ضربة الخط

ضربة الحظ

كان الحديث عن ضربة الخط في المقالة السابقة مقدمة للدخول في شرح الأداة الجديدة التي أقوم بتطويرها عبر تقنيات برمجة الإنترنت والتي أسأل الله أن يوفقني لإنجازها في الأشهر القليلة القادمة لتفرغي بعد التقاعد من عملي الإداري الذي مكثت فيه ما يقارب العقدين من الزمان. وكما ذكرت في المقالة السابقة أني تريثت في العمل على الأداة الجديدة لأجل زيادة معرفتي من خلال البحث باستخدام الموارد المتاحة على الإنترنت. وبتوفيق الله عثرت على معلومات كثيرة ومفيدة  تتعلق بالتوصيف الكمّي للخطوط في الحواسيب والتي سأحاول أن أنتقل إليها في هذه المقالة. ولذا فإن عنوان هذه الفقرة ليس خطأً مطبعياً وإنما كانت فعلاً ضربة حظ عن ضربة الخط بتوفيق الله.

وسأحاول أن أقدم بعض الجوانب التي تعلمتها عن ضربة الخط كمقدمة الى فكرة “التمثيل الكمي” لضربة الخط العربي عبر سلسلة من الأشكال التوضيحية كما دأبنا في المقالات السابقة:

strokedirectionvspressure
تلخيصاً للمقالة السابقة نستطيع القول بأنه فيما يتعلق بطرق إستحداث التباين في ثخن الخط، ربط الباحث جيريت نوردزي بين تباين ثخن الخط والمسار  في حالة القلم ذي السن العريض وبينه وبين الضغط في حالة قلم السن المستدق. وذكر بأن السن العريض هي الأداة المفضلة في الخطوط الأوروبية القديمة حتى جاء القلم ذو السن المعدني المرن والمستدق ليحدث نمطاً خطاطياً جديداً في عصور لاحقة.
typesofstrokes
ولو حاولنا تطبيق الفكرة التي ذكرها الباحث نوردزي والتي حاولت تلخيصها في المقالة السابقة نرى أن ما يخص الخط العربي هو فقط عامل التغير في إتجاه القلم (1 في الصورة) مع شئ من التغير في زاوية سن القلم (2 في الصورة). أما عامل الضغط على سن القلم فلم يكن مرتبط بتطور الخط العربي لا من قريب ولا من بعيد.
nibshapeonpath
ولربما يكون من المناسب أن نذكر بعض الخصائص الجمالية لإستخدام قلم الخط ذي السن العريض. ففي الشكل التوضيحي الذي تم رسمه ببرنامج الإليستريتور نرى في المثال أسفل الشكل الخط الناتج عن قلم ذي سن عريض ويبدو أن هذه النتيجة كانت مرغوبة ولذلك استخدم القلم ذو السن العريض (والذي كان غالباً ما يصنع من القصب) للكتابة في غالب الثقافات القديمة وكان هو المفضل في الخط العربي عبر مراحله التاريخية ولحد اليوم. وهذا بالرغم من أن بدايات قلم القصب كانت بالسن المستدق والذي يحدث الضربات التي تشبه ما في المثال الأول (مع شئ قليل من المبالغة في حجم السن) في أعلى الصورة. والفرق الجمالي بين المثالين واضح.
pendirection-arabic
وقد تم تطوير الأداء الجمالي لضربة الخط في الخط العربي عبر المراحل التاريخية ليبلغ مرتبة عالية تروق لعين الأعجمي قدر ما تروق لعين العربي. ونرى في الصورة التي تمثل نموذجاً من خط الثلث العثماني أن التباين في ثخن الخط يتحقق تبعاً لمسار القلم مع شئ من التباين الناتج من التغير في زاوية سن القلم عبر مسار الضربة. وتساعدنا شفافية الحبر في هذا المثال في تعقب التغير في زاوية سن القلم وذلك من أثر الخطوط المستعرضة لضربات الخط في هذا المثال.
penchangedirection
إن تغيير زاوية سن القلم أثناء عمل الضربة مهم في الخط العربي وهو الذي يضفي على الخط العربي شخصيته المتميزة. ولربما كان تغير زاوية سن القلم في خط النستعليق أكثر أهمية مما هو في الخطوط العربية الأخرى لتحقيق الفرق الواضح في ثخن الخط عبر مسار لا يتغير إتجاهه كثيراً كما في الإمتداد الأفقي في هذا المثال. ونرى عند الموضع المؤشر بالأسهم المزدوجة البيضاء أثر تدوير سن القلم من خلال فرك القلم حيث نستطيع ملاحظة التدرج في تغيير زاوية سن القلم لتحقيق الزيادة في ثخن الخط في تلك النقطة من ضربة الخط.

