شيلا والأقلام الستة

ليست صغيرة كسيندريلا، فالسيدة شيلا بلير – مؤلفة كتاب الخط الإسلامي – امرأة متقدمة في السن. كما لا تخدمها الأقلام الستة كأقزام سيندريلا، اللهم إلا من خلال بحوثها التي لا تنفك تذكر الأقلام الستة فيها هنا وهناك. وكتاب الخط الأسلامي المنشور سنة 2006 هو أول ما لفت نظري الى الأقلام الستة لكثرة ما يتردد في الكتاب وخاصة بالمقارنة مع مراجعي الرئيسية الأخرى في الخط العربي وخصوصاً منها موسوعتي الأستاذ ناجي زين الدين المصرف.

Six pens
الأقلام الستة: 1.الثلث 2. التوقيع 3. النسخ (قديم) 4. الريحاني
5. المحقق 6. الرقاع (غير الرقعة)

وعلى خلاف موسوعات ناجي زين الدين المصرف، تعرض شيلا بلير تطور الخط العربي ضمن هيكل تاريخي واضح المعالم. وبشكل عام يعرض كتابها الخط الأسلامي ضمن مراحل بدأت أولاً بثبات الكتابة العربية ثم تنتقل الى مراحل الخط الذي حتم وجوده مسألة كتابة القرآن الكريم بما يليق به. فتبدأ بفترة الخط القديم أو ما يسمى بالخط الحجازي، ثم تنتقل الى مرحلة الخط الكوفي القديم الذي شاع في الفترة الأموية وأوائل الفترة العباسية.ومن مرحلة الخط الكوفي القديم تنتقل الى فترة الخطوط اللينة والتي تم بها تحسين خط الكتابة (بمعزل عن الكوفي القديم) الى الأشكال الخطاطية والتي وضعت لها القواعد. وقد استمرت هذه المرحلة من القرن الرابع الهجري وحتى القرن الثامن ما بين عمل أبن مقلة (المتوفى 328 هـ) ومروراً بإبن البواب (المتوفي 413 هـ) ووصولاً الى فترة ياقوت المستعصمي (المتوفي 696 هـ). وفي هذه الفترة تشكلت الأقلام الستة في خطوط المحقق والنسخ والريحان والرقاع (بخلاف خط الرقعة الذي جاء لاحقاً) والتوقيع والثلث. ومن قراءتي السريعة لكتابها أستطيع تلخيص محاور بحثها في النقاط التالية:

  • ثبات الحروف العربية على الأشكال المعروفة حالياً
  • مسألة إيجاد خط سامي يناسب كتابة كلام الله في المصاحف
  • تحليل خطوط النسخ القديمة من المصاحف
  • نشأة الخطوط اللينة
  • تطور الخطوط اللينة في بلاد الإسلام المفتوحة: بلاد فارس وتركيا
  • الأشكال المعاصرة للخط العربي وتطبيقاته في الطباعة وفي الفنون الجميلة

وفي ما يلي عرض لبعض الأشكال التي أوردتها شيلا بلير في كتابها الخط الإسلامي:

