تصميم المصاحف

الأرث الثقافي العظيم

حرص المسلمون الاوائل على حفظ القرآن الكريم من خلال تدوينه وسارعوا بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وسلم على جمع القرآن في المصحف. وقد أولى المسلمون عبر تاريخهم إهتماماً إستثنائياً بهذا الكتاب العظيم من حيث دقة ضبط المضمون الذي تعهد الرب سبحانه بحفظه وكذلك بتجويد شكل المصحف أيضاً.

وقد كان المصحف من بين العوامل المهمة التي ساعدت على تطور الخط العربي. فقد دعت الحاجة الى جعل المصحف مقبولاً ومقروءاً من قبل مستخدميه الى تطوير الخط ليتناسب مع الأداء اللفظي الصحيح للقرآن الكريم. وبذلك تطور الخط العربي في مكوناته ليضيف الى أشكال الحروف الأساسية الحركات ورموز الضبط واللفظ.

TuebingenMushaf
هذا مصحف أثري محفوظ في جامعة توبينجن الألمانية وقد تبين مؤخراً من خلال فحص عمر المخطوط أنه يعود الى فترة تلت وفاة الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم بـ 20 الى 40 عاماً. ونلاحظ أن المصحف عملي في تكوينه يهدف الى جمع النص أكثر من أي مؤدىً آخر. وقد تطورت المصاحف بعده لتتضمن تحسينات كثيرة في رسم كلمات القرآن من حيث تثبيت النقاط وإضافة الحركات وعلامات القراءة وكذلك تحسينات في الإخراج الجمالي للمصحف من خلال النقوش والزخرفة والتذهيب وطريقة صناعة المصحف.
سرعان ما تطورت صناعة المصاحف بعد اختتام الرسالة السماوية وظهرت في الفترة الأموية وأوائل حكم العباسيين مصاحف غاية في السمو والجمال والإتقان في الصنعة لا يزال الباحثون يكتشفون جوانبها.
سرعان ما تطورت صناعة المصاحف بعد اختتام الرسالة السماوية وظهرت في الفترة الأموية وأوائل حكم العباسيين مصاحف غاية في السمو والجمال والإتقان في الصنعة لا يزال الباحثون يكتشفون جوانبها.

ولم تكن الإحتياجات العملية المحرك الوحيد لتطوير المصاحف حيث أن الرغبة في تجميل القرآن المكتوب في المصاحف ماثلت الرغبة في تجويد قرائته وصوته. لذا نرى عبر تاريخ كتابة المصاحف آيات من الجمال قلما نجدها في أي كتاب آخر وخذ مثالاً لذلك ما عرضناه عن مصحف الظاهر بيبرس الثاني في مقالة سابقة.

 مصحف قنصوه الغوري

وكنت قد أوردت صورة في مقالة سابقة عن بعض الأجانب وهم يعالجون مصحفاً ضخماً حيث وضعت الصورة بعنوان: “قبّلوا تراثكم الوداع” لما لاحظته في الصورة عن الطريقة التي يعالج بها هؤلاء الكنز العظيم الذي كان بين أيديهم كأنما غنموه وهم غير مصدقين. والحقيقة أن الصورة تعود لخبر عن مصحف ضخم تم صناعته قديماً لسلطان المماليك قنصوه الغوري وآل الى مقتنياتهم بطريقة أو أخرى. والمصحف كبير في أبعاد تبلغ 60 في 90 سنتيمتراً ويبلغ وزنه 52 كيلوغراماً. وهو مكتوب بخط محقق كبير وجميل كانت الصفحات الثلاث الأولى منه مذهبة وبقية الصفحات بالحبر الأسود المكتوب على ورق أسمر سميك.

مصحف السلطان قنسوح الغوري محفوظاً في جامعة مانشيستر ومعروض بدقة على موقعهم.
مصحف السلطان قنصوه الغوري محفوظاً في جامعة مانشيستر ومعروض بدقة على موقعهم.

وقد قامت جامعة مانشستر بتصوير المصحف وعرضه بوضوحية عالية من خلال تطبيق يمكن الوصول إليه عبر هذا الرابط. وهو عمل عظيم نشكرهم عليه. ومع أني قد إنتقدت إستحواذهم على آثارنا بما قطع إتصال الأجيال الجديدة في هذه الأمة عن تراثها الحضاري إلا أنهم بكل تأكيد أقدر منّا اليوم على نشر هذه المعرفة المفيدة والتي تتيح للعالم أجمع أن يستفيد من هذا المورد الثقافي العظيم.

