خصائص الخط الحجازي

بعد أن قمنا بتوضيح الأدوات والمواد المستخدمة في رسم المصاحف الحجازية بقي لنا أن نستعرض خصائص الخط الحجازي كخطوة أخيرة في سلسلتنا عن الخط الحجازي. وسيجد بعض القراء ثقلاً في هذه المقالة لما تحويه من الخصائص الفنية التي لا تروق في الغالب إلا للمتخصصين فأرجو المعذرة ممن ليس لهم فضول في معرفة تفاصيل قد عفى عنها الدهر وأصبحت شيئاً من الماضي.

ولقد أمضيت عدداً من الأشهر خلال هذه السنة في دراسة الخط الحجازي وتعلمت بعض الحقائق اللطيفة عنه. وبالرغم من أهمية هذا الخط فيما يتعلق بجذور وأصل الخط العربي فإن المعلومات المتوفرة عنه قليلة (وخاصة بالعربية) والإهتمام به قليل (وخاصة عند العرب).  ولا أدّل من ذلك إلا هذا الفلم الوثائقي الذي ظهر على قناة الجزيرة الوثائقية منذ فترة وهو مليء بالأخطاء التاريخية والفنية فيما يتعلق بالحرف الحجازي.

وظاهرة قلة المعرفة بالخط الحجازي لها أسباب، نذكر منها صعوبة قراءة النص لغرابة شكل الحروف في نصوص المخطوطات الحجازية عمّا يعرفه ويألفه القارئ العربي المعاصر هذا بالإضافة الى ضياع النسخ الأصلية للمخطوطات الحجازية من بين أيدي أهلها حيث آل أكثر المخطوطات الى الجامعات والمتاحف الأجنبية. وأخيراً نذكر سطوة الخطوط العربية المتأخرة – وخاصة الخطوط العثمانية كالثلث والنسخ، والفارسية كخط التعليق – على الخطوط القديمة وذلك للفارق في المستوى الجمالي والتجويد في الصنعة الذي تتمع به الخطوط المتأخرة.

وسأحاول أن أعرض خصائص الخط الحجازي من خلال الرسوم والصور التوضيحية واعتماداً في الغالب على المصادر الغير عربية. وسأجتهد بعون الله في أخذ المفيد والصحيح من تلك المصادر حيث لا بد من التعامل معها بنظرة فاحصة وناقدة لكونها تمثل نظرة غربية وأحياناً غريبة عن الثقافة العربية. ولا بد هنا من الإشارة الى موقع مميز وموسوعي أقامه بعض الباحثين للرد على الشبهات والتشويهات التي تأتي من المصادر الغربية وهو موقع Islamic Awareness.

