحنا نسبح في تيار الحياة لنبقى على قيد الحياة نأكل ونتكاثر دون أن نضيف الى مسارنا أي إعمار وأي تجديد.

يمثل قالب مصحف المدينة المنورة المثال الذي تصنع على أساسه أغلب المصاحف المنشورة في هذا الزمان. ويظل هذا القالب غالباً حتى في المصاحف الألكترونية. والصورة في أعلاه مأخوذة عن إحدى التطبيقات الألكترونية للمصحف الشريف.
يمثل قالب مصحف المدينة المنورة المثال الذي تصنع على أساسه أغلب المصاحف المنشورة في هذا الزمان. ويظل هذا القالب غالباً حتى في المصاحف الألكترونية. والصورة في أعلاه مأخوذة عن إحدى التطبيقات الألكترونية للمصحف الشريف.
تجدر الإشارة الى عمل المصريين في طباعة القرآن الكريم بحروف طباعية (على نقيض مصحف المدينة الذي كان أول من خطّه هو عثمان طه من سوريا الحبيبة). وقد كنت من المعجبين جداً بهذا العمل ومن فترة طويلة. ويعد هذا العمل من الإنجازات الطباعية ا لعظيمة التي فتحت الباب لتصميم حروف طباعية عربية جميلة.
تجدر الإشارة الى عمل المصريين في طباعة القرآن الكريم بحروف طباعية (على نقيض مصحف المدينة الذي يستند على عمل الخطاط). ولربما كان المصحف الأميري الذي طبع في المطابع الأميرية في بولاق هو أول مصحف طبع بالحروف المعدنية المنفصلة. وقد كنت من المعجبين جداً بهذا العمل ومن فترة طويلة. ويعد هذا العمل من الإنجازات الطباعية العظيمة الرائدة في تقديري.

مشروعي الجديد

إن التصدي لتحسين الطباعة العربية أمر صعب يتطلب نقلة متعددة الأبعاد تشمل الجوانب الثقافية والفنية والإقتصادية والتربوية بل وحتى السياسية. والوصول الى نتائج عملية واسعة التطبيق تتطلب جهداً قد يتعدى ما يستطيع الفرد الواحد أن يقدمه. ولكن بالنسبة لي لا أستطيع أن أترك الأمر دون محاولة. والمشكلة هي أني أرى إمكانية واسعة في التطوير ولكن الوسائل تكون عادة محدودة ومحفوفة بالعقبات. ثم أن الأمر حينما يتعلق بالمصحف الشريف فإنه يتطلب الكثير من العناية والجهد.

رزمة الخط العثماني من مجمع الملك فهد لطباعة القرآن الكريم في المدينة المنورة تضمنت النص القرآني في ملف مايكروسوفت وورد وخط رقمي من تصميم أشفاق.
رزمة الخط العثماني من مجمع الملك فهد لطباعة القرآن الكريم في المدينة المنورة تضمنت النص القرآني في ملف مايكروسوفت وورد وخط رقمي من تصميم شخص مجهول إسمه أشفاق أحمد نيازي.

 وقد كانت الرزمة التي نشرها مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في المدينة المنورة مبعث الشرارة التي أشعلت فيّ الهمة لعمل مصحف بمواصفات جديدة. وقد حاولت الإستفادة من الخط الرقمي الذي جاء في الرزمة والذي صممه شخص إسمه أشفاق أحمد نيازي (يدلل إسمه على أنه من جنوب آسيا كالباكستان أو الهند) في تنفيذ المصحف إلا أني وجدت أن الخط يمثل النص القرآني ضمن برامج مايكروسوفت بشكل صحيح ولكن يظهر مشاكل في تمثيل النص على منصات متصفح الكروم أو السفاري.