تطبيق لعرض صفحات مصحف قنسوح الغوري بوضوحية عالية تستطيع دراسة تفاصيل صناعته. وهذا مهم جداً للباحثين في دراسة المخطوطات القديمة وما يتصل بها كتاريخ الخط العربي حيث يمكن معرفة الكثير من دراسة التفاصيل الدقيقة التي يفهم منها طريقة صناعة المصحف.
تطبيق لعرض صفحات مصحف قنصوه الغوري بوضوحية عالية تستطيع دراسة تفاصيل صناعته. وهذا مهم جداً للباحثين في دراسة المخطوطات القديمة وما يتصل بها كتاريخ الخط العربي حيث يمكن معرفة الكثير من دراسة التفاصيل الدقيقة التي يفهم منها طريقة صناعة المصحف.

ولنعرض مجموعة من الصفحات التي قمت بتحميلها من موقع جامعة مانشيستر دون أي تعليق لنترك للقارئ فرصة الإستمتاع بجمال الصفحات حسب تذوقه لها.

0006

0007

0005

0939

0325

0015

0016

0123

0169

0203

0203 (1)

0231

0278

0294

أما اليوم؟!

إنتهى الإبداع في تصميم وإنتاج المصحف عندنا منذ فترة طويلة. وعادت المصاحف اليوم تلبي الحاجة العملية فقط والمتمثلة بإيصال النص القرآني الى البشرية باكثر ما نستطيع من الدقة والضبط. وهذا هدف عظيم في حد ذاته ولكنه فقد الكثير مما تم بناؤه واكتسابه عبر تاريخ الأمة القرآنية. وتجمد تصميم المصحف اليوم حول قوالب ووصفات جمالية وضعت في أواخر الدولة العثمانية ولا يجرؤ أو لا يقدر أحد في هذه الأيام على تغييرها. فحركة الإبداع والمبادرة ماتت في هذه الأمة وأصبحنا نسبح في تيار الحياة لنبقى على قيد الحياة نأكل ونتكاثر دون أن نضيف الى مسارنا أي إعمار وأي تجديد.

يمثل قالب مصحف المدينة المنورة المثال الذي تصنع على أساسه أغلب المصاحف المنشورة في هذا الزمان. ويظل هذا القالب غالباً حتى في المصاحف الألكترونية. والصورة في أعلاه مأخوذة عن إحدى التطبيقات الألكترونية للمصحف الشريف.
يمثل قالب مصحف المدينة المنورة المثال الذي تصنع على أساسه أغلب المصاحف المنشورة في هذا الزمان. ويظل هذا القالب غالباً حتى في المصاحف الألكترونية. والصورة في أعلاه مأخوذة عن إحدى التطبيقات الألكترونية للمصحف الشريف.
تجدر الإشارة الى عمل المصريين في طباعة القرآن الكريم بحروف طباعية (على نقيض مصحف المدينة الذي كان أول من خطّه هو عثمان طه من سوريا الحبيبة). وقد كنت من المعجبين جداً بهذا العمل ومن فترة طويلة. ويعد هذا العمل من الإنجازات الطباعية ا لعظيمة التي فتحت الباب لتصميم حروف طباعية عربية جميلة.
تجدر الإشارة الى عمل المصريين في طباعة القرآن الكريم بحروف طباعية (على نقيض مصحف المدينة الذي يستند على عمل الخطاط). ولربما كان المصحف الأميري الذي طبع في المطابع الأميرية في بولاق هو أول مصحف طبع بالحروف المعدنية المنفصلة. وقد كنت من المعجبين جداً بهذا العمل ومن فترة طويلة. ويعد هذا العمل من الإنجازات الطباعية العظيمة الرائدة في تقديري.

مشروعي الجديد

إن التصدي لتحسين الطباعة العربية أمر صعب يتطلب نقلة متعددة الأبعاد تشمل الجوانب الثقافية والفنية والإقتصادية والتربوية بل وحتى السياسية. والوصول الى نتائج عملية واسعة التطبيق تتطلب جهداً قد يتعدى ما يستطيع الفرد الواحد أن يقدمه. ولكن بالنسبة لي لا أستطيع أن أترك الأمر دون محاولة. والمشكلة هي أني أرى إمكانية واسعة في التطوير ولكن الوسائل تكون عادة محدودة ومحفوفة بالعقبات. ثم أن الأمر حينما يتعلق بالمصحف الشريف فإنه يتطلب الكثير من العناية والجهد.