booktodisplay
تطور شكل حروف الخط الحجازي أساساً لغرض صناعة مصاحف الرق المجلدة (كما في الصفحة على اليمين) تحديداً بعد وفاة الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم. إلا أن نمط الخط الحجازي ساد ليستخدم في عموم الكتابة والإستخدامات العملية الأخرى. ونرى في الصورة على اليسار حجر الأساس لسد في الطائف بني في عهد معاوية بن أبي سفيان وقد كتب عليه بالخط الحجازي المماثل لخط المصاحف.
yabis-layyin
الخط الحجازي مبني على ما كان يسميه العرب يومذاك خط الجزم. وخط الجزم في مجمله يصف طريقة رسم الحروف وكان يكتب على شكلين. الشكل الأول هو الخط الجاف ونستطيع القول بأن الخط الحجازي يعتبر من أوائل الخطوط الجافة (حيث أعقبه الخط الكوفي). والخط الثاني هو اللين والذي كان يمثل الكتابة اليدوية. وفي الصورة مقارنة بين الخط الحجازي الذي يمثل الخطوط الجافة -على اليمين- وكتابة بيد والي من ولاة مصر إسمه شريك بن قرّة -على اليسار- والذي يمثل الخطوط اللينة. وفي الغالب تعود هاتان المخطوطتان الى نفس الفترة التاريخية. والخطوط الجافة تتميز بطابع هندسي وزوايا حادة حيث أنها كانت محاولة في إضفاء صفة السمو والمرجعية الى الخط الذي كان يكتب به كلام الله في مصحف. أما الخطوط اللينة ذات الضربات المنحنية فكانت تستخدم في المعاملات ككتابة العقود والمراسلات وما شابه ذلك. وقد استمر الخطاطون يكتبون المصاحف بالخط الجاف بأنماطه الحجازي ثم جاء بعده الخط الكوفي فالكوفي المشرقي والخط المغربي الى فترة طويلة من الزمن. ثم سادت الخطوط اللينة في كتابة المصاحف في القرن الرابع الهجري (التاسع الميلادي) على يد خطاطي بغداد من أمثال إبن مقلة وياقوت المستعصمي وابن البواب.
density
ولنستعرض خصائص الخط الحجازي إبتداءاً من الصفحة. وأحب أن أنوه الى أننا سنرى أن لكل مثال نقدمه عن الخط الحجازي له مثال يضاده تقريباً. فمثلاُ نرى أن أغلب صفحات المصاحف التي كتبت في فترة الخط الحجازي كانت كثيفة من حيث صغر الهوامش وتقارب المسافات بين السطور الى درجة تلامس أطراف الحروف العالية كالألفات واللامات مع قاعدة السطر الذي فوقه. كما أن الحروف ذوات المقاطع المتدلية وخاصة حرق القاف تخترق مسار الكتابة في السطر الذي هو أسفل منه. وخير ما يمثل ذلك النموذج علي يمين الصورة. ومع أن كثافة الكتابة هي الصفة العامة والمتولدة عن الحاجة العملية في جمع نص القرآن الكريم كاملاً في مجلد واحد، إلا أننا نجد أمثلة أخرى تحمل صفات مغايرة كنموذج المصحف على اليسار في الصورة. ونرى في هذا النموذج أن الأسطر متباعدة مع ترك مسافة للهوامش.
spacingandalignment
وقد كان لخطاطي المصاحف الحجازية طريقة في ضبط تناسق الكلمات على السطور. ومن هذه الطرق التي تميز الخط الحجازي هو توازن الفراغات بين مقاطع الكلمات وبضمنها ما بين الكلمات. ويبدو أن مفهوم المسافة الفاصلة بين كلمتين عند الكتابة لم تكن معروفة في ذلك الوقت. وهذا ينطبق على كتابة بعض الأمم الأخرى كاللاتينية. ولذا فإننا نرى في مصاحف الخط الحجازي أن المسافة تكون بين المقاطع المنفصلة وإن كانت ضمن حدود الكلمة الواحدة عند الحروف التي لا تتصل مع الحروف التي تليها كحروف الألف والدال-ذال والراء-زاء والواو. ونرى هذا التوازن في عموم صفحات المصاحف الحجازية كما في المثال الذي على يمين الصورة. وقد يصل هذا الأسلوب ذروته كما في المثال في وسط الصفحة حتى لكأنك تستطيع تسقيط مشبك يضع كل مقطع من مقاطع كتابة هذه الصفحة في خانتها لتجانس المسافات بين المقاطع وتباعد المقاطع عن بعضها البعض. أما المثال الذي على يسار الصورة فيمثل أسلوباً آخر يتبعه خطاطوا المصاحف الحجازية وهو محاذاة الحروف العالية كالألف واللام عمودياً عبر سطور الصفحة كما هو واضح في الجزء المضيء في المثال. وهذه المحاذاة كانت تطبق على الحروف المدورة كالميم والفاء والقاف والهاء المنفصلة حيث يحاول الخطاط رصفها عمودياً متى إتيحت له الفرصة وخاصة في بدايات السطور.
orientation
بقي أن نذكر أن المصاحف الحجازية كانت ذات قطع عمودي أو طولي ومعظمها بحجم يقارب حجم ورق الـ A4 الحديث. ويعكس هذا الإتجاه الجانب العملي في صناعة المصاحف الحجازية حيث لم يكن الجانب التجميلي قد أخذ مأخذه في فترة صناعة المصاحف الحجازية. ومع تنامي الرفاهية في المجتمع المسلم في فترة الإدارة الأموية والعباسية تحولت صناعة المصاحف الى حرفة ذات مستوى عالي في الجانب الجمالي والذي تبعه إستخدام القطع العريض الذي شاع في فترة المصاحف الكوفية التي جاءت بعد فترة المصاحف الحجازية. وكما ذكرنا فإن لكل قاعدة من قواعد الخط الحجازي نقيضها فأن المثال على اليسار في الصورة يثبت لنا أن القطع العريض استخدم شيئاً ما في عمل المصاحف الحجازية، إلا أن ذلك ربما كان من النوادر.
tooleffect
يستطيع المتفحص لصفحات المصاحف الحجازية معرفة الأداة والمواد المستخدمة في صناعتها. فترينا ضربات الخط من حيث طريقة رسم الحروف أن الخط قد تم رسمه بواسطة قلم ذو سن عريض. ونستطيع أيضاً تخمين بأن السن لم يكن مشطوفاً كما في أقلام الخط التي جاءت فيما بعد وذلك من زاوية ميل نهايات الإمتدادات العمودية والأفقية كذلك. حيث أن هذه الزاوية التي تقترب أكثر من الوضع الأفقي يصعب رسمها بقلم ذو سن مشطوف. كما أن الزيادة في وزن ضربة الخطوط العمودية على وزن ضربة الخطوط الأفقية دليل آخر على انخفاض زاوية سن القلم عند الكتابة. أما لون الحبر وشفافيته فتشير بوضوح أن الحبر المستخدم كان من أنواع أحبار العفص التي سبق وأن تكلمنا عنها في مقالات سابقة. وتذكر إحدى المصادر أن الخطوط العمودية كما في الألف واللام كانت ترسم بضربة قلم تتجه من الأعلى الى الأسفل وبضمنها الألف النهائية والتي كان المفترض أن تكون ضربة القلم فيها سحب الألف من إمتداد الحرف السابق عند خط السطر ورفع الألف النهائية الى الأعلى. ويستدلون على ذلك من خلال تراكم الحبر في أسفل الألف النهائية كما في كلمة “عما” بالقرب من بداية السطر الثامن في الصورة. كما يرينا عين هذا المثال أن عادة التكحيل وتحسين ضربة الخط كانت متبعة في تلك الفترة من الخط العربي حيث تظهر هذه الزاوية التي نتحدث بشكل زاوية قائمة قد تم إستخدام طرف سن القلم لتشكيلها وتحليتها.
slantandtail
ولندخل الأن الى صلب خصائص الخط. وأول ما يميزه هو ميل الخط نحو اليمين والذي أعطى للخط إسمه حيث أن الخط الحجازي كان يسمى بالخط المائل أيضاً. ولا تكاد أي من الخطوط العربية التي جاءت لاحقاً تظهر هذا النوع من الميل. وميل الخط الحجازي هو ما أشار إليه ابن النديم في كتابه “الفهرست” حيث يقول عن الخط المكي (ومن ثم المدني) واللذين نجمعهما اليوم بمسمى واحد هو الخط الحجازي حيث يقول: “فأما المكي ففي ألفاته تعويج الى يمنة اليد وأعلى الأصابع وفي شكله انضجاع يسير”. ويكاد يكون ما كتبه ابن النديم هو النص الوحيد من الأثر الذي يصف هذا النوع من الخط. ونرى في الصورة مثالين يتباين فيها درجة ميلان الخط كما يتباين فيها عوجة الالفات أو ذيولها المميزة. وفي الوقت الذي إنقرض فيها الميلان سريعاً مع انتشار الخط الكوفي القائم احتفظت الالفات بذيولها خلال فترة الخط الكوفي الذي عقب الخط الحجازي. وأحب لفت النظر مرة أخرى الى طريقة محاذاة الألفات  واللامات المائلة عبر السطور حيث يظهر تجمع هذه الحروف كالجدائل التي تنحدر الى الأسفل واليسار عبر الصفحة في المثال الأول على اليمين. وبالعودة الى مزية ميل الحروف الى اليمين فقد فكرت وبحثت ملياً في الأسباب التي بعثت خطاطو المصحاف للكتابة المائلة بهذا الشكل. وقد حاول الباحث الغربي آلن جورج في كتابه “نهضة الخط الإسلامي” ربط السبب بتأثر كتّاب المصاحف بالكتابة السريانية التي كانت تتميز بالميل نحو اليسار. ولكني لم أجد مثالاُ واحداً يثبت رأيه وكل الأمثلة التي ساقها كانت من مخطوطات سريانية جاءت بعد فترة الخط الحجازي بقرون. ولكن الرأي الذي ذكره الباحث الألماني من جامعة ساربروكين الدكتور جيرد بوين  أقرب الى المعقول حيث يقول أن أسهل الخطوط العمودية التي يمكن أن يرسمها المرء هي الخطوط المائلة نحو اليمين كما يذكر في مقالته في كتاب “مصاحف صنعاء“. وحيث أني شخصياً أقوم بالرسم أحياناً فقد تطابق رأي الدكتور جيرد مع تجربتي في الرسم كما قمت بالمقارنة بين رسم ضربات القلم العمودية فوجدت الرأي صحيحاً. والخط الحجازي عموماً يتميز أيضاً بالصواعد العالية كما في حروف الألف واللام وخط الطاء والظاء. ويعمد بعض من كتب بالخط الحجازي الى التفريق بين صواعد الحروف عند إجتماعها كما يفعل المرء حينما يفرق بين أصابع يده ولربما كانت هذه مزية جمالية في تلك الفترة مثلما كان التفريق بين الأسنان أو ما يسمى الوشر الذي نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم. ولكن الأمر هنا مختلف والتشابه فقط في فكرة التفريق بين الأطراف المجتمعة. ولربما كان المنحى في زيادة إستطالة الصواعد من الحروف هو إضفاء الهيبة والسمو على الخط وبما يناسب كتابة كلام الله. وفي الوقت الذي كانت فيه نقط الحروف معروفة – على خلاف ما يظنه الكثيرون-  فإن إستخدامها كان يسيراً مما يساعد في تقليل الغبش في شكل الصفحة وبالتالي الزيادة في تحقيق  الهيبة المطلوبة.
orthography
حينما يقوم خطاط المصاحف بعمله هناك مجموعات عديدة من القواعد التي عليه أن يطبقها. وهذه القواعد تشمل قواعد رسم الحروف التي تتعلق بالرسم الصحيح لأشكال الحروف وطرق إتصالها في الكلمات وقواعد رسم كلمات القرآن وهو ما عنت به كتب رسم المصاحف أو ما نسميه الإملاء. ثم هناك قواعد خطاطية لضبط جمالية الحروف والذي تطور لاحقاً الى درجة عالية من الضبط والتقنين. ومن دراستي للخط الحجازي لاحظت إلتزام أغلب المصاحف بطرق رسم الحروف بما يشير الى بلوغ صنعة الكتابة درجة كبيرة من التأصيل في فترة كتابة المصاحف الحجازية. فمثلاُ حينما تكتب حروف الكرسي على التتابع كما في الباء والياء والنون في أول كلمة “بينهما” المؤشرة بالرقم (1) في الصورة نجد أن كتّاب المصاحف دون استثناء يقومون بالتمييز بين الحروف بتغيير ارتفاع السن وذلك لتسهيل قراءة الكلمة. كما أن أشكال بعض الحروف المعقدة مثل الهاء الأولية واللام ألف (لا- كما هو مؤشر بالرقم 2 في الصورة) قد وصل الى درجة من النضج والتطوير في شكلها. كما أن الإتصال بحروف الجيم-حاء-خاء كان في غالبه يتم من أعلى الحرف بما يتطلب التخطيط المسبق قبل رسم الكلمة للمحافظة على إتساق الكلمة على السطر دون نزولها عند موضع هذه الحروف بسبب هذا النوع من الإتصال (رقم 3 في الصورة). أما بالنسبة للقواعد الخطاطية الجمالية فيبدو أنها لم تصل الى الدرجة التي يتضائل فيها الأسلوب الفردي للخطّاط أمام الأصول الخطاطية التي من شأنها توحيد الخط ضمن إطار جمالي معين. ولذا نجد أن الخط الحجازي يتباين كثيراً بين أعمال الخطاطين بل وحتى في المصحف الواحد الذي كان يتعاون عليه عدد من كتبه المصاحف يومذاك. وأحب أن أشير سريعاً الى ممارستين من ممارسة الخطاطين يومذاك منهما تكحيل الحروف بسن القلم لتكوين أشكال هندسة منتظمة كملئ الزوايا وتدوير الحروف المدورة كما في حرف الميم المؤشرة بالرقم (4) في الصورة. والثانية هي طريقة إرجاع ذيل الياء الى اليمين أسفل الكلمة (كما مؤشر بالرقم 5 في الصورة). ولا أعتبر هذه الممارسة قاعدة كتابية لأنك تجد خلاف ذلك أحيانا حينما تكتب الياء كما تكتب اليوم بتوجيه ذيل الياء الى اليسار باتجاه الكتابة.