وقد كانت رحلة إعداد المصحف التي بدأت في نهاية العام الماضي مغامرة شيقة تعلمت فيها الكثير الكثير. وكان من بين ما تعلمته هو كشط صفحات الإنترنيت لتجميع المحتوى الذي إحتاجه والمتمثل بالتفاسير ومعاني كلمات القرآن الموجودة على الإنترنيت وتقوية قدراتي في برمجة الـ#C مع تعلم لغة الـphp. إلا أن ألجانب الأكثر متعة كان تصميم صفحات الويب باستخدام برمجة الـcss3 والتي تكون مع لغة الجافاسكريبت أداة قوية في صناعة تطبيقات الإنترنيت. وسأحاول أن أعرض فصولاً من هذه المغامرة في تدوينات لاحقة بإذن الله.

كانت محاولة صناعة مصحف الكتروني يعرض النص القرآني بدقة تحدياً كبيراً. ولكن طموحي يتعدى مجرد التمثيل الدقيق حيث أحاول إسترجاع الجوانب التصميمية العريقة التي سنتها أجيال من الخبراء والفنيين الإسلاميين من قبلنا.
كانت محاولة صناعة مصحف الكتروني يعرض النص القرآني بدقة تحدياً كبيراً في حد ذاته. ولكن طموحي يتعدى مجرد التمثيل الدقيق حيث أحاول إسترجاع الجوانب التصميمية العريقة التي سنتها أجيال من الخبراء والفنيين الإسلاميين من قبلنا والتي لم يعد يهتم بها صنّاع المصحف في الوقت الحالي.

تجديد الخطوط العربية – الجزء الثاني

في الحلقة الثانية من سلسلة تجديد الخطوط العربية سنستعرض الطريقة التي واجه بها الخط العربي مد الغزو الثقافي الغربي الذي بدأ في مطلع القرن الماضي ولم يزل يسطو سطوه في بلادنا وبلاد العالم أجمع. وقد كانت مصر في تلك الفترة متصدرة لإحتواء هذه الصدمة الثقافية فلنرى كيف تم ذلك في مجال الخط العربي.

تعديل الخطوط القديمة

جرف سيل الثقافة الغربية الذي إمتد مع الإستعمار الأوربي عقب الحرب العالمية الأولى الثقافات المحلية تجريفاً عنيفاً. ولم تكن الثقافة العربية مهيأة لاستيعاب الحاجة الى خطوط كتابية حديثة لانزوائها في موقع دفاعي بعد الهجوم الشرس للغربيين على الموروث الثقافي الإسلامي. وتم إسعاف الحاجة الى الخطوط المناسبة لترويج المنتوجات والأعمال والأفلام وغير ذلك مما جاء مع الإستعمار بخطوط تقليدية معدلة تعديلاً طفيفاً.

ونستطيع تمييز إتجاهين: الأول يتمثل بتعديل طفيف لضربات الخطوط التقليدية كالإستطالات في خط الرقعة المتماسك وخاصة في النهايات الراجعة في حروف الباء تاء ثاء والصاد ضاد أو في زيادة امتداد الراء زاء واو. كما هناك معالجة بالرسم لحافات الحروف إما بتشقيقها أو إستخدام التعرج لإحداث التأثير الدرامي. وهذا الأخير قد أدى الى الإتجاه الثاني والمتمثل بالخط الحر.

ولنستعرض أولاً عدداً من أمثلة الإتجاه الأول وهو تعديل الخطوط التقليدية.

