Asemic (الحروفية بالإنجليزي)

كتبت في هذه المدونة الكثير عن فن الحروفية المشتق من الخط العربي. ومع علمي بأن هناك أعمال مشابهة للحروفية العربية عند الرسّامين من أصحاب اللغات الأخرى إلا أنّي لم أكن أعلم بأنهم قد عرّفوا مدرسة لها. والمدرسة (بمعنى الكلمة الفكري) إسمها آسيميك (Asemic). وتعرّف صفحة الويكيبيديا هذا الفن الهجين بأنه إنصهار الكلمات مع الأشكال في صورة موحدة يُترك تفسيرها للمتلقي.

والمثير للإهتمام هو أن هذا الفن (في الجانب الغربي من هذا العالم) يغطي المجالين الأدبي والتشكيلي. ولربما تستطيع أن تجد كتاباً كاملاً وقد كتب بلغة مستحدثة وهو خالي من أي معنى كان كما في الكتاب في الصورة أدناه.

كتاب مكتوب كاملاً بلغة غير مفهومة. ويبدو أن صاحب هذا الكتاب قام بصناعة خط خاص لهذا العمل وباتباع الرابط (إضغط على الصورة) تستطيع الوصول الى مدونته التي يشرح فيها مراحل تطوير هذا العمل.

ومع أن المثال الذي ذكرته للتوِ يحتوي على الجانب الأدبي والجانب التشكيلي معاً فهناك أعمال تستخدم الحروف اللاتينية لتكوين نصوص لا معنى لها أو لربما حسبما يتمنى صانعه أن يكون له معاني عديدة تعتمد على من يتلقى أو يحاول أن يقرأ النص. كما ساهم المبرمجون في هذا الجانب بكتابة برامج تقوم بتوليد الهذي آلياً (وبمستويات هذي- Gibberish – إختيارية) كما تجده على هذا الرابط.

وكعادتنا سنستعرض الفكرة بتفصيل أكثر من خلال النماذج الصورية. هيا بنا…

منشأ الحروفية الغربية أو الـ Asemic Art هو الفن التجريدي بلا شك. وهناك أعمال خطاطية لفنانين تجريديين مثل Kitty Sabatier التي نرى مثالاً لعملها في هذه الصورة والتي تصنف على أنه فن تجريدي خطاطي Abstract Calligraphic.
المصدر الثاني لهذا الفن هو الصفحة الكتابة المطبوعة. فنرى في هذا العمل تجريداً لصفحة كتابة إستخدم الرسام فيها خط يدوي مبتكر وبأوزان واحجام متنوعة لخلق تكوين بصري مألوف وغريب في ذات الوقت.
ومما يميّز الحروفية الغربية هو تضمين الحرف الطباعي في الأعمال الحروفية. ومع وجود بعض النماذج بالخطوط العربية وخاصة من أعمال الإيرانيين إلا أن الحرف الطباعي لم يأخذ بعد مكانة مميزة في الحروفية العربية.
والنمط الآخر من الحروفية الغربية التي يندر مثيلها في الحروفية العربية هي التي تعتمد على خط الكتابة. ولربما كانت القلة في استخدام كل من الخط الطباعي وخط الكتابة في الحروفية العربية هو سطوة الخط العربي بجمالياته المتفوقة على الحس الجمالي العربي. ومن المعروف أن سطوة جمال الخط العربي أثّر سلباً على تطور الطباعة العربية التي لا تزال هزيلة أما الخطوط الطباعية اللاتينية مثلاً.
ومما لا شك فيه فإن الحروفية العربية وضربة قلم الخط العربي له جماله الأخاذ الذي أثر على الحروفي الغربي (إن جاز التعبير هنا حيث أن الفنان هنا روسي إسمه Pokras Lampas).
ولكي تكون قراءتنا شاملة فيجب أن لا نستبعد تأثير الخط الأسود Black Letter الأوروبي الذي نشأ في القرون الوسطى وكان مفضلاً لدى الأقوام الألمانية الى حد قريب نسبياً. هذا عمل آخر من أعمال Pokras Lampas.
عمل أخير لـ Lampas وهو جدارية حينما تراها تتصور أنها من أعمال الحروفيين العرب.
ولن نترك الموضوع حتى نضمّن المقالة بعض النماذج من الحروفية العربية للمقارنة. وليس في هذا العمل شئ جديد إلا أننا نستطيع القول بأن الحروفية العربية تغطي نطاقاً واسعاً من الأساليب. فلنقارن مثلاً هذا العمل بأعمال بعض الفنانين الإيرانيين في الصورة اللاحقة. إبتداءاً صاحب هذا العمل حاول أن يستثمر جمالية خط الثلث الأنيق ويعبر عنه باستخدام ألوان هادئة. ونسبة المساحة الوردية الى المساحة الزرقاء تضيف بعداً جمالياً من خلال التكوين الهندسي العام للّوحة.
أما في هذا العمل فقد قام صانعه بالإعتماد على صلابة الخط الكوفي المصحفي والذي له جماليات فائقة تتميز بالهيبة والسمو خاصة عند الإستخدام مع المساحات الخالية. إلا أن الفنان هنا جرّب إستخدام الخط بطريقة الحروفية التي تتميز بتكثيف الكتلة الحروفية حيث أن هذا هو جوهر العمل. وكما في المثال السابق فإن الفنان إستخدم اللون والمساحات بنسب معينة للتعبير عن فكرته الجماليّة.
وهذا عمل آخر ولكن لفنانة إيرانية هذه المرة. وهي الأخرى إستخدمت الخط الكوفي المصحفي والذي يحاول الإيرانيون تملكه. وهي محاولة أجدها غريبة بعض الشئ. ويصاحبها هجوم ثقافي على إرثنا العربي الإسلامي حيث أن الوكيبيديا مثلاً أصبحت تشير الى العلماء العرب المسلمين الذين ولدوا في بلاد فارس أو لهم أسماء ذات أصول فارسية بأنهم إيرانيون وما كان هناك شئ إسمه إيران في ذلك الوقت. وإذا كان هذا التنسيب صحيحاً فإن كثير من علمائنا الأندلسيين العرب المسلمين سيكتسبون الجنسية الإسبانية بعد حين. ولا أظن أن أحداً سيسعد بذلك. أنا أريد من أحد أن يخبرني ما الذي تقوم به الجامعة العربية بالضبط؟