وبهذا أكون بفضل الله قد وضحت ما توصلت إليه من خصائص الخط الحجازي من خلال دراستي له خلال هذه السنة التي أوشكت على الإنتهاء. وأرجو الله الكريم أن يوفقني في التوسع في هذا المبحث ونشره في كتاب في المستقبل بإذنه تعالى. ونحمد الله على فضله إنه لطيف لما يشاء وهو العزيز القدير. والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وسيد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

Advertisements

الرَّق – مادة المصاحف الحجازية

parchmentdeer

والطور وكتاب مسطور في رق منشور

أقسم الله جلّ جلاله بالقلم كما ذكرنا. ولم يكن الرق الذي يُكتب عليه بعيداً عن قسم الله ذلك بأنه سبحانه أقسم بالكتاب المسطور في رق منشور كما ورد في سورة الطور في القرآن الكريم. والرَق هو ما كانت تكتب عليه المصاحف قبل استعمال الورق الذي جاء من الصين في القرن الثامن الميلادي الى بقية العالم بعد الفتح الإسلامي لبلدان الشرق. والرق هو جلد الأنعام الخفيف والدقيق ولذلك سمي الرق من الرقة. ويصبح الرق جاهزاً للإستخدام بعد عملية إنتاج طويلة ومضنية تجعله مادة نفيسة غالية. ولكنه بالرغم من هذا كان هو المفضل على غيره من المواد لخصائصه التي جعلته محبباً للخطاطين وصانعي الكتب المجلدة والاسفار في تلك الحقبة من التاريخ.