تلقت الثقافة العربية داعايات المنتوجات الغربية عبر خط الرقعة لما له من طابع ديناميكي. وفي هذه المجموعة نرى أنه قد تم تعديل خط الرقعة لإضفاء التميز في العلامة التجارية وهو هدف تسويقي مهم. وتتلخص التعديلات التي تعرض لها خط الرقعة في تجليسه على الخط الأفقي للسطر حيث فقدت الكلمات المفردة خط القاعدة المائل المحلي لتستقر أفقياً على خط السطر. هذا بالإضافة الى إطالة الحروف في نهايات الكلمات كما في اللام الأخيرة من "اينوتويول" في الإعلان الأخير على اليسار.
تلقت الثقافة العربية دعايات المنتوجات الغربية عبر خط الرقعة لما له من طابع ديناميكي. وفي هذه المجموعة نرى أنه قد تم تعديل خط الرقعة لإضفاء التميز في العلامة التجارية وهو هدف تسويقي مهم. وتتلخص التعديلات التي تعرض لها خط الرقعة في تجليسه على الخط الأفقي للسطر حيث فقدت الكلمات المفردة إنحدارها لتستقر أفقياً على خط السطر. هذا بالإضافة الى إطالة الحروف في نهايات الكلمات كما في اللام الأخيرة من “اينوتويول” في الإعلان الأخير على اليسار.
إعلان عن كاميرا سينمائية 8 ملم (حيث لم يكن يوتيوب هناك في تلك الأيام). والخطوط المستعملة هي خط الرقعة معدل ثم تقليدي. ولاحظوا طريقة كتابة "صناعة سويسرية" بمزج خط النسخ مع التعليق الفارسي (بالمناسبة، يسمي الأتراك والفرس خط التعليق الفارسي بخط "النستعليق" بمعنى النسخ المعلق. وفي أسفل الإعلان فإن الخط البارز هو خط فارسي "معلق" تعليقاً خفيفاً.
إعلان عن كاميرا سينمائية 8 ملم (حيث لم يكن يوتيوب هناك في تلك الأيام). والخطوط المستعملة هي خط الرقعة معدل ثم تقليدي. ولاحظوا طريقة كتابة “صناعة سويسرية” بمزج خط النسخ مع التعليق الفارسي (بالمناسبة، يسمي الأتراك والفرس خط التعليق الفارسي بخط “النستعليق” بمعنى النسخ المعلق. وفي أسفل الإعلان فإن الخط البارز هو خط فارسي “معلق” تعليقاً خفيفاً.
الخط الحر في أعلى الإعلان على اليمين مستوحى من خط الرقعة ويكاد يكون كتابة خط اليد بالقلم الإعتيادي. ويليه نموذج أكثر تطابقاً لخط الرقعة في أسماء الممثلين. أما العنوان الرئيس فقد تم خطه بالرقعة المعدل بإستطالة الحروف الأخيرة كما في لام "أجل" والألف المقصورة في "حنفي". وطبعاً الرقاصة. فأفلام تلك الفترة لا تخلو من فقرة الرقاصة. وتعذر أصحاب تلك الأفلام تهرباً من المسؤولية الأخلاقية بأن "الجمهور عايز كدة". قارنوا بين الأهداف الشخصية لأبطال قصص الأفلام المصرية وأهداف أبطال قصص الأفلام الأجنبية وستفهمون ما أقصد بالمسؤولية الأخلاقية.
الخط الحر في أعلى الإعلان على اليمين مستوحى من خط الرقعة ويكاد يكون كتابة خط اليد بالقلم الإعتيادي. ويليه نموذج أكثر تطابقاً لخط الرقعة في أسماء الممثلين. أما العنوان الرئيس فقد تم خطه بالرقعة المعدل بإستطالة الحروف الأخيرة كما في لام “أجل” والألف المقصورة في “حنفي”. وطبعاً الرقاصة. فأفلام تلك الفترة لا تخلو من فقرة الرقاصة. وتعذر أصحاب تلك الأفلام تهرباً من المسؤولية الأخلاقية بأن “الجمهور عايز كدة”. قارنوا بين الأهداف الشخصية لأبطال قصص الأفلام المصرية وأهداف أبطال قصص الأفلام الأجنبية وستفهمون ما أقصد بالمسؤولية الأخلاقية.
أفيش لأحد الأفلام المصرية يجمع عدداً من أنماط الخطوط القديمة مع قليل من التعديل. فباستثناء الياء في إسم حمدي فإن أسماء الممثلين كتبت بخط رقعة واضح. ويصعب وضع كلمة "في" الصغيرة على يمين فم فاتن حمامة في قالب محدد من قوالب الخطوط القديمة إلا أن رائحة الخط الديواني تفوح من فم... عفواً من الـ"في". وقد رسم العنوان الرئيس بخط رقعة مشرشر لإضفاء الشعور الدرامي. ثم ننزل الى "مع" التي تشبه "في" من حيث طابع الخط الديواني حيث نعود الى أسماء الممثلين بخط الرقعة ويليها كلمات بخط ديواني معدل وأخيراً سم المنتج والمخرج بخط النسخ. ولاحظوا أن كلمات "إنتاج وإخراج" كتبت بخط يشبه بالرقعة ولكنه قريب من الديواني.