وبالمناسبة

كان هذا الكتاب عندي منذ سبع سنين. وقد نشرت منه بعض الأعمال للرسام والخطاط الجزائري رشيد القريشي. إلا أنه وقع في يدي منذ أيام وأنا في خضم دراستي للخطوط المصحفية القديمة بشقيها الحجازي والكوفي. وانتبهت هذه المرة لعمل الرسام والخطاط العراقي حسن المسعودي في هذا لمشابهة عمله للخطوط المصحفية القديمة فخطر لي أن أكتب شيئاً عن هذا الكتاب. وحيث أن أعمال رشيد القريشي هي من باب الحروفية العربية حسب تصنيفي المتواضع، فلا أحسن من أن ندرج هذا الإستعراض السريع في هذه التدوينة.

غلاف الكتاب واسمه “أمة في المنفى” وهو من إصدار دارة الفنون في عمّان الأردن. وقد ساهم في الكتاب كل من الشاعر محمود درويش والخطاط حسن المسعودي العراقي ورشيد القريشي من الجزائر. وتتضمن حاشية في الكتاب إسم عطالله باعتباره مصمم الكتاب.
وقد قام المصمم عطالله بمقابلة صفحة من شعر محمود درويش المكتوب بخط حسن المسعودي بصفحة من عمل رشيد القريشي الحروفي (Asemic إن شئت). وفي هذه الصورة نموذج من خط المسعودي حيث نرى كيف يحاكي بخطه الخط المصحفي القديم من النوع الكوفي. وهو مع محاكاته إلا أنه يضفي عليه لمسته الشخصية خاصة في تثخن الخط عند نهايات الكلمات.
ويقوم حسن المسعودي بالمناورة في حجم الخط بحسب طول قصيدة محمود درويش في تلك الصفحة. هذه الصورة نموذج للخط بالحجم الوسط حيث يظهر نسيج الخط المتجانس على يد حسن المسعودي الخبيرة.
ولا تعجز طول شجون محمود درويش الخطاط المسعودي حيث يختار حجماً صغيراً للحرف لتستوعب الصفحة كامل القصيدة.
وهذا نموذج من عمل رشيد القريشي ويكاد يكون في صميم الـ Asemic الذي أسهبنا في ذكره اليوم. ويبدو أنه يمكن ربط أي من الحروفيين عندنا الى شيخ الحروفية العربية نجا المهداوي. حيث نرى واضحاً في عمل رشيد القريشي التكوين المبني على تضاد الخط الكبير الجليل مع الخط الناعم الصغير. ورشيد القريشي يستخدم ضربة خطاطية أكثر ارتخاءًا من ضربة نجا المهداوي الخطاطية. وبهذا تكون الخطوط أقرب الى خط الكتابة منه الى الخط العربي. وينطبق هذا على الخط الصغير حيث أنها كتابة يدوية أيضاً. وإذا أردتم أن تشبعوا من الـ “أسيميك” فيمكن تحميل كراسة لأعمال رشيد القريشي من خلال هذا الرابط.
ويحتوي الكتاب على مقدمة بقلم عبدالكريم الخطيبي باللغتين العربية والفرنسية. وقد أحسنت المصممة يارا عطالله تصميم النص الفرنسي باختياره الخط الطباعي المناسب والحروف الكبيرة على طريقة الـ Drop Caps. وهذا على نقيض ما استطاعت أن تحققه في تصميم النص العربي والذي نراه في الصورة اللاحقة.
تصميم النص العربي أقل اتساقاً من تصميم النص الفرنسي في أعلاه. وذلك خاصة في الحروف الكبيرة. وقد اختارت المصممة يارا عطالله خط ياقوت لتصميم النص العربي. ومع جمال هذا الخط إلا أن المصممة لم تُوفق حسب رأيّي الى تحقيق مستوى جمالي يتناسب مع أناقة المطبوع بشكله العام. ولربما كان من الأفضل زيادة المساقة بين السطور مع اختيار حجم أكبر للحرف. وأنا شخصياً أميل الى الوزن الأثقل من ياقوت (ياقوت أسود كما يسمى) إلا أن طابع الكتاب في تصميمه العام لا يستدعي استخدام خط ثقيل في هذا الموضع.

إذاً كانت هذه هي جولتنا التي استعرضنا فيها مديات تتراوح بين الثقافة العربية والثقافة الأجنبية مثلما تناولت كل من الخط التقليدي والخط الطباعي. وهي وإن كان موضوع الحروفية يتكرر على هذه المدونة فإن التدوينة هذه المرة لربما جاءت ببعض ما هو جديد. فمن منا قد سمع بهذا الـ Asemic من قبل. ومع أن الـ Asemic على مستوى النص اللغوي هراء في هذي يتكلف الناس فهمه، فهو على المستوى البصري ممتع.

ختاماً نسأل الله السداد والقول الثابت في الدنيا والآخرة وعسى الله أن يتقبل منّا الطاعات والصيام إنه لطيف لما يشاء وهو العليم الخبير. مبارك رمضانكم وإن قارب على آخره.

رأيان حول “Asemic (الحروفية بالإنجليزي)

  1. شكراً للمقال الهام استاذ خالد.
    في سياق متصل نوعاً ما، هل اسم الفنان: المسعود أو المسعودي؟
    أعتقد انه المسعود في العربية، والمسعودي بالفرنسية 🙂

    والمصممة هي آندريا عطا الله، الله أعلم!

    1. حبيبي الغالي استاذ حسين،

      إعتذاري الخالص لعدم الرد المبكر على ملاحظتك التي دائماً تكون قيّمة ومفيدة لي. لا أدري لماذا لم يصلني إشعار على الإيميل بخصوصها وعلى كل حال فإني سعيد جداً بالملاحظة وكل ملاحظاتك واشكرك جزيل الشكر على متابعتكم للمدونة.

      بالنسبة لإسم الرسام حسن فالأصح هو حسن المسعود كما تفضلت ويؤيد ذلك توقيعه على رسالة رد بعثها لي على أثر مقالة كتبتها عنه سابقاً. أما ما كتبته في هذه المقالة الأخيرة فهو بسبب أن إسمه مذكور هكذا “المسعودي” على غلاف كتاب “أمة في المنفى” وفي متنه. وهذا أمر محيّر فعلاً.

      كما أشكرك جزيل الشكر على بيان إسم المصممة آندريا عطا الله حيث أن الكتاب المشار إليه لا يذكر سوى “عطاالله للتصميم” في الكولوفون.

      تصحيحات قيّمة مثل هذه تضع الموضوع في مساره الصحيح وتكون أكثر فائدة للجميع وأتطلع الى المزيد من ملاحظاتكم.

      مع خالص محبتي وشكري وتقديري.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s