مصحف قديم بخط حجازي. وجد هذا المصحف بجامع صنعاء الكبير وهو مكتوب على رقاق الجلد. وتستعرض شيلا محاولة العرب أيجاد الشكل المناسب لخط يُكتب به كلام الله.
علامة طريق
علامة طريق يظهر فيها أسم الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان يعود تاريخها الى عام 73 للهجرة. وشكل الخط كوفي بسيط وخفيف.
لوحة على أعلى الباب الشرقي لمبنى قبة الصخرة
لوحة معدنية مأخوذة من أعلى الباب الشرقي لمبنى قبة الصخرة. ويظهر نمط من الخط الكوفي المستخدم في تلك الفترة والذي كان يزين المبنى في اعمال الفسيفساء أيضاً. ويبدو واضحاً أن هذه الخطوط من عمل خطاط متمرس.
كتاب على ورق البردي
كتاب على ورق البردي من فترة نهاية القرن الأول الهجري من قرة بن شريك والي مصر. ويظهر فيه استخدام خط سامي يليق بالمكاتبات وتتميز على الكتابة العادية. وتعتبر شيلا هذه المحاولات خطوة في سلسلة تطور الخط العربي.
مصحف بكتابة كوفية قديمة
مصحف بكتابة كوفية قديمة من منتصف القرن الثالث للهجرة مكتوب على رقاق الجلد. وقدمت شيلا العديد من نماذج المصاحف الأولى مع تحليل لمحاولة تطوير الخط المناسب لكتابة القرآن الكريم.
كتاب غريب الحديث
كتاب غريب الحديث لإبن سلام كتب في عام 252 هجري. وتتميز هذه المخطوطة بكونها أقدم المخطوطات العربية المكتوبة على الورق. كما تتميز بالخط الوراقي المستخدم في الإنتساخ بحسب تعريف ابن خلدون.
مصحف من منتصف القرن الرابع الهجري
مصحف من منتصف القرن الرابع الهجري يتميز أيضاَ بكونه من أقدم نسخ المصاحق التي كتبت على الورق وبخط كوفي متطور.
كتاب راحة الصدور للراوندي
كتاب راحة الصدور للراوندي وتظهر في هذه الصفحة طريقة وزن أشكال الحروف باستخدام الدوائر. وهذا الكتاب هو من أقدم الكتب التي ظهرت فيها هذه الطريقة لوزن الحروف. وقد فرغ من كتابة هذه النسخة إلياس بن عبدالله الحافظ في قونيا في بداية شهر رمضان من عام 635 للهجرة.

عودة الى كتاب بدائع الخط العربي

لا يركز ناجي زين الدين المصرف في كتابه بدائع الخط العربي على الأقلام الستة حيث يذكرها في عرض الكتاب مرة واحدة مع الأسم الأعجمي لها: “شيش قلم”. بل أن ناجي المصرف يقتبس عن خطاطي بغداد الأقدمين ذكر العديد الآخر من أنواع الأقلام. ولربما كان من المفيد مقارنة كتاب الخط الإسلامي لشيلا بلير مع كتاب بدائع الخط العربي لناجي زين الدين المصرف بشكل أكثر تفصيلاً. ولعلي أقوم بذلك في مقالة لاحقة بعد مراجعة الكتابين بشكل معمق ومقصود لهذا الغرض.

على كل حال وتمهيداً لتلك المقالة وبمناسبة انتهاء هذا الشهر الكريم وقدوم العيد أيضاً أقدم لقرائي الأعزاء هدية وهي النسخة الكاملة لكتاب بدائع الخط العربي للأستاذ ناجي زين الدين المصرف والتي نشرتها وزارة الإعلام العراقية سنة  1972 دون الإحتفاظ بحقوق النشر. وتتميز هذه النسخة، والتي هي اليوم بمثابة الكتاب الأثري، باحتوائها على 777 نموذج من نماذج الخط العربي مع شرح موجز لكل شكل في نهاية الكتاب.

وتستطيع تحميل كتاب بدائع الخط العربي كاملاً من هذا الرابط

تحميل الكتاب كاملاً
تحميل كتاب بدائع الخط العربي

وقد قمت بتصوير الكتاب كاملاً كما طبع (فلا تتعجب من وجود صفحات المقدمة الفارغة) مع معالجة النسخة لتحسين ظهور الأشكال والنماذج الخطية فيه وتقديمه بحجم مناسب للتحميل الكامل (مع أن حجمه الآن هو 66.7MB). وسيتم بإذن الله توفير نسخة أكثر وضوحاً على صفحة “خدمات ومنتوجات” على هذه المدونة للراغبين في الحصول عليها.

