خصائص الحروف الطباعية العربية

الجمتني أحداث تونس عندما حدثت عن الكتابة، وزاد همّي حينما امتدت ثورة الشباب العربي الى مصر الحبيبة. فحينما أتخيل ما يمكن أن تفعله أنظمتنا البالية بشعوبها يصغر أمام ذلك كثير من همّي. فما معنى أن أتحدث هنا عن الحروف ومشاكلها الطباعية والشباب يواجهون آلة الحرب التي لم تديمها الأنظمة إلا لتتجاوز بها أيام من مثل هذه. وحينما سما أهل تونس ومصر فوق تلك الأيام العصيبة زال الكثير من هاجسي… حتى طالعتنا الأيام بأحداث ليبيا وسوريا وحدث ما كنت أخشاه. ولكني أدركت أنه مثلما ظهر العقل والإنسانية في أحداث تونس ومصر فلا بد أيضاً من صفحة للشجاعة والصبر في ملحمة التغيير العربية. وأدعو لشباب ليبيا وسوريا بالتوفيق وأن يتولى الله سبحانه هذا التغيير برحمته ولطفه.

مصر عربية

وفي خضم أحداث ثورة الشباب برزت الآلة العسكرية الغربية أيضاً كما برزت عندنا في العراق في العشرين سنة الأخيرة هذه. طائرات لا تكاد تراها العين المجردة تحلق في الجو وتقذف بالموت والخراب على من هم تحتها. منظومات من العلم والسيطرة والإدارة طورها الغرب على مدى من الزمان عبر الدراسة والبحث والتجريب. ومع أننا لا نختلف كثيراً عن بقية شعوب الأرض من حيث أننا نستهلك من التطور فتاته، ألا أننا نتفرد عن الشعوب بأننا ضحية كل من طغيان أنظمتنا وسلاح الغرب في ذات الوقت. ولكننا اليوم سائرون بإذن الله الى التغيير. تغيير الأنظمة البالية أولاً ومن ثم تغيير في نصيبنا من التقدم والقوة والبناء والمكانة التي نستحقها بين الأمم والشعوب.

أستطيع الآن وبعد قولتي هذه أن أدخل في موضوع العنوان. وأريد عبر سلسلة من المقالات أن أضع أسساً لتصميم الحرف الطباعي العربي. وأبدأ ذلك بتحديد خصائص الحرف الطباعي ومحاولة استنتاج المدلولات التصميمية من هذه الخصائص. واستطيع تحديد خصائص الحروف الطباعية في أربعة مجاميع وهي:

  • خصائص عملية: وهي ما يتعلق بذات الحرف الطباعي وأطقم الحروف الطباعية (الفونتات)
  • خصائص بصرية: مقروئية الحرف، أيقاع الحروف، تجانس الحروف في الوزن والحجم والطراز
  • خصائص موروثة: شكل الحرف المتعارف عليه وتأثير الطرق الخطاطية على شكل الحرف
  • خصائص مكتسبة: وهو ما جاء بتأثير تكنولوجيا الطباعة عبر مراحلها التاريخية

وسأكمل مقالة اليوم بالبحث في المجموعة الأولى من الخصائص كما سأحاول عبر مقالات تتبعها توضيح الخصائص الأخرى بإذن الله تعالى.

الخصائص العملية للحروف الطباعية

الحروف الطباعية هي مجموعة من الرموز والأشكال مجسدة في مورد (كأطقم الحروف المعدنية أو ملفات الحاسوب) يمكن استعماله لتكوين الصفحات الكتابية. وتتعدى أشكال الرموز تمثيل الحروف الهجائية فقط حيث تحتوي على الأرقام وأشكال الحركات والعلامات كالنقاط والفواصل والأقواس. وقد تحتوي أطقم الحروف على رموز لرسوم هندسية أخرى كمربعات ودوائر وأشكال لرؤوس النقاط وخطوط مستقيمة وزوايا لرسم الجداول والفواصل على الصفحة.

وقد تكون لنا فرصة لاحقة في التحدث عن التطور التاريخي لأطقم الحروف الطباعية العربية حيث سأركز اليوم على طريقة تكوين الحروف الطباعية في الوقت الحاضر، والتي تكاد تنحصر عموماً في ترميز الحروف رقمياً في ملفات الحاسوب. وتسيطر اليوم تقنيات التروتايب (TrueType) والأوبنتايب (OpenType) على طريقة الترميز. وتوفر هذه التقنيات أمكانية إعداد أطقم حروف تضم أشكال ورموز وحروف لغات عديدة في ملف واحد. ويعين على ذلك تقنية اليونيكود (Unicode) التي تحدد العدد الرقمي لكل رمز.