رزمة الخط العثماني من مجمع الملك فهد لطباعة القرآن الكريم في المدينة المنورة تضمنت النص القرآني في ملف مايكروسوفت وورد وخط رقمي من تصميم أشفاق.
رزمة الخط العثماني من مجمع الملك فهد لطباعة القرآن الكريم في المدينة المنورة تضمنت النص القرآني في ملف مايكروسوفت وورد وخط رقمي من تصميم شخص مجهول إسمه أشفاق أحمد نيازي.

 وقد كانت الرزمة التي نشرها مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في المدينة المنورة مبعث الشرارة التي أشعلت فيّ الهمة لعمل مصحف بمواصفات جديدة. وقد حاولت الإستفادة من الخط الرقمي الذي جاء في الرزمة والذي صممه شخص إسمه أشفاق أحمد نيازي (يدلل إسمه على أنه من جنوب آسيا كالباكستان أو الهند) في تنفيذ المصحف إلا أني وجدت أن الخط يمثل النص القرآني ضمن برامج مايكروسوفت بشكل صحيح ولكن يظهر مشاكل في تمثيل النص على منصات متصفح الكروم أو السفاري.

وقد كانت رحلة إعداد المصحف التي بدأت في نهاية العام الماضي مغامرة شيقة تعلمت فيها الكثير الكثير. وكان من بين ما تعلمته هو كشط صفحات الإنترنيت لتجميع المحتوى الذي إحتاجه والمتمثل بالتفاسير ومعاني كلمات القرآن الموجودة على الإنترنيت وتقوية قدراتي في برمجة الـ#C مع تعلم لغة الـphp. إلا أن ألجانب الأكثر متعة كان تصميم صفحات الويب باستخدام برمجة الـcss3 والتي تكون مع لغة الجافاسكريبت أداة قوية في صناعة تطبيقات الإنترنيت. وسأحاول أن أعرض فصولاً من هذه المغامرة في تدوينات لاحقة بإذن الله.

كانت محاولة صناعة مصحف الكتروني يعرض النص القرآني بدقة تحدياً كبيراً. ولكن طموحي يتعدى مجرد التمثيل الدقيق حيث أحاول إسترجاع الجوانب التصميمية العريقة التي سنتها أجيال من الخبراء والفنيين الإسلاميين من قبلنا.
كانت محاولة صناعة مصحف الكتروني يعرض النص القرآني بدقة تحدياً كبيراً في حد ذاته. ولكن طموحي يتعدى مجرد التمثيل الدقيق حيث أحاول إسترجاع الجوانب التصميمية العريقة التي سنتها أجيال من الخبراء والفنيين الإسلاميين من قبلنا والتي لم يعد يهتم بها صنّاع المصحف في الوقت الحالي.

رحلة الألف ميل

أمثلة الحصان

قد ينطبق أكثر من مثل عن الحصان على  مشروعي الجديد. فمع أن المشروع لا يزال قيد التطوير فقد قمت بإنتاج النشرة الإعلامية له وأحاول توزيعها للترويج عن منتوجنا الجديد. ولا أدري إن كنت بهذا قد وضعت العربة أمام الحصان كما في المثل الغربي أم أشتريت المعلف قبل الحصان كما في المثل العربي. وأظنني أيضاً كمن عثر على نعل حصان فقال: لم يبق سوى ثلاثة نعال وحصان كما في المثل الذي كان يحب أن يقوله أبي، ألف رحمة عليه وتغمده الله في رضاه وجنانه.

بمناسبة ذكر الحصان أحب أن أعرض إحدى رسوماتي من العام 2010. وبدل الحصان لدينا هنا حصانان.
بمناسبة ذكر الحصان أحب أن أعرض إحدى رسوماتي من العام 2010. وبدل الحصان  الواحد لدينا هنا حصانان.