كتاب أعجبني: مخطوطة بردة البوصيري

أعود بعد غيبة تجولت خلالها في مجالات عديدة. وقد كان للعمل دور في عدم تفرغي للتدوين، فالمعذرة عن هذا الإنقطاع. وحيث أني لم أكمل هدفي في هذه المدونة في مجالات الطباعة والخط العربي فكان لا بد لي أن أعود. وأسأل الله في هذا الشهر المبارك أن يوفقنا والقارئين لتحقيق ما هو خير ومفيد.

وفي هذه التدوينة أحببت أن أعرض كتاباً قديماً يتضمن قصيدة مدح نبوية هي بردة البوصيري التي كتبها محمد بن سعيد بن حماد الصنهاجي البوصيري المتوفي سنة 696 هجرية. ويعتقد أن منفذ هذه المخطوطة هو حبيب الله بن دوست محمد الخوارزمي في القرن الحادي عشر الهجري. وقد تم تنفيذ القصيدة في كتاب أنيق مستخدماً عدداً متنوعاً من الخطوط ضمن ما تعارف تسميته الأقلام الستة وهي النسخ والثلث والمحقق والريحاني والرقاع (ويختلف هذا عن خط الرقعة الذي تم ابتكاره في فترة لاحقة) وأخيراً قلم التوقيع.

والمخطوطة كما تلاحظ رائعة في تصميمها وتنفيذها. وقد كان صانعوها يُعدونها كتحف فنية بتلكيف من أصحاب المال والسلطان. وهكذا هو شأن الفنون والصناعات والحرف، لا بد لها من راع. وقد تكون مشكلة الكتاب العربي اليوم هو فقدانها للراعي. ففي الوقت الذي نرى اليوم الكتب الغربية تزخر بروائع طباعية متقنة، فإننا قلما نجد الكتاب العربي الحديث الذي يمكنك أن تصفه بالجميل، فضلاً أن تقول عنه رائع في صناعته، شكلاً ومضمونا. (أنظر تدوينة قديمة لي على هذا الرابط)

وأستعرض فيما يلي عدداً من صفحات المخطوطة مع بعض الملاحظات. وكهدية رمضانية قمت بتجميع صفحات المخطوطة في ملف PDF حيث تستطيع تحميل الكتاب كاملاً من هذا الرابط.

الصفحة الأولى من القصيدة ويلاحظ تأثير تصميم المصاحف على المخطوطة في عمومها
استخدام رائع للون الأخضر والزخرفة الزهرية المذهبة
إنسجام تام بين التذهيب ولون الصفحة وكذلك مع الزوايا الزخرفية السوداء.
هنا يدخل الإطار الفيرورزي كمكمل لوني ضمن التكوين العام الموحد للمخطوطة.
إستمرار الفيروزي والأصفر والذهبي.
تشكيلة أخرى رائعة باستخدام اللون الوردي هذه المرة. أما الزخرفة النباتية فغاية في الروعة من حيث توازن توزيعها على الصفحة وجمال خطوطها.
هنا إطار النص باللون البني مما يضفي طابع الوقار على هذه الصفحة.
الزخرفة هنا هندسية. وبالرغم من بساطة التنفيذ فإن التأثير رائع وخاصة في تقابل هذه الزخرفة مع الزخرفة النباتية في المخطوطة

وكانت النية في البداية هو عرض هذا المخطوط الجميل كمثال عن الإتقان في تصميم الصفحات في الكتب العربية القديمة، ولكن البحث جرني الى أن أكتشف أن أصل المخطوط مودع في متحف والترز للفنون. وهذا مثال آخر لموضوع التدوينة السابقة عن كنوزنا المنهوبة. إلا أن متحف والترز هذا قد عرض هذه المخطوطة مع مخطوطات أخرى من خلال تطبيق مفيد على موقع المتحف على الإنترنيت.

تطبيق لتصفح المخطوطة ومخطوطات أخرى