ولتكنولجيا تكوين أطقم الحروف تأثير على الطابع التصميمي للحروف العربية وهو ما سنتناوله في مقالة قادمة إن شاء الله. وأحب أن أركز اليوم على الحروف كمجموعة ضمن طقم الحروف أو ما يسمى “الفونت الطباعي”. فمن المهم أن يضم الفونت بالدرجة الأولى كل الحروف الهجائية. والحروف العربية هي 29 حرفاً بضمنها الهمزة التي هي حرفاً عربياً كاملاً بالرغم من ظهورها غالباً كرمز للتشكيل على الألف أو الواو أو الكرسي (ئـ). وحيث أن الطباعة العربية حافظت على اتصال الحروف فإن التقنية الطباعية الحالية تتطلب تصميم أشكال عديدة للحرف الواحد. فالفونت الطباعي يجب أن يضم أربعة أشكال متميزة لحرف الهاء (هـ ـهـ ـه ه) أو العين (عـ ـعـ ـع ع) على سبيل المثال. وجرت منذ ابتكار الآلة الطابعة العربية محاولات لتبسيط الحرف العربي مع احتفاظه بشكله التقليدي مما أضفى طابعاً مميزاً للحروف الطباعية العربية سنتناوله أيضاً في الحديث عن الخصائص المكتسبة للحرف الطباعي العربي.

ولتسهيل متابعة ما يجب على المصمم الطباعي العربي تصميمه قمت بإعداد خارطة طريق فيما أسميته “بالجدول الدوري لتصميم الحروف الطباعية العربية”. وسترى أن الجدول يتوسع في أشكال الحروف المطلوبة حيث يعتمد على أساس عمل أربعة أشكال لأغلب الحروف والتي يمكن في الحقيقة اختزالها الى شكلين باستخدام طريقة الحرف العربي البسيط كما سنوضحه لاحقاً. ويظهر من الجدول أن عدد الحروف والأشكال التي يجب تصميمها بشكل أساس هو 174 شكلاً. وقد قمت بتوفير الجدول بهيأة PDF ليتمكن المصمم من طباعته واستخدامه لمتابعة مشروعه التصميمي، وبهيأة Illustrator ليتمكن المصمم من تعديل الجدول بإضافة أوحذف الأشكال وبحسب الحاجة.

خرطة الطريق
مساعدك في متابعة مشروعك التصميمي

الجدول الدوري لتصميم الحروف العربية بهيأة PDF

الجدول الدوري لتصميم الحروف العربية بهيأة Illustrator

والمشروع التصميمي قد يكون معقداً ومتعباً لكثرة الأشكال المطلوبة. وهناك فرصة للتقليل من الجهد التصميمي سنوضحها لاحقاً إلا أن قيمة الفونت الطباعي تكمن في وفرة الأشكال والرموز التي يوفرها الفونت. وتتنافس شركات الفونتات الرئيسية على انتاج أطقم تحتوي على كل ما يمكن أن يحتاجه المطبعي من رموز سواءً كان ذلك في جانب الحروف (بلغاتها المختلفة – عدا الآسيوية بطبيعة الحال) أو الرموز والعلامات المختلفة. وتضيف الشركات كلمة PRO الى أسماء الفونتات للدلالة على أنه يحتوي حروف كل اللغات الأوروبية (وأحياناً العربية معها). وسيكون تصميمك أكثر تألقاً باستخدام تركيبات الحروف التي توفر الأشكال الصحيحة لاتصال بعض الحروف كالميم والجيم-حاء-خاء والياء النهائية وغيرها. وفيما يلي رابطين لملفات PDF يسردان مجموعة الأشكال التي توفرها كل من خطي الـ Arabic Transparant من شركة منوتايب وحرف ياقوت من شركة لاينوتايب على سبيل المثال.

مجموعة حروف Arabic Transparent

مجموعة حروف خط ياقوت من شركة Linotype

تركيبات الحروف
تركيبات الحروف في ملف حرف ياقوت

وأريد أن أستغل هذه الفرصة للتنويه على نقطة مهمة تشغلني كثيراً وهو ما يتعلق بالأرقام العربية والحروف اللاتينية التي يتضمنها الفونت. وقد ذكرت جانباً من هذا الموضوع في مقالة سابقة عن دراسة قام بها تايتس نيميث حول مشاكل تصميم الصحف العربية. حيث أن استخدام التصميم اللاتيني للرقم العربي غير مناسب بصرياً على الأطلاق. وهذا من جهة الطابع التصميمي ومن جهة حجم الرقم بشكل أساس. والذي أستطيع أن أوصي به هو تصميم الأرقام العربية بشكل يتناسب مع الحروف التي تقوم بتصميمها وعدم نسخ أشكال الأرقام من فونتات لاتينية أخرى.

وعند اختيارك للحروف اللاتينية التي تريد أن تضمنها مع حروفك العربية قم باختيار تصميم ذو طابع بصري مناسب بحيث لا تطغي الحروف اللاتينية على العربية في السطر وتظهر بشكل بارز ومتميز.

التوازن المفقود
اختيار حرف لاتيني غير مناسب