ويتميز الرق عن بديله ورق البردي أو ما كان يسمى القرطاس آنذاك بالمتانة لمقاومته البلي والتمزيق ولسطحه الأملس المناسب للكتابة. وهو يتيح إمكانية تصحيح الأخطاء بالكشط بل وحتى إزالة الكتابة كلها بغسل الرق بالماء الذي يذيب الحبر الذي كانوا يستعملونه. كما يتفوق الرق على القرطاس بإمكانية طيّه في صفحات تُجمع بشكل كراريس وتُخاط مع بعضها لصناعة المصاحف المجلدة في حين أن القرطاس لا يمكن طيه. ولكتابة النصوص المطولة على القرطاس كانت الصفحة منه تلصق بحافة الصفحة الأخرى لتكوين شريط طويل يلف بشكل إسطواني.

القرطاس المصنوع من ورق البردي. ويصعب طي هذا النوع من الورق لذا تلصق حافة الورقة مع الأخرى لتكوين القرطاس.
القرطاس المصنوع من ورق البردي. ويصعب طي هذا النوع من الورق لذا تلصق حافة الورقة مع الأخرى لتكوين القرطاس.
قطعة من ورق البردي مكتوب عليها آيات من القرآن الكريم. وتقول المصادر الغربية بأنه لم يعثر على مصحف كامل على البردي حيث كان المسلمون. وذلك لأن المسلمين كغيرهم فضلوا الرق على القرطاس لكتابة المصحف الشريف.
قطعة من ورق البردي مكتوب عليها آيات من القرآن الكريم محفوظة في جامعة ليدن في هولندا. وتقول المصادر الغربية بأنه لم يعثر على مصحف كامل مكتوب على البردي . وذلك لأن المسلمين كغيرهم فضلوا الرق على القرطاس لكتابة المصحف الشريف.

وكان تفضيل المسلمين لاستخدام الرق في كتابة المصاحف يشبه تفضيل الطوائف المحيطة في اختيار الرق كمادة لصناعة كتبهم بينما ترك المسلمون القرطاس لكتابة العقود والمراسلات. ونمت قدرة المسلمين في صناعة مصاحف الرق منذ فترة المصاحف الحجازية حتى بلغت أوجاً عظيماً في الفترة العباسية وذلك الى أن جاء الورق ليكون هو المفضل لرخص ثمنه وسهولة إنتاجه بالمقارنة مع الرق. وبالرغم من إنتشار إستخدام الورق بعد الرق في بغداد والشام ظل الرق يستخدم في المغرب العربي لكتابة المصاحف ردحاً من الزمن بعد ذلك. أما اليوم فقد زالت الحاجة الى إستخدام هذه المادة الجميلة، اللهم باستثناء إستعماله في الدفوف والطبول وآلة الربابة البدوية.

صناعة الرق

ولنستعرض عملية صناعة الرق ليتضح لنا الجهد المبذول في تحضير هذه المادة النفيسة. وأول العمليات تتمثل بتنقيع جلود الأغنام في محلول الكلس (أو الجير كما يسميه المصريون) لمدة عشرة أيام. وبعد غسل الجلود يتم إزالة الشعر من على وجه الجلد والشحم من على ظهرة بوضع الجلد على سطح محدب وكشط الجلد بسكين مقوسة. وبعد هذه العملية يوتر الجلد في إطار ويغرف عليه الماء شيئاً فشئ كما يحك بشفرة هلالية لإزالة ما تبقى من الشعر أو الشحم. وبعد أن يجف يصبح الجلد مكوناً من مادة الكولاجين في غالبها حيث يمكن إستعمالها للكتابة بعد تنعيم الوجه بمسحوق حجر الخفاف وتبييضه بالمساحيق الطباشيرية.

التجفيف التدريجي لجلود الأغنام المشدودة ينتج الرَق.
التجفيف التدريجي لجلود الأغنام المشدودة ينتج الرَق.

وبالرغم من تعقيد عملية تحضير الرق من جلود الأغنام والمعرفة الحرفية المطلوبة فإن الرق المطلوب لعمل المصاحف الحجازية كان يصنع محلياً في الغالب. ولربما لم يكن من الضروري الإستفادة من موقع مكة والمدينة التجاري لاستيراد الرق من خارج الحجاز حيث أن أهمية المصاحف بالنسبة للمسلمين الأوائل كانت بمثابة الأولوية التي دفعتهم لتجاوز نظرتهم الى المهن وكذلك تجاوز اعتمادهم على التجارة بتوفير مادة الرق من خلال تصنيعه من قبلهم مباشرة.

وتبلغ أبعاد قطعة الرق في حدود الـ100 في 90 سنتيمتراً قبل تقطيعها الى صفحات مستطيلة. وحيث أن أبعاد أغلب المصاحف الحجازية كانت تتراوح بين 40-45 سم للطول و25-28 سم للعرض فقد مكّن هذا عمل ورقتين مزدوجتين بما يعطي 8 صفحات من الجلدة الواحدة. ولمصحف مؤلف من 450 صفحة تقريباً نحتاج الى ما بين الـ 50 الى 60 رأساً من الغنم. وبالتالي نستطيع القول بأن صناعة مصحف كامل باستخدام الرق يمثل إستثماراً مالياً كان يحسب له حسابه.

تقطيع الرق بعد جفافه وتكوين الصفحات.
تقطيع الرق بعد جفافه وتكوين الصفحات.

الكتابة على الرق

لربما لم يتم تقهير الرق في جميع المصاحف الحجازية حيث تم كتابة النص القرآني على الرق بعد جفافه وتقطيعه مباشرة. ولكن تحمل بعض المصاحف آثار التقهير. والتقهير مصطلح يستخدمه الخطاطون حالياً لتحضير الورق للخط بمعالجة سطحه ليكون أكثر نعومة بما يتيح كتابة دقيقة. ولربما انتقلت حرفة التقهير من الرق الى الورق حيث كانت المادتين تعالجان بالسحن بمسحوق حجر الخفاف والتبييض بمعاجين الكلس لزيادة صقل وجه سطح الكتابة وتحسين تقبله للحبر.

ولربما مثلت شفافية الرق قضية بالنسبة لخطاط المصاحف الحجازية وذلك لظهور الكتابة المكتوبة على ظهر الصفحة بسبب شفافيتها. ويلاحظ أن الخطاط كان يطابق السطر الذي يكتبه فوق السطر الظاهر من خلف الصفحة ليقلل من تشويش الكتابة على الظهر للكتابة المقروءة على الوجه. ولعل عدم إلتزام الخطاط بتجميع مقاطع الكلمات وتفريقها على السطر بمسافات متوازنة نابعة أيضاً من محاولة تغطية كتابة الظهر بالكتابة فوقها على الوجه. ولربما يتسنى لنا دراسة هذه التفاصيل بشكل أكثر دقة بعد الإطلاع على المخطوطات الأصلية مباشرة.