ومهما كان مقدار تطابق هذه الحالات مع حالة مشروعي، فقد كان في تصميم وإنتاج النشرة المتعة والفائدة والتي أحب أن أشارك قرّاء المدونة بها.  فالإنسان إن لم يجن من ناتح عمله شيئاً فلعله يكون قد إنتفع من الخبرة والمعرفة الخارجة في مسار الإنتاج.

المطوية الإعلانية لترويج ناتج مشروعي الجديد. وهنا تظهر المطوية قبل عملية الطي.
المطوية الإعلانية لترويج ناتج مشروعي الجديد. وهنا تظهر المطوية قبل عملية الطي.

وقد تم بناء التصميم من العديد من المكونات التي شملت الصور النقطية (raster images) والرسومات الخطية (vector drawings) منها ما كان ثلاثي الأبعاد. وقد تم إنتاج ذلك بواسطة مجموعة من البرمجيات شملت فوتوشوب وإليستريتور وإنديزاين من مجموعة برامج أدوبي. أما الرسمة الثلاثية الأبعاد فقد تم إنتاجها باستخدام برنامج Sketchup. ولنبدأ بهذا الأخير لنرى كيف كان دور هذا البرنامج في مسار الإنتاج.

الـ S  تنقلك من ketchup  الى Sketchup

لعلي من الأوائل في فصيلي ممن استخدموا برامج التصميم الثلاثية الأبعاد. وهذا يعني أن لدي معرفة بها ولا فخر. وعليكم أن تصدقوا حين أقول أن برنامج Sketchup  من أسهل وأسرع البرامج في تصميم الأشكال المجسمة.

وبالرغم من أن جهاز الحاسوب التجريبي الذي يمثل قلب مشروعي كان متوفراً  وكنت أستطيع أن أضع صورته في النشرة إلا إني فضلت استخدام الرسم لإضفاء الصفة البيانية الناتجة عن الرسوم الفنية. ولا أتذكر مجموع الوقت الذي  قضيته في رسم الجهاز بواسطة هذا البرنامج إلا أن الإنطباع لدي أنه لم يزد على ساعة ونيف.

تم رسم الجهاز في برنامج Sketchup السهل الإستخدام. ويعجبني تحديداً تظهير الحافات بخطوط متباينة الوزن لتبريز التجسيم كما في الحافتين العلويتين في ظهر شكل الحاسوب.
تم رسم الجهاز في برنامج Sketchup السهل الإستخدام. ويعجبني تحديداً تظهير الحافات بخطوط متباينة الوزن لتبريز التجسيم كما في الحافتين العلويتين في ظهر شكل الحاسوب.

والمناسب في هذا البرنامج أنه يتيح لك تصدير الرسم بالشكل الظاهر على الشاشة بصيغة رسم ثنائي الأبعاد وبهيئة eps. وقد قمت بتصدير الرسم بهذه الصيغة الى برنامج إليستريتور حيث قمت بوضع الرتوش الأخيرة على الرسم هناك.

المعالجة ببرنامج إليستريتور

الفَرشة الطباعية في أساسها تصميم هندسي. ويناسب ذلك البرامج الخطيّة (التي تستخدم الخطوط بمقابل البرامج التي تستخدم النقاط) من مثل برنامج إليستريتور. ونفعني هذا البرنامج كثيراً في جمع العديد من مكونات التصميم وتوزيعها على الخلفية الهندسية. وتتضمن المكوّنات الرسمة التي أنتجتها في Sketchup وعالجتها في إليستريتور، كما تضمنت المكونات صور نقطية. وهذه قوة البرنامج حيث يستطيع التعامل مع المكونات النقطية كالصور ودمجها مع المكونات الخطيّة .

تم تصميم الفرشة الرئيسية وجمع المكونات ومن ضمنها الصور النقطية على الفَرشة في برنامج إليستريتور.
تم تصميم الفرشة الرئيسية وجمع المكونات ومن ضمنها الصور النقطية على الفَرشة في برنامج إليستريتور.

ومن المفيد ذكر أن إستعرت المنظومة اللونية من أداة أخرى من أدوات أدوبي من على موقع kuler. حيث تمكنك هذه الأداة من تصميم منظومات لوينة ونشرها على الموقع لاستخدام الآخرين. ويعرض الموقع عدداً هائلاً من المنظومات اللونية التي قام المشاركون بالموقع من نشرها. وهذه طريقة مهمة في استثمار التراكم المعرفي والذي يشارك فيه المهتمون من كل أنحاء العالم. فالحمد لله على نعمة الإنترنيت.