أفيش لأحد الأفلام المصرية يجمع عدداً من أنماط الخطوط القديمة مع قليل من التعديل. فباستثناء الياء في إسم حمدي فإن أسماء الممثلين كتبت بخط رقعة صافي. ويصعب وضع كلمة “في” الصغيرة على يمين فم فاتن حمامة في قالب محدد من قوالب الخطوط القديمة إلا أن رائحة الخط الديواني تفوح من  الـ”في”. وقد رسم العنوان الرئيس بخط رقعة مشقق لإضفاء الشعور الدرامي. ثم ننزل الى “مع” التي تشبه “في” من حيث طابع الخط الديواني حيث نعود الى أسماء الممثلين بخط الرقعة ويليها كلمات بخط ديواني معدل وأخيراً سم المنتج والمخرج بخط النسخ. ولاحظوا أن كلمات “إنتاج وإخراج” كتبت بخط يشبه بالرقعة ولكنه قريب من الديواني.
يبدو أن العرف لأفلام تلك الفترة القديمة هو كتابة أسماء الممثلين بخط الرقعة. وفي ما عدا أسماء الممثلين في هذا الإعلان فإن بقية الخطوط جاءت بأشكال مبتكرة كالخط الديواني المعدل في "حسن رمزي" أول ألإعلان و"حسين حلمي" و"المنهدس" التي تليها كل ذلك بخط ديواني معدل.
يبدو أن العرف لأفلام تلك الفترة القديمة هو كتابة أسماء الممثلين بخط الرقعة. وفي ما عدا أسماء الممثلين في هذا الإعلان فإن بقية الخطوط جاءت بأشكال مبتكرة كالخط الديواني المعدل في “حسن رمزي” أول ألإعلان و”حسين حلمي” و”المنهدس” التي تليها كل ذلك بخط ديواني معدل.
خط الثلث والممثلة ماجة يروجان للكوكاكولا. وباستثناء الخطوط الصغيرة التي تشبه خط اليد فإن مصممو هذا الإعلان حافظوا على الطرق التقلدية في تظهير الخطوط القديمة. وهذا ينطبق على كل من خط الثلث للعلامة وخط النسخ الذي لم يحض بتعديل كثير في تلك الفترة وكذلك خط الرقعة الذي يظهر بحلته الأصلية.
خط الثلث والممثلة ماجة يروجان للكوكاكولا. وباستثناء الخطوط الصغيرة التي تشبه خط اليد فإن مصممو هذا الإعلان حافظوا على الطرق التقلدية في تظهير الخطوط القديمة. وهذا ينطبق على كل من خط الثلث للعلامة وخط النسخ الذي لم يحض بتعديل كثير في تلك الفترة وكذلك خط الرقعة الذي يظهر بحلته الأصلية.
هذا هو الإعلان الأحدث في هذه المجموعة من نماذج الخطوط التي إخترناها ونرى أن الخطاط إستخدم الخط الحر للعنوان الرئيس حيث كان الخط الحر في ذلك الوقت الند البديل لخط الرقعة من حيث الصلابة مع ما كان له من الطراوة والجدة. ونرى أنه في حين أن إحتفظ الخطاط بقواعد خط النسخ المستخدم في عرض أسماء الممثلين في أعلى يمين الإعلان فإنه إستخدم أساليب تعديل خط الرقعة من حيث إستطالات الحروف الأخيرة وأفقية الخط بشكل عام كما في أسماء المنتج والمخرج في أسفل الإعلان.
هذا هو الإعلان الأحدث في هذه المجموعة من نماذج الخطوط التي إخترناها ونرى أن الخطاط إستخدم الخط الحر للعنوان الرئيس حيث كان الخط الحر في ذلك الوقت الند البديل لخط الرقعة من حيث الصلابة مع ما كان له من الطراوة والجدة. ونرى أنه في حين أن إحتفظ الخطاط بقواعد خط النسخ المستخدم في عرض أسماء الممثلين في أعلى يمين الإعلان فإنه إستخدم أساليب تعديل خط الرقعة من حيث إستطالات الحروف الأخيرة وأفقية الخط بشكل عام كما في أسماء المنتج والمخرج في أسفل الإعلان.
حينما يحمى الوطيس تزداد الشقوق في الخط (وتم حذف الوطيس من الصورة حفاظاً على الحياء العام). لاحظوا أن خط التعليق الفارسي في أسفل الإعلان فقد "تعليقه" وأصبح متمدداً على خط السطر. والملاحظة الأخرى هي خط النسخ في وسط الإعلان حيث يحتفظ خط النسخ بأصولة وقواعده دون تغيير.
حينما يحمى الوطيس تزداد الشقوق في الخط (وتم حذف الوطيس من الصورة حفاظاً على الحياء العام). لاحظوا أن خط التعليق الفارسي في أسفل الإعلان فقد “تعليقه” وأصبح متمدداً على خط السطر. والملاحظة الأخرى هي خط النسخ في وسط الإعلان حيث يحتفظ خط النسخ بأصولة وقواعده دون تغيير.