دروس الخط للحواسيب

وننتقل الآن الى الجزء الثاني من مقالة هذا اليوم وهو ما يتعلق بما سميّته بالوصف الكمّي لضربة الخط العربي. وقد تعرفت خلال بحثي على عمل عالم الرياضيات والحواسيب الأمريكي دونالد كانوث (Donald Knuth) الذي عمل على “تعليم الحواسيب كيفية الكتابة” حسب قوله. وقد كان مهتماً في منتصف السبعينات بتصميم الخطوط وكتابة برامج الحاسوب التي يمكن من خلالها عمل التصميم الطباعي وإنتاج المطبوعات بمستوى جمالي مقبول. فقام باختراع شئ إسمه الميتافونت (Metafont) لوصف الخطوط الطباعية للحواسيب على أساس المعادلات الرياضية المضمنة في الشفرة البرمجية وكما في المثال التالي:


mode_setup;

% parameters are name, width, height over base line,

% depth below base line
beginchar ("a", 9pt#, 12pt#, 0);
alpha:=0.65;
beta:=0.24;

% define points
x1 = 0; y1 = 0.8*h;
x4 = w; y4 = 0.2*h;
y2 = h; y3 = 0;
x2 = (alpha-beta)*w;
x5 = alpha*w;
x3 = (alpha+beta)*w;
y5 = 0.5*h;
x6 = 0; y6 = 0.3*h;
x7 = 0.2*w; y7 = 0;
x8 = x5; y8 = 0.2*h;

% define pen
pickup pencircle xscaled 0.2w yscaled 0.04w rotated 30;

% draw
draw z1{dir 30}..z2{right}..z5{down}..z3{right}..z4{dir 30};
draw z5..z6{down}..z7{right}..z8;
penlabels(1,2,3,4,5,6,7,8);
endchar;

end</pre>

والشفرة المصدرية (البرمجية) في أعلاه تنتج الحرف الأول على اليمين في الشكل التالي:

metafont
تعتمد طريقة دونالد كانوث على لغة برمجة لتعريف أشكال الحروف. وفي الشكل نرى مقارنة بين حرفين تم تكوينهما عبر الشيفرة البرمجية. ونلاحظ في الحرف الأول على اليمين أنه يمثل الشكل الناتج عن تحرك قلم بسن عريض بينما يمثل الحرف الثاني على اليسار طريقة التغير في ضغط سن القلم على التباين في ثخن الضربة المكونة لشكل الحرف. وعمل دونالد كانوث يعكس ذات الأساس الذي حدده جيريت نوردزي لضربات الخط المكونة للحروف. ومن المهم أن نذكر بأن هذه الطريقة تناسب العلماء الذين يتندرون بينهم بالمعادلات الرياضية ولا تنفع البشر العاديين أمثالنا.

وقد تزامن عمله مع عمل المخترع الألماني بيتر كارو (Peter Karow) الذي كان يطور طريقة أخرى لخطوط الحواسيب والتي تعتمد على وصف الحدود الخارجية للحرف والتي أصبحت الأساس لخطوط الحواسيب الحديثة للسهولة والمرونة التي توفرها هذا الطريقة بالمقارنة مع طريقة الوصف الرياضي للباحث دونالد كانوث ولكن مع خسارة جوانب مهمة سنقوم بالتعرف عليها عبر سلسلة الأشكال التالية.