وقد حاولت أن أصمم النشرة كاملةً في برنامج إليستريتور إلا أنني أصدمت بعقبة النص العربي في هذا البرنامج ولا أذكر تحديداً ماذا كانت المشكلة وقد تعجبت من قصور البرنامج في هذا المجال خاصة أن النسخة التي لدي هي نسخة الشرق الأوسط الأصلية. وهنا كان لا بد لي من أن أنتقل الى برنامج إنديزاين.

مرحلة إنديزاين

عقبتان تجعلانني أتردد في استخدام إنديزاين: أولاهما محدودية معرفتي بالبرنامج والثانية هي ثقل البرنامج حيث يطول مجرد تحميله على حاسبتي ذات الثمانية GB من الذاكرة ونظام التشغيل (64 bit). ولكن حينما يتعلق بتنضيد النصوص فإن البرنامج لا يعلو عليه شيء. كما أن توليده لملفات PDF متقن الى درجة ويوفر إمكانية وضع خطوط قطع الورق وعلامة تطابق الألوان ذاتياً دون أي جهد يذكر.

واخترت من جعبة الخطوط التي لدي خطين: للعناوين  خط مريم من تصميم عصمت شنبور وللنصوص خط ياقوت من تصميم نجيب جارودي (لست متأكداً من أسم الثاني فقد ورد مرة أن إسمه نحيب. هل منكم من مصحح؟). واختياري للخطين كان بحكم الضرورة لعدم وجود خطوط مناسبة أخرى. وأنا غير راضٍ تماماً عن خطوط GE من تصميم مراد (ولعله الآن قد تبرأ من هذه الخطوط كما تبرّأ من خط نسيم في مجموعة لتراسيت) وعدم ارتياحي منها لامتدادها الأفقي الغير مبرر.

عموماً تشكيلة خط مريم مع خط ياقوت في الغالب خلطة ناجحة. وقد ذكرني الخطان بتصميم قديم لي وهو غلاف نشرة الصلاة وفي الصورة أدناه مقارنة بين التصميمين.

ما أشبه اليوم بالبارحة. بعد إستخدام خطيّ مريم وياقوت ذكرني تصميم بغلاف نشرة الصلاة التي صممتها في الثمانينات من القرن الماضي. ثلاثون سنة مضت ولا زلت أدور في فلك تصميمي واحد. ولعل المساحات الأفقية والشريط الأسود الذي يعرض الأسم أسفل الغلاف هو الذي يوحد بين التصميمين أكثر من أي شيء آخر.
ما أشبه اليوم بالبارحة. بعد إستخدام خطيّ مريم وياقوت ذكرني تصميم بغلاف نشرة الصلاة التي صممتها في الثمانينات من القرن الماضي. ثلاثون سنة مضت ولا زلت أدور في فلك تصميمي واحد. ولعل المساحات الأفقية والشريط الأسود الذي يعرض الأسم أسفل الغلاف هو الذي يوحد بين التصميمين أكثر من أي شيء آخر.
التصميم جاهز من إنديزاين الى المطبعة. لاحظ علامات قص الورق وتطابق الألوان التي يولدها إنديزاين ذاتياً وبموجب إختيارك.
التصميم جاهز من إنديزاين الى المطبعة. لاحظ علامات قص الورق وتطابق الألوان التي يولدها إنديزاين ذاتياً وبموجب إختيارك. (لمشاهدة ذلك بشكل أوضح، إكبس على الصورة للتكبير)

الى المطبعة

والحقيقة أنا لم أذهب الى المطبعة بنفسي حيث ذهب التصميم فقط الى هناك . وهذا بفضل تقنيتان الأولى هي تقينة ملفات الـPDF حيث يمكن أن  يتضمن الملف كل المعلومات التي تحتاجها المطبعة لتحويل التصميم من الملف الى الورق. والتقنية الثانية هي البريد الإلكتروني، حيث بعثت الملف الى المطبعة بمرفق رسالة إلكترونية. وقد أشفعت الرسالة باتصال هاتفي عبر الهاتف الأرضي كما صار إسمه.

