Posted by: خالد محمد خالد | أغسطس 2, 2016

تصميم المصاحف

الأرث الثقافي العظيم

حرص المسلمون الاوائل على حفظ القرآن الكريم من خلال تدوينه وسارعوا بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وسلم على جمع القرآن في المصحف. وقد أولى المسلمون عبر تاريخهم إهتماماً إستثنائياً بهذا الكتاب العظيم من حيث دقة ضبط المضمون الذي تعهد الرب سبحانه بحفظه وكذلك بتجويد شكل المصحف أيضاً.

وقد كان المصحف من بين العوامل المهمة التي ساعدت على تطور الخط العربي. فقد دعت الحاجة الى جعل المصحف مقبولاً ومقروءاً من قبل مستخدميه الى تطوير الخط ليتناسب مع الأداء اللفظي الصحيح للقرآن الكريم. وبذلك تطور الخط العربي في مكوناته ليضيف الى أشكال الحروف الأساسية الحركات ورموز الضبط واللفظ.

TuebingenMushaf

هذا مصحف أثري محفوظ في جامعة توبينجن الألمانية وقد تبين مؤخراً من خلال فحص عمر المخطوط أنه يعود الى فترة تلت وفاة الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم بـ 20 الى 40 عاماً. ونلاحظ أن المصحف عملي في تكوينه يهدف الى جمع النص أكثر من أي مؤدىً آخر. وقد تطورت المصاحف بعده لتتضمن تحسينات كثيرة في رسم كلمات القرآن من حيث تثبيت النقاط وإضافة الحركات وعلامات القراءة وكذلك تحسينات في الإخراج الجمالي للمصحف من خلال النقوش والزخرفة والتذهيب وطريقة صناعة المصحف.

سرعان ما تطورت صناعة المصاحف بعد اختتام الرسالة السماوية وظهرت في الفترة الأموية وأوائل حكم العباسيين مصاحف غاية في السمو والجمال والإتقان في الصنعة لا يزال الباحثون يكتشفون جوانبها.

سرعان ما تطورت صناعة المصاحف بعد اختتام الرسالة السماوية وظهرت في الفترة الأموية وأوائل حكم العباسيين مصاحف غاية في السمو والجمال والإتقان في الصنعة لا يزال الباحثون يكتشفون جوانبها.

ولم تكن الإحتياجات العملية المحرك الوحيد لتطوير المصاحف حيث أن الرغبة في تجميل القرآن المكتوب في المصاحف ماثلت الرغبة في تجويد قرائته وصوته. لذا نرى عبر تاريخ كتابة المصاحف آيات من الجمال قلما نجدها في أي كتاب آخر وخذ مثالاً لذلك ما عرضناه عن مصحف الظاهر بيبرس الثاني في مقالة سابقة.

 مصحف قنسوح الغوري

وكنت قد أوردت صورة في مقالة سابقة عن بعض الأجانب وهم يعالجون مصحفاً ضخماً حيث وضعت الصورة بعنوان: “قبّلوا تراثكم الوداع” لما لاحظته في الصورة عن الطريقة التي يعالج بها هؤلاء الكنز العظيم الذي كان بين أيديهم كأنما غنموه وهم غير مصدقين. والحقيقة أن الصورة تعود لخبر عن مصحف ضخم تم صناعته قديماً لسلطان المماليك قنسوح الغوري وآل الى مقتنياتهم بطريقة أو أخرى. والمصحف كبير في أبعاد تبلغ 60 في 90 سنتيمتراً ويبلغ وزنه 52 كيلوغراماً. وهو مكتوب بخط محقق كبير وجميل كانت الصفحات الثلاث الأولى منه مذهبة وبقية الصفحات بالحبر الأسود المكتوب على ورق أسمر سميك.

مصحف السلطان قنسوح الغوري محفوظاً في جامعة مانشيستر ومعروض بدقة على موقعهم.

مصحف السلطان قنسوح الغوري محفوظاً في جامعة مانشيستر ومعروض بدقة على موقعهم.