والآن وبعد أن تعرفنا على ملامح التعديل الذي طرأ على الخط العربي في تلك الفترة تعالوا معي لنركب آلة الزمن لنزور تلك الفترة زيارة سريعة وذلك من خلال مقاطع مقدمات الأفلام المصرية التالية:

الخط الحر

رأينا نماذج من الخط الحر والخطوط المؤدية له في الأمثلة السابقة من نتاج فترة الصدمة الثقافية التي إجتاحت الأمة. ولربما لا يحتاج الخط الحر الى الكثير من التحليل بعد هذا إلا أني أريد أن اسوق مثالين من هذا الخط في نهاية هذه المقالة.

المثال الأول هو صفحة من كتاب الخط الحر للخطاط المصري أحمد صبري زايد. والملفت في فكرة الكتاب أنه وبالرغم من كونه يتعلق بالخط الحر فلا يزال المؤلف يقدم قواعد رسم حروف الخط الحر بإستخدام طريقة النقاط التقليدية، فأين الحرية إذن؟

يقيد الخطاط المرحوم أحمد صبري زايد الخط الحرف بقواعد النقاط. تناقض طريف في رأيي.
يقيد الخطاط المرحوم أحمد صبري زايد الخط الحرف بقواعد النقاط. تناقض طريف في رأيي.

والمادة الأخيرة التي أحب أن أقدمها وكمقدمة للجزء الثالث والأخير من سلسلة تجديد الخط العربي هو نموذج إرشادي لفكرة خطوط الجرافيتي والتي لا تعدو أن تكون نوعاً من أنواع الخط الحر.

شكل من على الإنترنيت يبين خطوات رسم حروف الجرافيتي. والشباب وضعوا علامة الممنوع على الخط التقليدي حيث أنه كما قالوا: "لكل مقام مقال".
شكل من على الإنترنيت يبين خطوات رسم حروف الجرافيتي. والشباب وضعوا علامة الممنوع على الخط التقليدي. و كما قالوا فإن: “لكل مقام مقال”.

وهذه نهاية جولة غريبة قد تبدو فيها التدوينة كشارع السينما المصرية وهو إنحراف بسيط عن الطابع البصري الذي أحب أن تحتفظ به هذه المدونة. وتعويضاً عن هذا سأحاول بمشيئة الله أن أنهي السلسلة بعودة الى الأشكال الخطاطية إنتقالاً من موضوع الجرافيتي الذي ختمت به التدوينة وذلك بعرض أعمال الفنان التونسي السيد السيد (إسمه السيد وهذا ليس خطأ طباعي).

ودمتم في رعاية الله العظيم.