وما مرت إلا أيام قلائل حتى بعث المطبعي المطويات الورقية الى حيث أعمل. ولكن بالرغم من كل هذه الإمكانيات المطبعية المتطورة فقد كانت هناك بعض “المفاجئات” إن صح التعبير. فلعدم توفر أجهزة التعيير اللوني لشاشة حاسوبي فإن الألوان النهائية جاءت مختلفة بعض الشيئ عن التصميم الذي كنت أراه على الشاشة.

مسح ضوئي للمطوية المطبوعة. لاحظ تغير الألوان عن التصميم الأصلي.
مسح ضوئي للمطوية المطبوعة. لاحظ تغير الألوان عن التصميم الأصلي.
الوجه الآخر للمطوية المطبوعة.
الوجه الآخر للمطوية المطبوعة.

أما المفاجأة الثانية فكانت في الطريقة التي تم طي الورق فيها. ونصيحتي الأخيرة هو أنه بالرغم من كل التقنيات التي تسهل عملنا اليوم فلا بد من التواجد والمتابعة المباشرة للعمل إذا كنت تريد النتيجة أقرب ما تكون من الصورة التي في مخليلتك. وقد قرأت في مكان ما أن التواجد يمثل 80% من النجاح. ولعلي أختم بحكمة جديدة قبل إنتهاء العام وهي: مصافحة يد المطبعي خير من إرساله عشرة إيميلات على الشجرة. (على الشجرة لضرورة القافية. كما أنه في النهاية مثل. كما أن المدونة مدونتي وأقول فيها ما يحلو لي – دون خدش الحياء العام أو إغضاب غضنفر)

أرسلت هذه الصورة الى المطبعة لتوضيح طريقة الطي إلا أن الطية الخلفية جاءت بعكس الإتجاه الذي أردته. ولذا كن حذراً دائماً من الإتجاه المعاكس.
أرسلت هذه الصورة الى المطبعة لتوضيح طريقة الطي إلا أن الطية الخلفية جاءت بعكس الإتجاه الذي أردته. ولذا كن حذراً دائماً من الإتجاه المعاكس.

سود مواقعنا

حيمنا يدخل زائر الى موقع من المواقع العربية فإنه كأنما يدخل الى سوق من أسواقنا الشعبية. فمثلما هو الحال عند الباعة في الأسواق الشعبية العربية هذا البائع يصيح هنا وذلك البائع يصرخ هناك، فكذلك الحال في المواقع العربية ترى الكثير من هذه الصور الصغيرة التي تومض وتتنطط وتصيح في أرجاء الصفحة في كل مكان. بل وحتى المواقع التي من شأنها خدمة التصميم تزحم زائريها بهذا الضجيج البصري المتواصل. ويبدو أن مصممي المواقع العربية مولعون بالحركة الى درجة “تسلب العقل”. فالموقع على هذه الوصلة على سبيل المثال يسلب إرادتك في تحريك الصفحة ويلغي حقك في أختيار ما تريد رؤيته حيث تتحرك الصفحة من تلقاء نفسها الى الأسفل والأعلى ولا يجدي معها مصارعة المنزلقة الظاهرة على يمين الصفحة في شئ. وهنا أتذكر من دراستي المعمارية كتاباً أسماه مؤلفه النمساوي أدولف لوس “الزخرفة والجريمة”. ولعل أدولف لوس سيغير من نظريته لو تسنى له رؤية مواقعنا التي أود أن أسلّط عليها “أدولفاً” آخر تعرفون من هو.

مواقع تدعمها إقتصاديات مجدية

 

ومع تزايد أهمية المواقع الألكترونية كمصدر للمعلومات والمعرفة فإن المواقع العربية بحاجة الى إعادة النظر في مستوى أدائها البصري. وهي اليوم ليست أحسن حالاً من نظيرها المطبوع كالكتب والصحف والمجلات العربية من حيث المستوى التصميمي والإنتاجي (أنظر تدوينتي السابقة عن الكتاب العربي). وفي تقديري فإن ذلك يعود الى الأسباب التالية (إن لم يكن عندك استعداد لجرعة من الفلسفة الإقتصادية تستطيع العبور مباشرة الى الفقرة اللاحقة ولن يفوتك شئ):

  • لا يرتبط الإقتصاد والمجتمع العربي بالإنترنت إلا في مجالات محددة يغلب عليها مجال الشبكات الإجتماعية  أو الإعلام (بضمنه الجانب الترفيهي كالتمثيل والغناء الخ الخ)
  • البيئة الغير ممكنة للإبتكار والإبداع من حيث تشريعات حماية الحقوق الفكرية من جهة ومن جهة أخرى ثقافة القرصنة المتفشية في مجتماعتنا
  • الهيمنة من قبل الشركات المصنعة الغربية بدوافع “سوقية++” (على وزن ++C)
  • مستوى الحس الجمالي المقترن بالمطبوع والمشاهد في المناطق العربية. فكما أن العرض الناتج من عمل المصممين بالعربية ضعيف فكذلك الطلب ضعيف والمواصفات الجمالية المطلوبة عندنا ضعيفة في الغالب (يا جمهور، إنت ليه عايز كدة؟)
  • تكنولجيا الأنتاج مصممة أصلاً لخدمة اللغات الغربية. فالحاسبات والبرمجيات وحتى الحروف العربية أحياناً مصممة من قبل “أجانب”
محاولتي المتواضعة لبناء موقع تجاري للسوق الدولية

 

ولو جئنا الى الواقع فإن ما ذكر أعلاه لا يعفينا من مسؤولية تحسين المستوى التصميمي للمواقع العربية. فلا تزال هناك إمكانية في عمل مواقع ذات مستوى بصري مؤثر وذلك باتباع وصفة أسميتها أسس خالد لتصميم صفحات الإنترنيت والتي تتلخص فيما يلي:

  1. تحديد الغرض: ومع أن هذا ليس خاص بالتصميم البصري لصفحة الأنترنيب إلا أن تحديد الغرض وتطويع كافة التفاصيل لهذا الغرض يضفي نوعاً من الوحدة والتناسق في التصميم.
  2. التقسيم العام لمساحات الصفحة: وهذا التقسيم يأخذ شكل الجدول حيث يحتل في الغالب أسم الموقع أو موضوع الصفحة الخانة العلوية الأولى. وتوزع المواضيع في المساحات المختلفة وحسب أهمية الموضوع حيث تحتل المواضيع الرئيسية والأولى المساحة البصرية السائدة والتي تكون غالباً المساحة الأكبر وتتوسط مساحة الصفحة. ويتطلب هذا التقسيم تخطيطاً مسبقاً وهو في الغالب يتزامن مع مرحلة تخطيط الموقع بشكل عام وهو عند المصممين الجيدين يبدأ على الورق قبل الشاشة.
  3. المنظومة اللونية: وهي تحدد شخصية الصفحة. فاللون يقترن بمعاني نفسية. ومع التفسير المتباين عند الأشخاص للألوان هناك قواعد ثابتة في استخدام الألوان يشترك بها أغلب الناس الأصحاء. ويلعب العرف دوراً مهماً في نوع المنظومة اللونية المستخدمة. وهناك مواقع كثيرة تساعد في تكوين المنظومات اللونية لتصميم المواقع، والمفضلة لديّ هي: kuler وColorSchemer.
  4. أنواع الحروف الطباعية المستخدمة (الفونتات): ودور الحروف وظيفي في الأساس حيث يتم من خلالها توصيل المعنى الى مستخدم الموقع بوضوح وسهولة. كما يلعب الحرف دوراً مهماً في التصميم البصري وهو يكمل العنصران البصريان في أعلاه في تكوين البعد الجمالي لصفحة الموقع. إلا أن الفونتات التي يمكن عرضها على الصفحات تنحصر فقط في ما هو مثبت على أجهزة المستخدمين وهذا يحدد المصمم في استخدام ما يوزع من فونتات مع نظم التشغيل أي ما يأتي مع الويندوز أوالماك. وهناك حل سهل يكمن في تحويل بعض النصوص الى صور لتضمينها على الصفحات. كما يمكن استخدام طرق أكثر تعقيداً ولمن أراد التوسع يمكنه البحث على الوصلة التالية.
  5. المكملات: من الرسوم والأزرار والأدوات الأخرى. ومن الضروري أن تكون هذه المكملات ساندة للتصميم من حيث الوظيفة والتنسيق البصري.

وأرى أن الكثير من مصممي المواقع العربية مفتونون بهذه الأدوات الصغيرة (وخاصة رسومات جيف gif التي “ترتجف”) ويقيمون الموقع كله لأبراز هذه التفاصيل الصغيرة التي تنافس محتوى الموقع على جذب انتباه المستخدم. وأنا شخصياً حينما أحاول أن أركز على موضوع الصفحة تشوش عليّ هذه الرسومات المتحركة وكأنها حشرات تحتضر بعد دعسها على جوانب الصفحة.والحقيقة أنه لا ضير من الحركة البسيطة أو الهادئة. المهم أن لا تشتت الحركة انتباه المتصفح بل تساعد على خلق التأثير المناسب المنسجم مع موضوع الصفحة. وهناك الكثير من الموارد المجانية المفيدة على الإنترنيت مما يمكن الإستفادة منه كأمثلة المواقع على هذه الوصلة.

ختاماً وتغييراً للموضوع، أهدي لكم قصيدة صفي الدين الحلي “سلي الرماح العوالي عن معالينا والتي يقول فيها:

بِيضٌ صَنائِعُنا، سودٌ وقائِعُنا،        خِضرٌ مَرابعُنا، حُمرٌ مَواضِينا          

روعة الأنترنيت

أرسل اليّ أحد الزملاء في العمل خبراً من جريدة الصباح العراقية بشكل صورة منسوخة عن الجريدة المطبوعة. ولقت نظري التصميم الطباعي المميز والحروف الطباعية الحديثة المستخدمة في هذه الصحيفة. لم أستطع أن أميز إسم الحرف الطباعي فحاولت أن أبحث عنه في الإنترنيت… ولكن كيف؟ كلما احتجت الى معلومة أبدأ من كلمة أساس ومن خلال محرك بحث Google أبدأ في التجوال في النصوص والصور حتى أصل الى مرادي.

جريدة الصباح العراقية

وأول ما بحثت عنه في هذه المهمة هو موقع جريدة الصباح. لم أكن أتوقع أن يظهر الموقع الحروف الطباعية التي أبحث عنها على صفحاته فصفحات الأنترنيت تصمم على أساس حروف طباعية محدودة. ولكني كنت أبحث عن صفحات الجريدة بهيئة PDF والتي تقوم الصحف بنشرها عبر الموقع. والحمد لله وجدت مرادي هناك. وبعد تحميل إحدى ملفات PDF ظهرت لي ولحسن الحظ كما هي مطبوعة على الجريدة الورقية. وتستطيع أن تستعرض الملف على هذه الوصلة.

وحينما فحصت الملف أسعدني أن الصفحات كانت نصيّة وليست صورية، بمعنى أن الصورة الظاهرة من الملف تكوّن من أصل نصّي مخزون فيه وليست منسوخة أو مصورة عن الصفحة المطبوعة على الورق. وطريقة معرفة ذلك تكون حينما تستطيع أختيار مقاطع النص بواسطة أداة الإختيار في برنامج أدوبي ريدر (Adobe Reader). وتقنية ذلك تكمن في أمكانية تضمين الحرف الطباعي في ملف PDF مع النص. وبرامج أدوبي التي تظهّر صفحات النص لا تظهر أسم الحروف الطباعية حيث ذلك ليس من شأنها.

برنامج لاستخراج الفونتات من ملفات PDF

فرجعت الى محرك البحث وعبر استخدام البحث الممثل على هذه الوصلة وجدت أداة تستطيع استخراج الحروف الطباعية المضمنة في ملفات PDF. وعند تحميل هذا البرنامج (Alsoft FTMaster) ظهرت لي أشكال أطقم الحروف المستخدمة في الملف واكتشفت أخيراً أسماؤها فلم يبقى سوى استخدام هذه الأسماء وعبر محركات البحث للوصول الى مصدرها والذي كان هذا الموقع الذي يحوي أيضاً أطقم حروف عربية قابلة للتحميل والأستخدام. وصاحب الموقع ومصمم حروفها هو محمد حسن، أو هكذا أسمه على ما يبدو. فالموقع بالأنكليزية وهو يسمي نفسه (Hacen) وهو موريتاني على ما يبدو. وسأفرد مدونة مخصصة لحروفه وموقعه حيث أن هناك الكثير مما هو مثير للإهتمام على موقعه. وعليكم أن تطلّوا على الموقع عبر هذه الوصلة.

ثروة عظيمة هناك على الإنترنيت أتمنى من شبابنا العربي أن يستفيد منها.