وقد قامت جامعة مانشستر بتصوير المصحف وعرضه بوضوحية عالية من خلال تطبيق يمكن الوصول إليه عبر هذا الرابط. وهو عمل عظيم نشكرهم عليه. ومع أني قد إنتقدت إستحواذهم على آثارنا بما قطع إتصال الأجيال الجديدة في هذه الأمة عن تراثها الحضاري إلا أنهم بكل تأكيد أقدر منّا اليوم على نشر هذه المعرفة المفيدة والتي تتيح للعالم أجمع أن يستفيد من هذا المورد الثقافي العظيم.

تطبيق لعرض صفحات مصحف قنسوح الغوري بوضوحية عالية تستطيع دراسة تفاصيل صناعته. وهذا مهم جداً للباحثين في دراسة المخطوطات القديمة وما يتصل بها كتاريخ الخط العربي حيث يمكن معرفة الكثير من دراسة التفاصيل الدقيقة التي يفهم منها طريقة صناعة المصحف.

تطبيق لعرض صفحات مصحف قنسوح الغوري بوضوحية عالية تستطيع دراسة تفاصيل صناعته. وهذا مهم جداً للباحثين في دراسة المخطوطات القديمة وما يتصل بها كتاريخ الخط العربي حيث يمكن معرفة الكثير من دراسة التفاصيل الدقيقة التي يفهم منها طريقة صناعة المصحف.

ولنعرض مجموعة من الصفحات التي قمت بتحميلها من موقع جامعة مانشيستر دون أي تعليق لنترك للقارئ فرصة الإستمتاع بجمال الصفحات حسب تذوقه لها.

0006

0007

0005

0939

0325

0015

0016

0123

0169

0203

0203 (1)

0231

0278

0294

أما اليوم؟!

إنتهى الإبداع في تصميم وإنتاج المصحف عندنا منذ فترة طويلة. وعادت المصاحف اليوم تلبي الحاجة العملية فقط والمتمثلة بإيصال النص القرآني الى البشرية باكثر ما نستطيع من الدقة والضبط. وهذا هدف عظيم في حد ذاته ولكنه فقد الكثير مما تم بناؤه واكتسابه عبر تاريخ الأمة القرآنية. وتجمد تصميم المصحف اليوم حول قوالب ووصفات جمالية وضعت في أواخر الدولة العثمانية ولا يجرؤ أو لا يقدر أحد في هذه الأيام على تغييرها. فحركة الإبداع والمبادرة ماتت في هذه الأمة وأصبحنا نسبح في تيار الحياة لنبقى على قيد الحياة نأكل ونتكاثر دون أن نضيف الى مسارنا أي إعمار وأي تجديد.

يمثل قالب مصحف المدينة المنورة المثال الذي تصنع على أساسه أغلب المصاحف المنشورة في هذا الزمان. ويظل هذا القالب غالباً حتى في المصاحف الألكترونية. والصورة في أعلاه مأخوذة عن إحدى التطبيقات الألكترونية للمصحف الشريف.

يمثل قالب مصحف المدينة المنورة المثال الذي تصنع على أساسه أغلب المصاحف المنشورة في هذا الزمان. ويظل هذا القالب غالباً حتى في المصاحف الألكترونية. والصورة في أعلاه مأخوذة عن إحدى التطبيقات الألكترونية للمصحف الشريف.

تجدر الإشارة الى عمل المصريين في طباعة القرآن الكريم بحروف طباعية (على نقيض مصحف المدينة الذي كان أول من خطّه هو عثمان طه من سوريا الحبيبة). وقد كنت من المعجبين جداً بهذا العمل ومن فترة طويلة. ويعد هذا العمل من الإنجازات الطباعية ا لعظيمة التي فتحت الباب لتصميم حروف طباعية عربية جميلة.

تجدر الإشارة الى عمل المصريين في طباعة القرآن الكريم بحروف طباعية (على نقيض مصحف المدينة الذي يستند على عمل الخطاط). ولربما كان المصحف الأميري الذي طبع في المطابع الأميرية في بولاق هو أول مصحف طبع بالحروف المعدنية المنفصلة. وقد كنت من المعجبين جداً بهذا العمل ومن فترة طويلة. ويعد هذا العمل من الإنجازات الطباعية العظيمة الرائدة في تقديري.