Ikarus_Outline_Description
يمثل هذا الشكل طريقة وصف أشكال الحروف بواسطة الخطوط المتصلة والمغلقة (مغلق بمعنى إتصال أول الخط بآخره كما في العقد المغلق). ويمكن وضع الأشكال المغلقة الواحدة بداخل الأخرى لتمثيل عيون الحروف كما في حرفي الـ a والـ b في الصورة. ويتم تمثيل هذه الخطوط بالأرقام في الفراغ الإحداثي وبالتالي هي تعتبر من رسوم الفيكتور (Vector) والتي يمكن تكبيرها وتصغيرها دون تشوه الشكل. وطريقة بيتر كارو التي سماها إيكاروس (Ikarus) هي التي أدت الى البوستسكريبت والأوبنتايب. وبالرغم من مزيايها التصميمية إلا أنها لا تعدو أن تكون صورة للحرف ولا تختزن المعلومات التي تمكّن الحواسيب إنتاج هذه الحروف ذاتياً دون إنتاج الصورة المخزونة والمعرفة بحافاتها.
postscript
أطلقت شركة أدوبي لغة البوستسكريبت (Postscript) في عام 1985 وتزامن الإطلاق مع شيوع الحواسيب الشخصية وتطور الطابعات الليزرية. وتم إستخدام البوستسكريبت لتمثيل الحروف الطباعية والذي أعقبه بعد فترة قليلة نظام التروتايب. والنظامان يقومان بوصف أشكال الحروف بواسطة الخطوط والمنحنيات والنقاط الإحداثية لتمثيل حافات الحروف الخارجية كما هو الحال في نظام الإيكاروس السابق لها. وبالتالي هي الأخرى تمثل صورة الحرف دون الأخذ بنظر الإعتبار الطريقة التي يتم تكوين بها شكل الحرف. والمقصد هنا يتعلق بأساس أو تاريخ تطور شكل الحرف الذي ثبت بحكم ما يسموه في علم الحديث الشريف بالتواتر – إن جاز لنا الإقتباس -. وتاريخ تطور شكل الحرف مرتبط بالأداة التي تم تشكيل الحروف بواسطتها والذي يهمنا منها هو القلم (أو تحديداً سن القلم).
fontlab
وآلت طرق تعريف الخطوط الطباعية الى مواصفات الأوبنتايب التي تبنتها أكثر شركات الحواسيب والبرمجيات. وساعد نشر موصفات الأوبنتايب في خلق صناعة جديدة مجالها برمجيات صناعة الخطوط الرقمية مثل فونتلاب وربوفونت وجليفس. ومع تزامن توافر المعرفة المجاينة عبر الإنترنت وبنوعية مقبولة أصبحت إمكانية مشاركة قطاع واسع من المهتمين في هذه الصناعة التي كانت قبل ثورة المعلوماتية حكراً على الشركات الصناعية والأكاديميات البحثية المتخصصة.
robofontnibsimulator
وبالرغم من أن الأساس في تكنولوجيا الخطوط الرقمية الشائعة هو تعريف أشكال الحروف عن طريق حافاتها الخارجية إلا أن بعض أدوات تصنيع الخطوط الرقمية كبرنامج ربوفونت قامت بتوفير إمكانية بناء أشكال الحروف بموجب الأساس الخطاطي. وفي الصورة نرى إمكانية تشكيل الحرف من خلال ما يشبه إستخدام القلم من حيث مسار الخط وزاوية وعرض سن القلم. والخط المحوري الموازي لإتجاه ضربات الخط في الصورة يمثل مسار القلم في حين أن الخطوط القصيرة المستعرضة على المسار تمثل طبعة سن القلم وتبين الزاوية والعرض الثابتين عبر المسار.
letterinkapp
وترينا هذه الصورة تطبيق إضافي على برنامج صناعة الحروف الرقمية جليفس (Glyphs) يسمى ليترنك (Letterink). وهو أيضاً يوفر إمكانية محاكاة تأثير قلم الخط ذي السن العريض ولكن على خلاف الأدوات الذي ذكرناها في أعلاه يمكن هنا تعديل نقاط التحكم في زاوية وعرض القلم بشكل مباشر ورؤية تأثير التعديلات على شكل الحرف بشكل مباشر.
khatnaskh
ولا يزال المجال مفتوحاً لتمثيل ضربات خط القلم العربي في تكوين أشكال المحارف. ولعلي لم أطّلع على محاولة في هذا المجال باستثناء محاولة توماس ميلو في برنامج تصميم. ومع أنه لا يعتمد على مبدأ المعايير القابلة للتعديل – كما هو الحال في الأمثلة التي ذكرناها هنا – إلا أنه يحاول بناء شكل الحرف الواحد برسم ضربات الخط التي تشكل الحرف ولربما يستخدم خاصية التجميع والتفكيك المقابلة لما هو موجود في مواصفات الأوبنتايب – التي لا يعتمدها – لتظهير الخط في برنامج الإنديزاين الذي هو البرنامج الوحيد الذي يدعم خطوط توماس ميلو. وبهذا فإن محارف خطوط برنامج تصميم لا تعدو أن تكون صورة الحرف ولا تحتوي معلومات لمحاكاة الأداة الخطاطية والأساس الخطاطي الذي طالما نادى توماس بضرورة إعتماده.

وختاماً أتمنى أن يكون هذا السرد المقارن بين طريقتين مهمتين في وصف الخطوط الرقمية قد شحذت إهتمامكم بالموضوع. وأتمنى أن أتمكن من عرض بعض الأمثلة عن الأداة التي أقوم بصناعتها لتمثيل الخط العربي. ومع أني لا أدعي أنها ستكون ذات فائدة في تكوين محارف الخطوط العربية الرقمية إلا أنني أتمنى أن تكون خطوة في تعليم الحواسيب أسس رسم الخط العربي.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s