الرق مادة شفافة. ونرى في الصورة حرفيين في ورشة إنتاج حديثة في إسبانيا وهما يفحصان الصفحة بالإستفادة من شفافية الرق وذلك بتسليط ضوء من الخلف.
الرق مادة شفافة. ونرى في الصورة حرفيين في ورشة إنتاج حديثة في إسبانيا وهما يفحصان الصفحة بالإستفادة من شفافية الرق وذلك بتسليط ضوء من الخلف.

التجليد

تشير المراجع الى أن المخطوطات القديمة كانت تصنّع بتجميع الصفحات المزدوجة في كراريس وتؤلف الكراريس بخياطتها وربطها مع بعض عند الكعب ومن ثم إحاطتها بلوحين من الخشب الذين يُكسيان بالجلد. ولربما كان هذا صحيحاً للمصاحف الحجازية المتأخرة والمصاحف الكوفية، إلا أن فحص النموذج الوحيد المتوفر لي وهو المصحف الحجازي في جامعة توبينجن تظهر بأن الكراس الواحد كان يصنع من صفحتين مزدوجتين بمعنى أن الكراس يتضمن أربعة صفحات فقط. وهذا يسهل عمل الخطاط حيث أنه يتعامل مع قطعة مستطيلة واحدة من الرق يرتب الخطاط عليها نص القرآن الكريم على صفحات متتابعة ثم يطوي القطعة عند منتصفها ليكوّن الكراس بعد الكراس والتي تجمع في النهاية بخياطة الواحد بالآخر.

نموذج حديث يوضح طريقة خياطة الكراريس في المصحف الحجازي وتجميعها بين لوحين من الخشب. وهذا النموذج يطابق ما ورد من الأثر حيث يروى عن علي بن أبي طالب أنه قال: "رحم الله أبا بكر فإنه أول من جمع بين اللوحين".
نموذج حديث يوضح طريقة خياطة الكراريس  في المصحف الحجازي (وهي هنا ورقية) وتجميعها بين لوحين من الخشب. وهذا النموذج يطابق ما ورد من الأثر حيث يروى عن علي بن أبي طالب أنه قال: “رحم الله أبا بكر فإنه أول من جمع بين اللوحين”.

ويتراوح ثخن الرق بين الـ 0,3 و 0,5 مليمتر. وبذلك تكون المصاحف سميكة جداً بالمقارنة مع المصاحف الورقية التي نتداولها اليوم، حيث أن المصحف الحجازي المجموع في مجلد واحد يبلغ سمكه ما يزيد على الـ13 سم لمصحف مؤلف من 450 صفحة.

المصحف الحجازي في جامعة توبينجن الألمانية. ونرى الخياطة بين الكراريس المجموعة. ويبدو أن المصحف قد فقد غلافه الخارجي الذي ربما كان من الخشب على الأغلب.
المصحف الحجازي في جامعة توبينجن الألمانية. ونرى الخياطة بين الكراريس المجموعة. ويبدو أن المصحف قد فقد غلافه الخارجي الذي ربما كان من الخشب على الأغلب.
يعد مصحف توبينجن صغير الحجم بالمقارنة مع المصاحف الحجازية الأخرى.
يعد مصحف توبينجن صغير الحجم بالمقارنة مع المصاحف الحجازية الأخرى.
صورة مقربة ترينا خياطة الكراريس أيضاً ويظهر نوعين من الخيوط. فالكراريس كانت تخاط بخيط قطني رفيع على خيط ثخين ربما من الجوت لجمع الكراريس مع بعضها.
صورة مقربة ترينا خياطة الكراريس أيضاً ويظهر نوعين من الخيوط. فالكراريس كانت تخاط بخيط قطني رفيع على خيط ثخين ربما من الجوت لجمع الكراريس مع بعضها.
صورة كعب مصحف قديم وجد في الصين في دونج زيانج وتوضح نسيج الخياطة وعقد الجمع.
صورة كعب مصحف قديم وجد في الصين في دونج زيانج وتوضح نسيج الخياطة وعقد الجمع.

الحبر والمحابر في الخط الحجازي

الحبر

flowing-ink

إن تركيبة الحبر الذي استخدم في المصاحف الحجازية حسب ما يظهر لنا تتكون من خلطة نقيع حصى العفص المهشم والزاج وهذا كان ينتج حبراً أو مداداً بلون أسود مزرق. وحينما نضيف ما يقارب الـ1400 سنة الى الخلطة يصبح لون الخط الحجازي بنياً حيث يتحول لون الحبر مع مرور الزمن من الأسود الى البني.

hijaziinkonparchment

وقد إستخدم حبر العفص لقرون خلت قبل ظهور الإسلام. ويتم إعداد هذا الحبر من حصيات العفص التي تنمو على أشجار السنديان بفعل حشرة العفص التي تضع بيوضها في نهايات أغصان الشجرة حيث ينمو ما يشبه الورم في مكان بيوض الحشرة لتعيش فيه يرقاتها. ثم وبعد تحول اليرقة العجيب الى حشرة تثقب هذه الأخيرة جدار كرة العفص لتخرج منها الحشرة المكتملة تاركة ورائها بيتها الذي يتصلب ويتحول الى حصوة كرويّة مثقوبة.

oakgalls
حصيات العفص ولونها البني المحمر يشير الى ما بها من الأحماض الدباغية. لاحظ الثقب الصغير في الحصاة في أقصى اليسار وهو مكان خروج حشرة العفص من بيتها بعد اكتمال نموها.
ferrous-oxide
الزاج الأخضر وهو كبريتات الحديد الذي يقوم محلوله بتحويل نقيع العفص الى اللون الأسود المزرق.
gum-arabic-tears
الصمغ العربي وهو مادة عجيبة تستخدم في الكثير من الصناعات والتي منها الحبر. ويضاف الى الحبر لإعطاءه القوام المناسب للخط. كما يمكن صناعة قطع الحبر الصلبة منه أيضاً والتي يمكن إذابتها ومن ثم استخدام الحبر كما تستخدم الألوان المائية الحديثة والتي يدخل الصمغ العربي كعنصر رئيسي من بين مكوناتها.

وقد كان العفص المفضل لصناعة الحبر هو العفص الحلبي. ويفضل أستعماله بعد خروج الحشرة من مكانها حيث يكون العفص غنياً بأحماض الدباغة. وقد وصف إبن باديس في الباب الثاني من كتابه “عمدة الكتاب وعدة ذوي الألباب” عدة وصفات للمداد أو الحبر التي تتضمن العفص. وفي العموم فإنه يتم تكسير العفص وتنقيعه بالماء العذب عدة أيام في مكان دافئ ثم يصفى الناتج الذي يكون بني اللون ويضاف إليه الزاج. والزاج هو كبريتات الحديد الذي يمكن صناعته بإضافة حامض الكبريتيك الى الحديد. وبإضافة الزاج الى ماء العفص يتحول لون السائل الى اللون الأسود المطلوب. ويضاف الصمغ العربي الى هذا المزيج لزيادة لزوجة المداد حيث يتحسن أداء المداد من حيث كمية ما يمكن حمله من المداد بالقلم وكذلك يتحسن جريان الحبر على سطح الرق الذي كانوا يكتبون عليه.

ولا يتشرب المداد في الرق سريعاً كما هو الحال في الورق الذي استخدم فيما بعد. وهذا يسهل تصحيح الأخطاء بمسح المداد إن كان لا يزال رطباً أو بحكه عن سطح الرق إذا تم جفافه. ويعمل مداد العفص على التأثير في الرق مع مرور الزمن بسبب حامضيته. وقد كان الرق يعاد إستعماله أحياناً بغسله لإزالة الكتابة وإعادة الكتابة عليه. ومن المصاحف الحجازية ما يحمل آثاراً تشير الى إستعماله عدة مرات. حيث يظهر شبح الكتابة الأصلية تحت الكتابة الجديدة بفعل أثر الحامض الموجود في المداد على سطح الرق.

صفحة من مصحف تم تدوير صفحاته بإزالة الكتابة المكتوبة بالخط الحجازي وإعادة كتابة المصحف بالخط الكوفي. ولم يظهر الخط الحجازي الأصلي من تحتب الكتابة الكوفية اللاحقة إلا بعد مرور فترة الزمن بفعل ما تركه الحبر من الأحماض الدباغية التي تشربت في الرق ولم تظهر للخطاط الكوفي أول الأمر.
صفحة من مصحف تم تدوير صفحاته بإزالة الكتابة المكتوبة بالخط الحجازي وإعادة كتابة المصحف بالخط الكوفي. ولم يظهر الخط الحجازي الأصلي من تحتب الكتابة الكوفية اللاحقة إلا بعد مرور فترة الزمن بفعل ما تركه الحبر من الأحماض الدباغية التي تشربت في الرق ولم تظهر للخطاط الكوفي أول الأمر.

وبالرغم من وجود الأحبار الكربونية في زمن كتابة المصاحف الحجازية إلا أنه يبدو أن الحبر الذي وصفناة آنفاً هو المفضل. ونرى أن المصاحف التي صنعت لاحقاً ومنذ الفترة الأموية والتي كتبت بالخط الكوفي كان الحبر المفضل لدى صانعيها هو حبر الكربون الأسود الذي لا يتغير لونه مع مرور الزمن.

المحبرة

المحابر المحمولة تسهل كثيراً على الخطاطين وخاصة في النصوص المطولة. وقد كانت المحابر تصنع من مواد عديد منها الزجاج أو الطين المفخور. ومما يساعد على التحكم في كمية الحبر المستخدم وجود سطح يمكن إسقاط المداد الزائد علية وهذا واضح في المحبرة المنضدية التي يستقر عليها القلم في الصورة. وترينا الصورة بعض المحابر البدائية والبسيطة إضافة الى محبرة جميلة منحوتة من حجر البازلت في يمين الصورة. والمحابر المعروضة هنا أمثلة من مراحل تاريخية ومناطق جغرافية عديدة ليس منها شئ من الحجاز قديماً ولكنها تعطينا فكرة عمّا كان من الممكن إستخدامه من قبل خطاطي المصاحف الحجازية. وتذكر شيلا بلير في كتابها الخط الإسلامي بأنه لم يبق من أدوات الخطاطين من تلك الفترة أثر مادي يقيني يمكن الإسترشاد بها.
المحابر المحمولة تسهل كثيراً على الخطاطين وخاصة عند كتابة النصوص المطولة. وقد كانت المحابر تصنع من مواد عديدة منها الزجاج أو الطين المفخور. ومما يساعد على التحكم في كمية الحبر المستخدم وجود سطح يمكن إسقاط المداد الفائض علية وهذا واضح في المحبرة المنضدية التي يستقر عليها القلم في الصورة. وترينا الصورة بعض المحابر البدائية والبسيطة إضافة الى محبرة جميلة منحوتة من حجر البازلت في يمين الصورة. والمحابر المعروضة هنا أمثلة من مراحل تاريخية ومناطق جغرافية عديدة ليس منها شئ من الحجاز قديماً ولكنها تعطينا فكرة عمّا كان من الممكن إستخدامه من قبل خطاطي المصاحف الحجازية. وتذكر شيلا بلير في كتابها الخط الإسلامي بأنه لم يبق من أدوات الخطاطين من تلك الفترة أثر مادي يقيني يمكن الإسترشاد به.

إن كمية الحبر المحدودة التي يمكن لقلم القصب حملها تفرض على الخطاط تكرار إمداد القلم بالحبر مراراً أثناء الكتابة. ويمكننا تصور كثرة هذا التكرار في عملية كتابة نص مطوّل كنص المصحف. وهذا التكرار يستوجب سهولة إمداد القلم بالحبر ويفرض على شكل المحبرة تصميماً يكون مناسباً لإمداد القلم بالحبر بسهولة ويسر.

وقد تكون المحابر الصغيرة المحمولة باليد التي لا تكتب هي الحل الأمثل للخطاط. حيث يمكن تزويد المحبرة بكمية محدودة من الحبر واستعمالها حتى ينفد الحبر ومن ثم إعادة ملءها. وإن بقي شئ من الحبر في المحبرة بعد الإنتهاء من جولة الخط فلن يكون سوى القليل الذي يمكن إعادته الى المحبرة أو إبقاءه ليجف في المحبرة حيث يمكن حله بإضافة كمية جديدة من الحبر في الجولة اللاحقة من الكتابة. وهذا ممكن لأن الأحبار التي كانت مستخدمة قديماً تذوب بالماء بعد جفافها.

ويتم صناعة المحابر لتحتوي على مقدار من الحبر في تجويف المحبرة الداخلي. كما يتم تشكيل حلقة حول فتحة التجويف العلوية لينفض الخطاط عليها الفائض من الحبر من على قلمه بوضع سن القلم أو كشطه على الحلقة. ومع تراكم الحبر في الحلقة تنساب الكمية التي لم تجف منه عائدة الى تجويف المحبرة تارة أخرى. ومع زيادة خبرة الخطاط يصبح لديه الحس بكمية الحبر المناسبة على سن القلم والتي يمكن عمل ضربات الخطوط الحادة الكتيمة ذوات الحافات المنتظمة باستخدام الكمية المناسبة من الحبر.

46c9d44e67968cd3aa7828e32969299e

قلم الخط الحجازي

عرضنا في المقالة السابقة مخطوطة بالقلم الحجازي المائل ورأينا كيف أثبت فحص نظائر الكربون نسبة المخطوطة الى القرن الأول الهجري. وبالنظر لارتباط الخط الحجازي بكتابة المصاحف الأولى  يكتسب الخط الحجازي أهمية خاصة. وسأحاول أن أبين بعض الجوانب المتعلقة بالخط الحجازي عبر سلسلة من المقالات بتوفيق الله. وبالرغم من أن التسلسل المنطقي يفرض عرض الخصائص العامة للخط إلا أني سأبدأ بما هو أسهل نسبياً وذلك بالبحث في الأدوات والمواد التي استخدمت في صناعة مصاحف الخط الحجازي المائل حيث أعود الى خصائص الخط نفسه بعد أن تكتمل لديّ صورة أوضح عن تلك الخصائص. ولنبدأ بما أقسم الله جلّ جلاله به وهو القلم.

qalam

علّم بالقلم

من بين أدوات الكتابة التي تتضمن القلم والمداد وما يكتب عليه، كان القلم هو الأظهر في كتاب الله وذلك حينما أقسم الله به في سورة القلم إذ قال سبحانه: “نون والقلم وما يسطرون”. وقد كان الرب سبحانه قد أشار وأشاد بالقلم حينما قال جلّ جلاله من قبل في أول ما نزل من القرآن: “علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعمل”. ثم يظهر لنا القلم متصدراً في مشهد مهيب حينما يمجد الله قدرته سبحانه حين يقول: “ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم”.

ومن جهة حرفة الخط فلعل أهمية القلم تكمن في أنه الأداة الأهم التي تجسد قدرات الخطاط أو الكاتب وموهبته أمام الناظرين. إذ بواسطته يقوم الخطاط بتشكيل الحبر على سطح الكتابة بأنامله بضربات متتابعات ثابتات تجتمع وتتفرق في توازن وتناغم لتصور لنا أشكالاً كتابية من حروف وكلمات تروق لنا بشكلها قبل فحواها وتداعب حس الجمال الذي يملكه أغلب الناس منّا.

ولكتابة القرآن الكريم إستخدم المسلمون الأوائل قلم القصب الذي كان شائعاً ومعروفاً بين من يكتب من أهل الحجاز في مكة والمدينة المنورة. وشيوع قلم القصب في الحجاز تابع لشيوعه في المنطقة التي تشمل الجزيرة العربية واليمن والعراق والشام وحوض النيل وجنوب أوروبا ومنذ أزل بعيد.

scribes
إستخدم قلم القصب منذ العصر الفرعوني حيث ترينا الصورة تمثال الكاتب المصري القديم على اليمين واسمه كاي. وهو أيضاً قد إختطف لينتهي به المطاف الى متحف اللوفر ويبدو أنه لا يزال يصّر على الكتابة بالرغم من أنه فقد قلمه. وعلى شمال الصورة نرى كاتباً من الإمبراطورية المغولية الإسلامية في الهند وهذا يحتفظ بقلمه ويكتب بنهم.

ويتمتع قلم القصب بمواصفات جعلته يكتسب هذا الشيوع الواسع والقديم بجدارة. فقلم القصب أولاً زهيد الثمن وهو سهل الإستخدام والإدامة. ولربما كان بري القلم وتكوين السن هو المطلوب فقط لتحضير هذه المادة الخام للخط والكتابة وسرعان ما يكتسب الخطاط مهارة بري القلم والتي تنمو عنده مع مهارة تجويد الخط الحسن ذاتها. وشكل القلم الطبيعي يؤهله للحمل بين الأصابع وتوجيهه بمقدار عالي من السيطرة لرسم اشكال الحروف. كما أن مادة قلم القصب مناسبة لحمل المداد أو الحبر وفرشه على سطح الكتابة بسن القلم.

ويتم قطع القلم بمقدار الشبر من قصب البوص الذي ينمو بكثرة على شواطئ المسطحات المائية. وتدعي شيلا بلير في كتابها الخط الإسلامي بأن أفضل أنواع القصب ينمو في أهوار العراق والمستنقعات في مصر حيث تكون أليافها مستقيمة وصلابتها تقيها بلي السن. ويدرج أبو حيان التوحيدي الذي عاش أغلب عمره في القرن الرابع الهجري في “رسالة في علم الكتابة” أربعة خطوات لإعداد القلم للكتابة وهي الفتح والنحت والشق والقط.

qalampreparation
الخطوات الأربعة لتحضير قلم القصب للكتابة والخط

ويتم قط القلم بشفرة حادة لتكوين السن المناسبة للخط. ويملي نمط الخط وطرازه شكل سن القلم حيث يمكن تشكيل سن عريضة أو دقيقة للقلم. وكان أغلب خطاطي الأقوام المحيطة بالحجاز يشكلون أقلامهم بالسن العريض والذين من بينهم خطاطوا اللغات الإغريقية والرومانية والبهلوية والحبشية والعبرية، بينما تميزت اللغة السريانية المنتشرة حول الحجاز وخلاله باستخدام السن المدور كالذي يستخدم في الخط العربي المغربي الذي جاء لاحقاً. ومهما كانت حاجة الخطاط الى شكل السن المطلوب فإن قلم القصب أظهر مطاوعة واستجاب بسهولة الى طرق تشكيله بأشكال عديدة.

طرق قط قلم القصب تكون إما بالقط العريض دون شطف كما في الشكل 1 أو بالقط العريض مع الشطف كما في الشكل 2 أو بالقط المدور.
طرق قط قلم القصب تكون إما بالقط العريض دون شطف كما في الشكل 1 أو بالقط العريض مع الشطف كما في الشكل 2 أو بالقط المدور.

ولرسم الخط الحجازي قط المسلمون أقلامهم بالسن العريض المستوي ودون تحريفه أو شطف السن كما صار إليه القط لاحقاً والذي ظل نوع القط المفضل لدى الخطاطين الى يومنا هذا. وقد رسمت أغلب المصاحف الحجازية بسن تصل دقتها الى المليمتر الواحد. وقد كان هذا السن يوضع على سطح الكتابة بزاوية مائلة قليلة تتراوح بين 20 و 30 درجة. ونستطيع معرفة ذلك من بدايات ضربات القلم في الخط الحجازي وكذلك من الفرق بين ثخن مقاطع الحروف العمودية بالمقارنة مع المقاطع الأفقية وطبيعة تدرج الثخن في المقاطع المنحنية من الحروف. وتعد قطة قلم الخط الحجازي دقيقة بالمقارنة مع أقلام الخطوط اللاحقة وخاصة الخط الكوفي الذي نشأ مع أيام الخط الحجازي المتأخرة. وقد دعت الحاجة الى ضم نص القرآن الكريم كاملاً في مصحف مجلد واحد لاستخدام خط دقيق وبالتالي جاء سن القلم دقيقاً لتحقيق ذلك.

تعطينا هذه الصور المكبرة لصفحة من مصحف بالخط الحجازي مودع في جامعة توبينجن الألمانية دقة قط القلم الذي كتب به المصحف
تعطينا هذه الصور المكبرة لصفحة من مصحف بالخط الحجازي مودع في جامعة توبينجن الألمانية دقة قط القلم الذي كتب به المصحف

ويلاحظ الذي يستخدم قلماً بسن عريضة غير مشطوفة صعوبة في توجيه الخط من اليمين الى اليسار حيث يتطلب رسم الحروف العربية بهذا النوع من الأقلام مهارة خاصة. ونجد مع مرور الزمن في بدايات العصر الأموي تحول سن القلم العريض الى التحريف والميل تدريجياً حيث أن هذا الميل في سن القلم يسهل رسم الحرف من اليمين الى اليسار ومع تطور الخط العربي من الخط الحجازي الى الخط الكوفي أخذ هذا المنحى بالإنتشار.

وعند الكتابة يضع الخطاط الحجازي سن القلم على الرق بحيث يلامس سن القلم بكامل عرضه سطح الرق ثم يسحب الخطاط القلم إما عمودياً نحو الأسفل أو أفقياً نحو اليسار أو بمقاطع دائرية لرسم الحروف والكلمات بمقاطع خطية تمثل العرض الكامل لسن القلم ويكون ثخن هذه الخطوط بقدر عرض السن أو أقل وذلك حسب نسبة زاوية السن الى إتجاة الخط. وهذه الخطوط تمثل الشكل الرئيسي للحرف أو الكلمة حيث يقوم الخطاط بعدها بملئ زوايا الحرف أو أطرافه بالحبر مستخدماً زاوية السن الداخلية كما يقوم بصقل الحافات ووصل ما تقطع من الخط مستعيناً بزاوية سن القلم كذلك. وتطلعنا الآثار المتبقية من مصاحف الخط الحجازي المائل أن هذه الضربات التجميلية الأخيرة لم تكن تستخدم في كل الحالات حيث أن هناك مصاحف مكتوبة بضربات القلم الرئيسية دون تجميل لاحق. ولربما يعود ذلك الى نقص في قدرة الخطاط أو التقيد بتحقيق هدف التدوين المحض لنص القرآن الكريم.

qalamstroke
يتم رسم الحروف بقلم القصب عبر خطوتين. في الخطوة الأولى يتم تكوين شكل الحرف من خلال ضربات كامل سن القلم العريض الذي يلامس سطح الكتابة كما في الشكل 1(الخط الأحمر). وهذا يترك فراغات كما في الزاوية المؤشرة بالحرف أ في الشكل 2. ويقوم الخطاط بملئ هذه الفراغات بزاوية سن قلم القصب عند الدائرة المؤشرة باللون الأحمر.

وعلى كل حال فإن الضربات التجميلية تشير الى رغبة الكاتب في رفع المستوى الجمالي للكتابة وإنتاج ما هو أكبر وأسمى من التدوين المحض للنص. وهذا يؤسس مبدأ الخط الذي يتميز عن الكتابة الإعتيادية في تلك الفترة بهذه التفاصيل والتي تشمل تحديداً عمل الترويس في بدايات ونهايات ضربة القلم، وضبط تدوير المقاطع الدائرية في الحروف، وتثخين الضربات وملء الزوايا.

ويبلى سن قلم القصب بعد فترة من الكتابة مما يتطلب تجديده. ومن الصعب تحديد عدد القطات خلال كتابة نص طويل كما هو الحال عند تدوين المصحف. ولكن من المؤكد أن خطاط المصاحف كان يعيد بري السن مرات عديدة أثناء التدوين وبنفس جلسة الكتابة. وبهذا تتكامل مهارة بري القلم مع مهار الخط وتصبح أساسية مما يستوجب على الخطاط إجادته. وقد نقل أبو حيان التوحيدي عن إبن مقلة أنه قال: “القط هو الخط”. وترينا أعمال فيزال سوادي من سنعافورة أن مهارة بري القلم يمكن أن تنمو لتصبح فناً قائماً بذاته وفيما يلي مجموعة من الصور من موقعه حول فن القط بالإضافة الى تسجيل يصور جمال هذه المهارة.

fdk-141211-qalam-crafting-13-sr

fdk-141211-qalam-crafting-12-sr

fdk-141211-qalam-crafting-05-sr

fdk-141211-qalam-crafting-02-sr

وقد ظل قلم القصب ملازماً للخط العربي حتى يومنا هذا في الوقت الذي تخلى عنه خطاطو اللغات الأخرى الذي ذكرنا بعضاً منها. وهذا يعود من جانب الى طبيعة الخط العربي ومن جانب آخر الى القدرات والخصائص الذاتية لقلم القصب والتي حاولت توضيحها في هذه المقالة.