مشروعي الجديد

إن التصدي لتحسين الطباعة العربية أمر صعب يتطلب نقلة متعددة الأبعاد تشمل الجوانب الثقافية والفنية والإقتصادية والتربوية بل وحتى السياسية. والوصول الى نتائج عملية واسعة التطبيق تتطلب جهداً قد يتعدى ما يستطيع الفرد الواحد أن يقدمه. ولكن بالنسبة لي لا أستطيع أن أترك الأمر دون محاولة. والمشكلة هي أني أرى إمكانية واسعة في التطوير ولكن الوسائل تكون عادة محدودة ومحفوفة بالعقبات. ثم أن الأمر حينما يتعلق بالمصحف الشريف فإنه يتطلب الكثير من العناية والجهد.

رزمة الخط العثماني من مجمع الملك فهد لطباعة القرآن الكريم في المدينة المنورة تضمنت النص القرآني في ملف مايكروسوفت وورد وخط رقمي من تصميم أشفاق.

رزمة الخط العثماني من مجمع الملك فهد لطباعة القرآن الكريم في المدينة المنورة تضمنت النص القرآني في ملف مايكروسوفت وورد وخط رقمي من تصميم شخص مجهول إسمه أشفاق أحمد نيازي.

 وقد كانت الرزمة التي نشرها مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في المدينة المنورة مبعث الشرارة التي أشعلت فيّ الهمة لعمل مصحف بمواصفات جديدة. وقد حاولت الإستفادة من الخط الرقمي الذي جاء في الرزمة والذي صممه شخص إسمه أشفاق أحمد نيازي (يدلل إسمه على أنه من جنوب آسيا كالباكستان أو الهند) في تنفيذ المصحف إلا أني وجدت أن الخط يمثل النص القرآني ضمن برامج مايكروسوفت بشكل صحيح ولكن يظهر مشاكل في تمثيل النص على منصات متصفح الكروم أو السفاري.

وقد كانت رحلة إعداد المصحف التي بدأت في نهاية العام الماضي مغامرة شيقة تعلمت فيها الكثير الكثير. وكان من بين ما تعلمته هو كشط صفحات الإنترنيت لتجميع المحتوى الذي إحتاجه والمتمثل بالتفاسير ومعاني كلمات القرآن الموجودة على الإنترنيت وتقوية قدراتي في برمجة الـ#C مع تعلم لغة الـphp. إلا أن ألجانب الأكثر متعة كان تصميم صفحات الويب باستخدام برمجة الـcss3 والتي تكون مع لغة الجافاسكريبت أداة قوية في صناعة تطبيقات الإنترنيت. وسأحاول أن أعرض فصولاً من هذه المغامرة في تدوينات لاحقة بإذن الله.

كانت محاولة صناعة مصحف الكتروني يعرض النص القرآني بدقة تحدياً كبيراً. ولكن طموحي يتعدى مجرد التمثيل الدقيق حيث أحاول إسترجاع الجوانب التصميمية العريقة التي سنتها أجيال من الخبراء والفنيين الإسلاميين من قبلنا.

كانت محاولة صناعة مصحف الكتروني يعرض النص القرآني بدقة تحدياً كبيراً في حد ذاته. ولكن طموحي يتعدى مجرد التمثيل الدقيق حيث أحاول إسترجاع الجوانب التصميمية العريقة التي سنتها أجيال من الخبراء والفنيين الإسلاميين من قبلنا والتي لم يعد يهتم بها صنّاع المصحف في الوقت الحالي.


Responses

  1. سبحان الله العظيم. فقد شاءت قدرة الله العظيم أن أجد سيرة مختصرة للمصمم الباكستاني أشفاق أحمد نيازي الذي ذكرته في المقالة في نفس الليلة التي نشرت المقالة فيها. وارتأيت أن أشير الى السيرة عبر هذا الرابط

    http://luc.devroye.org/fonts-53166.html

    وهذا رابط لسيرته الذاتية على الـLinkedIn:

    https://www.linkedin.com/in/ashfaqniazi


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

تصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: